- مكتبة القرآن مكتبة علوم القران مكتبة الحديث مكتبة العقيدة مكتبة الفقه مكتبة التاريخ مكتبة الأدب المكتبة العامة
- كتاب : صيانة صحيح مسلم من الإخلال والغلط وحمايته من الإسقاط والسقط
- المؤلف : عثمان بن عبد الرحمن بن عثمان الكردي الشهرزوري أبو عمرو
- صيانة صحيح مسلم من الأخلال والغلط وحمايته من الإسقاط والسقط
- بسم الله الرحمن الرحيم
- قال الحمد لله المتفرد باستحقاق الحمد على ما سر وساء الذي رفع بالعلم درجات من شاء وأحل حضيض الضعة من جهل وأساء ولا إله إلا الله ذو الكمال المطلق والجلال الأعظم وصلى الله أفضل ما صلى على محمد عبده ورسوله الهادي إلى أكمل شريعة وأقوم لغة وعلى النبيين وآليهم المكرمين من عباده وسلم وخص وكرم ما دعاه سبحانه داع فأسعف ومن وأنعم آمين آمين آمين
- سألتني نفعك الله وإياي وسائر الأصحاب بنافع العلم وأحظانا جميعا بصائب الفهم أيام قراءتك الكتاب الصحيح لمسلم رضي الله عنه أن أبين منه وأقيد ما يكثر فيه من طالبي الحديث ليعلم الإخلال والغلط وأصونهم عما بصدده فيه من الإسقاط والسقط مقدما على ذلك بأن
- فضل الكتاب وفضله معرفا بحاله وشرطه فأجبتك إلى ذلك مختصرا وعلى هذا الأسلوب الذي يعظم به النفع وتكثر به البلوى مقتصرا متبرئا من الحول والقوة إلا بالله متعوذا من أن أفوه فيه بكلمة إلا لله وسميته صيانة صحيح مسلم من الإخلال والغلط وحمايته من الإسقاط والسقط وليس مقصورا على ضبط
- الألفاظ بل هو إن شاء الله تبارك وتعالى كاشف لمعاني كثير مما اغتاص على الفهوم في القديم والحديث وشامل النفع لصحيح البخاري وغيره من كتب الحديث والله العظيم اسأل تمام ذلك مصونا عما لا ينبغي ميسورا فيه ما نبتغي إنه هو الجواد الكريم البر الرحيم وما توفيقي إلا بالله عليه توكلت وإليه أنيب
- فأول ذلك أن مؤلفه هو مسلم بن الحجاج بن مسلم أبو الحسين القشيري النسب النيسابوري الدار والموطن عربي صليبة أحد رجال الحديث من أهل خراسان رحل فيه رحلة واسعة وصنف فيه تصانيف نافعة فسمع بخراسان يحيى بن يحيى التميمي
- وإسحاق بن راهويه وغيرهما وبالري محمد بن مهران الجمال وأبا غسان محمد بن عمرو زنيجا وغيرهما وبالعراق أحمد بن حنبل وعبدالله بن مسلمة القعنبي وغيرهما وبالحجاز
- سعيد بن منصور وأبا مصعب الزهري وغيرهما وبمصر عمرو بن سواد وحرملة بن يحيى وغيرهما في خلق كثير والله أعلم
- روى عنه من الأكابر أبو حاتم الرازي وموسى بن هارون وأحمد بن سلمة
- وأبو بكر ابن خزيمة ومحمد بن عبد الوهاب الفراء ومكي بن عبدان وأبو حامد بن الشرقي والحسين بن محمد بن زياد القباني وإبراهيم بن أبي طالب وأبو عمرو المستملي وصالح بن محمد الحافظ الملقب جزرة وأبو عوانة الإسفراييني
- وأبو العباس السراج ونصر بن أحمد الحافظ الملقب نصرك وسعيد بن عمرو البردعي الحافظ في آخرين
- وصنف غير هذا الكتاب كتبا منها كتاب المسند الكبير على الرجال وكتاب الجامع الكبير على الأبواب وكتاب العلل وكتاب ذكر أوهام المحدثين وكتاب التمييز وكتاب من ليس له إلا راو واحد وكتاب طبقات التابعين وكتاب المخضرمين وغير ذلك
- وقد كان له رحمة الله وإيانا في علم الحديث ضرباء لا يفضلهم وآخرون يفضلونه فرفعه الله تبارك وتعالى بكتابه الصحيح هذا إلى مناط النجوم وصار إماما حجة يبدأ ذكره ويعاد في علم الحديث وغيره من العلوم وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء
- أخبرنا الشيخ المسند أبو القاسم منصور بن عبد المنعم بن عبد الله بن الإمام أبي عبد الله محمد بن الفضل الفراوي النيسابوري
- الصاعدي قال أخبرنا أبو المعالي محمد بن إسماعيل الفارسي اخبرنا الإمام أبو بكر أحمد بن الحسين البيهقي قال أخبرنا أبو عبد الله الحافظ حدثنا أبو الفضل محمد بن إبراهيم قال سمعت أحمد بن سلمة يقول رأيت أبا زرعة وأبا حاتم يقدمان مسلم بن الحجاج في معرفة الصحيح على مشايخ عصرهما هكذا رواه البيهقي والخطيب الحافظان ووجدته في رواية أخرى عن الحاكم أبي عبد الله
- أيضا على مشايخ عصرهما في معرفة الحديث
- وروينا عن الحاكم أبي عبد الله الحافظ قال قرأت بخط أبي عمرو المستملي أملى علينا إسحاق بن منصور سنة إحدى وخمسين ومائتين ومسلم بن الحجاج ينتخب عليه وأنا أستملي فنظر إسحاق بن منصور إلى مسلم فقال لن نعدم الخير ما أبقاك الله للمسلمين والله أعلم
- مات مسلم رحمه الله سنة إحدى وستين ومائتين بنيسابور وهذا مشهور لكن تاريخ مولده ومقدار عمره كثيرا ما تطلب الطلاب علمه فلا يجدونه وقد وجدناه ولله الحمد فذكر الحاكم أبو عبد الله ابن البيع الحافظ في كتاب المزكين لرواة الأخبار أنه سمع أبا عبد الله ابن الأخرم الحافظ يقول توفى مسلم بن الحجاج رحمه الله عشية يوم الأحد ودفن يوم الاثنين لخمس بقين من رجب سنة إحدى وستين ومائتين وهو ابن خمس وخمسين سنة وهذا يتضمن أن مولده كان في سنة ست ومائتين والله أعلم
- وكان لموته سبب غريب نشأ عن غمرة فكرية علمية فقرأت بنيسابور حرسها
- الله وسائر بلاد الإسلام وأهله فيما انتخبته من تاريخها على الشيخ الزكي أبي الفتح منصور بن عبد المنعم حفيد الفراوي وعلى الشيخة أم المؤيد زينب ابنة أبي القاسم عبد الرحمن بن الحسن الجرجاني رحمها الله وإيانا عن الإمام أبي عبد الله الفراوي وأبي القاسم زاهر بن طاهر المستملي عن أبوي عثمان إسماعيل بن عبد الرحمن الصابوني وسعيد بن محمد البحيري والإمام أبي بكر البيهقي قالوا اخبرنا الحاكم أبو عبد الله الحافظ قال سمعت أبا عبد الله محمد بن
- يعقوب سمعت أحمد بن سلمة يقول عقد لأبي الحسين مسلم بن الحجاج مجلس للمذاكرة فذكر له حديث لم يعرفه فانصرف إلى منزله وأوقد السراج وقال لمن في الدار لا يدخلن أحد منكم هذا البيت فقيل له أهديت لنا سلة فيها تمر فقال قدموها إلي فقدموها فكان يطلب الحديث ويأخذ تمرة تمرة يمضغها فأصبح وقد فنى التمر ووجد الحديث قال الحاكم زادني الثقة من أصحابنا أنه منها مرض ومات قلت قد زرت قبره بنيسابور وسمعنا عنده خاتمة كتابه الصحيح وغير ذلك رضي الله عنه وعنا ونفعنا بكتابه وبسائر العلم آمين آمين
- بيان حال هذا الكتاب وفضله وشرطه ولنفصل في ذلك فصولا
- الفصل الأول هذا الكتاب ثاني كتاب صنف في صحيح الحديث ووسم به ووضع له خاصة سبق البخاري إلى ذلك وصلى مسلم ثم لم يلحقهما لاحق وكتاباهما أصح ما صنفه المصنفون والبخاري وكتابه أعلى حالا في الصحيح وانتقاده أخر جمه وكان مسلم مع حذقه ومشاركته له في كثير من شيوخه أحد المستفيدين منه والمقرين له بالأستاذية روينا عن مسلم رضي الله عنه قال صنفت هذا المسند الصحيح من ثلاثمائة ألف حديث مسموعة وبلغنا عن مكي بن عبدان وهو أحد حفاظ نيسابور قال سمعت مسلم بن الحجاج يقول لو أن أهل الحديث يكتبون مائتي سنة الحديث فمدارهم على هذا المسند يعني مسنده الصحيح
- قال وسمعت مسلما يقول عرضت كتابي هذا المسند على أبي زرعة الرازي فكل ما أشار أن له علة تركته وكل ما قال إنه صحيح وليس له علة أخرجته وورد
- عن مسلم أنه قال ما وضعت شيئا في هذا المسند إلا بحجة وما أسقطت منه شيئا إلا بحجة
- أخبرني الشيخ المسند أبو الحسن المؤيد بن محمد بن علي بن المقرىء بقراءتي عليه بشاذياخ نيسابور عن أبي منصور عبد الرحمن بن محمد الشيباني قال أخبرنا الحافظ أبو بكر أحمد بن علي بن ثابت قال حدثني أبو القاسم عبد الله بن أحمد بن علي السوذرجاني بأصبهان قال سمعت محمد بن إسحاق بن منده قال سمعت أبا علي الحسين بن علي النيسابوري يقول ما تحت أديم السماء أصح من كتاب
- مسلم بن الحجاج في علم الحديث
- ورويناه من وجه آخر عن ابن منده الحافظ هذا وقال فيه سمعت أبا علي الحسين بن علي النيسابوري وما رأيت أحفظ منه هذا مع كثرة من لقيه ابن منده من الحفاظ وقول أبي علي هذا إن أراد به أن كتاب مسلم أصح من غيره على معنى أنه غير ممزوج بغير الصحيح فإنه جرد الصحيح وسرده على التوالي بأصوله وشواهده على خلاف كتاب البخاري فإنه أودع تراجم أبواب كتابه كثيرا من موقوفات الصحابة ومقطوعات التابعين وغير ذلك مما ليس من جنس الصحيح فذلك مقبول من أبي علي وإن أراد ترجيح كتاب مسلم على كتاب البخاري في نفس الصحيح وفي إتقانه والاضطلاع بشروطه والقضاء به فليس ذلك كذلك كما قدمناه وكيف يسلم لمسلم ذلك وهو يرى على ما ذكره من بعد في خطبة كتابه أن الحديث المعنعن وهو الذي يقال في إسناده فلان عن فلان ينسلك في سلك الموصول الصحيح بمجرد كونهما في عصر واحد مع إمكان تلاقيهما وإن لم يثبت تلاقيهما وسماع أحدهما من الآخر وهذا منه توسع يقعد به عن الترجيح في ذلك وإن لم يلزم منه عمله به فيما أودعه في صحيحه هذا وفيما يورده فيه من الطرق المتعددة للحديث الواحد ما يؤمن من وهن ذلك والله أعلم
- نعم يترجح كتاب مسلم بكونه أسهل متناولا من حيث إنه جعل لكل حديث موضعا واحدا يليق به يورده فيه بجميع ما يريد ذكره فيه من أسانيده المتعددة وألفاظه المختلفة فيسهل على الناظر النظر في وجوهه واستثمارها بخلاف البخاري فإنه يورد تلك الوجوه المختلفة في أبواب شتى متفرقة بحيث يصعب على الناظر جمع شملها واستدراك الفائدة من اختلافها والله أعلم
- قرأت على الشيخة الصالحة أم المؤيد ابنة عبد الرحمن بن الحسن النيسابورية بها عن الإمام أبي عبد الله محمد بن الفضل الصاعدي وغيره عن الإمام أبي بكر أحمد بن الحسين البيهقي الحافظ وغيره قالوا أخبرنا الحاكم أبو عبد الله محمد بن الحافظ قال سمعت عمر بن احمد الزاهد قال سمعت الثقة
- من أصحابنا يقول رأيت فيما يرى النائم كأن أبا علي الزغوري يمشي في شارع الحيرة ويبكي وبيده جزء من كتاب مسلم فقلت له ما فعل الله بك فقال نجوت بهذا وأشار إلى ذلك الجزء
- أبو علي هذا هو محمد بن عبد العزيز الزغوري بفتح الزاي وضم الغين المعجمة وبعدها واو ساكنة ثم راء مهملة وكانت له عناية بصحيح مسلم والتخريج عليه وشارع الحيرة هو بنيسابور نفعنا الله الكريم بالدأب كما نفعه آمين والله أعلم
- الفصل الثاني شرط مسلم في صحيحه أن يكون الحديث متصل الإسناد بنقل الثقة عن الثقة من أوله إلى منتهاه سالما من الشذوذ ومن العلة وهذا هو حد الحديث الصحيح في نفس الأمر فكل حديث اجتمعت فيه هذه الأوصاف فلا خلاف بين أهل الحديث في صحته وما اختلفوا في صحته من الأحاديث فقد يكون سبب اختلافهم انتفاء وصف من هذه الأوصاف بينهم خلاف في اشتراطه كما إذا كان بعض رواة الحديث مستورا أو كما إذا كان الحديث مرسلا وقد يكون سبب اختلافهم في صحته اختلافهم في أنه هل اجتمعت فيه هذه الأوصاف أو انتفى بعضها وهذا هو الأغلب في ذلك وذلك كما إذا كان الحديث في رواته من اختلف
- في ثقته وكونه من شرط الصحيح فإذا كان الحديث قد تداولته الثقات غير أن في رجاله أبا الزبير المكي مثلا أو سهيل بن أبي صالح أو العلاء بن عبد الرحمن أو حماد بن سلمة
- قالوا فيه هذا حديث صحيح على شرط مسلم وليس بصحيح على شرط البخاري لكون هؤلاء عند مسلم ممن اجتمعت فيهم الأوصاف المعتبرة ولم يثبت عند البخاري ذلك فيهم وكذا حال البخاري فيما خرجه من حديث عكرمة مولى ابن عباس
- وإسحاق بن محمد الفروي وعمرو بن مرزوق وغيرهم ممن احتج بهم البخاري ولم يحتج بهم مسلم
- قرأت بخط الحاكم أبي عبد الله الحافظ في كتابه المدخل إلى معرفة المستدرك أن عدد من أخرجهم البخاري في الجامع الصحيح ولم يخرجهم مسلم أربعمائة وأربعة وثلاثون شيخا وعدد من احتج بهم مسلم في المسند الصحيح ولم يحتج بهم البخاري في الجامع الصحيح ستمائة وخمسة وعشرون شيخا وقد روينا عن مسلم في باب صفة صلاة رسول الله صلى الله عليه و سلم من صحيحه أنه قال ليس كل شيء عندي صحيح وضعته هاهنا يعني في كتابه الصحيح وإنما وضعت هاهنا ما أجمعوا عليه
- وهذا مشكل جدا فإنه قد وضع فيه أحاديث قد اختلفوا في صحتها لكونها من حديث من ذكرناه ومن لم تذكره ممن اختلفوا في صحة حديثه ولم يجمعوا عليه
- وقد أجبت عليهما بجوابين أحدهما ما ذكرته في كتاب معرفة علوم الحديث وهو أنه أراد بهذا الكلام والله أعلم أنه لم يضع في كتابه إلا الأحاديث التي وجد عنده فيها شرائط المجمع عليه وإن لم يظهر اجتماعها في بعضها عند بعضهم
- والثاني أنه أراد أنه ما وضع فيه ما اختلفت الثقات فيه في نفس الحديث متنا أو إسنادا ولم يرد ما كان اختلافهم إنما هو في توثيق بعض رواته وهذا هو الظاهر من كلامه فإنه ذكر ذلك لما سئل عن حديث أبي هريرة وإذا قرأ فأنصتوا هل هو صحيح فقال هو عندي صحيح فقيل له لم لم تضعه هاهنا فأجاب بالكلام المذكور ومع هذا قد اشتمل كتابه على أحاديث اختلفوا في إسنادها أو متنها عن هذا الشرط لصحتها عنده وفي ذلك ذهول منه رحمنا الله وإياه عن هذا الشرط أو سبب آخر وقد استدركت عليه وعللت والله أعلم
- الفصل الثالث وقع في هذا الكتاب وفي كتاب البخاري ما صورته صورة الإنقطاع وليس ملتحقا بالإنقطاع في إخراج ما وقع فيه ذلك من حيز الصحيح إلى حيز الضعيف ويسمى تعليقا سماه به الإمام أبو الحسن الدارقطني ويذكره الحميدي في الجمع بين الصحيحين وغيره من المغاربة وكأنهم سموه تعليقا أخذا من تعليق العتق والطلاق وتعليق الجدار لما يشترك فيه الجميع من قطع الإتصال فإن ما فيه من حذف رجل أو رجلين أو أكثر من أوائل الإسناد قاطع للإتصال لا محالة وهو في كتاب البخاري كثير وفي كتاب مسلم قليل وإذا كان التعليق بلفظ فيه جزم منهما وحكم بأن من وقع بينهما وبينه الإنقطاع قد قال ذلك أو رواه واتصل الإسناد
- منه على الشرط مثل أن يقولا روى الزهري ويسوقا إسناده متصلا ثقة عن ثقة فحال الكتابين يوجب أن ذلك من الصحيح عندهما وكذلك ما روياه عن من ذكراه بما لم يحصل به التعريف به وأورداه أصلا محتجين به وذلك مثل حدثني بعض أصحابنا ونحو ذلك وذكر الحافظ أبو علي الغساني الأندلسي أن مسلما وقع الإنقطاع فيما رواه في كتابه في أربعة عشر موضعا
- أولها في التيمم قوله في حديث أبي الجهم وروى الليث بن سعد
- ثم قوله في كتاب الصلاة في باب الصلاة على النبي صلى الله عليه و سلم حدثنا صاحب لنا عن إسماعيل بن زكرياء عن الأعمش وهذا في رواية أبي العلاء بن ماهان وسلمت رواية أبي أحمد الجلودي من هذا وقال فيه عن مسلم حدثنا محمد بن بكار قال حدثنا إسماعيل بن زكرياء
- ثم في باب السكوت بين التكبير والقراءة قوله وحدثت عن يحيى بن حسان ويونس المؤدب
- ثم قوله في كتاب الجنائز في حديث عائشة رضي الله عنها في خروج النبي صلى الله عليه و سلم إلى البقيع ليلا وحدثني من سمع حجاجا الأعور واللفظ له قال حدثنا حجاج ابن محمد حدثنا ابن جريج
- وقوله في باب الحوائج في حديث عائشة رضي الله عنها حدثني غير واحد من أصحابنا قالوا حدثنا إسماعيل بن أبي أويس
- وقوله في هذا الباب وروى الليث بن سعد قال حدثني جعفر بن ربيعة وذكر حديث كعب بن مالك في تقاضي ابن أبي حدرد
- وقوله في باب احتكار الطعام في حديث معمر بن عبد الله العدوي حدثني بعض أصحابنا عن عمرو بن عون والله أعلم
- وقوله في صفة النبي صلى الله عليه و سلم وحدثت عن أبي أسامة وممن روى ذلك عنه إبراهيم بن سعيد الجوهري قال حدثنا أبو أسامة
- وذكر أبو علي أنه رواه أبو أحمد الجلودي عن محمد بن المسيب الأرغياني عن إبراهيم بن سعيد
- قلت ورويناه من غير طريق أبي أحمد عن محمد بن المسيب ورواه غير ابن المسيب عن إبراهيم الجوهري وسنورد ذلك في موضعه إن شاء الله تعالى
- وفي آخر الفضائل في حديث ابن عمر عن رسول الله صلى الله عليه و سلم أرأيتكم ليلتكم هذه فإن على رأس مائة سنة منها لا يبقى ممن هو على ظهر الأرض أحد
- رواية مسلم إياه موصولا عن معمر عن الزهري عن سالم عن أبيه ثم قال حدثني عبد الله بن عبد الرحمن الدارمي أخبرنا أبو اليمان أخبرنا شعيب ورواه الليث عن عبد الرحمن بن خالد بن مسافر كلاهما عن الزهري بإسناد معمر كمثل حديثه
- وقال مسلم في آخر كتاب القدر في حديث أبي سعيد الخدري لتركبن سنن من كان قبلكم حدثني عدة من أصحابنا عن سعيد بن أبي مريم وهذا قد وصله إبراهيم بن محمد بن سفيان عن محمد بن يحيى بن أبي مريم
- قلت وإنما أورده مسلم على وجه المتابعة والاستشهاد
- وقوله فيما سبق في الاستشهاد والمتابعة في حديث البراء بن عازب في
- الصلاة الوسطى بعد أن رواه موصولا ورواه الأشجعي عن سفيان الثوري إلى آخره
- وقوله أيضا في الرجم في المتابعة لما رواه موصولا من حديث أبي هريرة في الذي اعترف على نفسه بالزنا ورواه الليث أيضا عن عبد الرحمن بن خالد بن مسافر عن ابن شهاب بهذا الإسناد
- وقوله في كتاب الأمارة في المتابعة لما رواه متصلا من حديث عوف بن مالك خيار أئمتكم الذين تحبونهم ورواه معاوية بن صالح عن ربيعة بن يزيد
- وذكر أبو علي فيما عندنا من كتابه في الرابع عشر حديث ابن عمر أرأيتكم ليلتكم هذه المذكور في الفضائل وقد ذكره مرة فيسقط هذا من العدد
- والحديث الثاني لكون الجلودي رواه عن مسلم موصولا وروايته هي المعتمدة المشهورة فهي إذن اثنا عشر لا أربعة عشر وأخذ هذا عن أبي علي أبو عبد الله المازري صاحب المعلم وأطلق أن في الكتاب أحاديث مقطوعة في أربعة عشر موضعا
- وهذا يوهم خللا في ذلك وليس ذلك كذلك ولا شيء من هذا والحمد لله
- فخرج لا سيما ما كان منها مذكورا على وجه المتابعة ففي نفس الكتاب وصلها فاكتفى بكون ذلك معروفا عند أهل الحديث
- كما أنه روى عن جماعة من الضعفاء اعتمادا على كون ما رواه عنهم معروفا من رواية الثقات على ما سنرويه عنه فيما بعد إن شاء الله تعالى
- وهكذا الأمر في تعليقات البخاري بألفاظ مثبتة جازمة على الصفة التي ذكرناها كمثل ما قال فيه قال فلان أو روى فلان أو ذكر فلان أو نحو ذلك ولم يصب أبو محمد ابن حزم الظاهري حيث جعل مثل ذلك انقطاعا قادحا في الصحة مستروحا إلى ذلك في تقرير مذهبه الفاسد في إباحة الملاهي وزعمه أنه لم يصح في تحريمها حديث مجيبا به عن حديث أبي عامر أو أبي مالك الأشعري عن رسول الله صلى الله عليه و سلم ليكونن في أمتي أقوام يستحلون الحرير والخمر والمعازف إلى آخر الحديث فزعم أنه وإن أخرجه البخاري فهو غير صحيح
- لأن البخاري قال فيه قال هشام بن عمار وساقه بإسناده فهو منقطع فيما بين البخاري وهشام
- وهذا خطأ من وجوه والله أعلم
- أحدها انه لا انقطاع في هذا أصلا من جهة أن البخاري لقى هشاما وسمع منه وقد قررنا في كتاب معرفة علوم الحديث أنه إذا تحقق اللقاء والسماع مع السلامة من التدليس حمل ما يرويه عنه على السماع بأي لفظ كان كما يحمل قول الصحابي قال رسول الله صلى الله عليه و سلم على سماعه منه إذا لم يظهر خلافه وكذا غير قال من الألفاظ
- الثاني إن هذا الحديث بعينه معروف الإتصال بصريح لفظه من غير جهة البخاري
- الثالث أنه وإن كان ذلك انقطاعا فمثل ذلك في الكتابين غير ملتحق في بالإنقطاع القادح لما عرف من عاداتهما وشرطهما وذكرهما ذلك في كتاب موضوع لذكر الصحيح خاصة فلن يستجيزا فيه الجزم المذكور من غير ثبت وثبوت بخلاف الإنقطاع والإرسال الصادرين من غيرهما وأما إذا لم يكن ذلك من الشيخين بلفظ جازم مثبت له على ما ذكراه عنه على الصفة التي قدمت ذكرها مثل أن يقولها وروى عن فلان أو ذكر عن فلان أو في الباب عن فلان ونحو ذلك فليس ذلك في حكم التعليق الذي ذكرناه ولكن يستأنس بإيرادهما له وأما قول مسلم في خطبة
- كتابه وقد ذكر عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت أمرنا رسول الله صلى الله عليه و سلم أن ننزل الناس منازلهم فهذا بالنظر إلى أن لفظه ليس لفظا جازما بذلك عن عائشة غير مقتض كونه مما حكم بصحته وبالنظر إلى أنه احتج به وأورده إيراد الأصول لا إيراد الشواهد يقتضي كونه مما حكم بصحته
- ومع ذلك قد حكم الحاكم أبو عبد الله الحافظ في كتابه معرفة علوم الحديث بصحته وأخرجه أبو داود في سننه بإسناده منفردا به وذكر أن الراوي له عن عائشة ميمون بن أبي شبيب لم يدركها وفيما قاله أبو داود توقف ونظر فإنه كوفي متقدم قد أدرك المغيرة بن شعبة ومات المغيرة قبل عائشة رضي الله عنها وعند مسلم التعاصر مع إمكان التلاقي كاف في ثبوت الإدراك فلو ورد عن ميمون هذا أنه قال لم ألق عائشة أو نحو هذا لاستقام لأبي داود الجزم بعدم إدراكه وهيهات ذلك والله أعلم
- الفصل الرابع جميع ما حكم مسلم بصحته من هذا الكتاب فهو مقطوع بصحته والعلم النظري حاصل بصحته في نفس الأمر وهكذا ما حكم البخاري بصحته في كتابه وذلك لأن الأمة تلقت ذلك بالقبول سوى من لا يعتد بخلافه ووفاقه في الإجماع والذي نختاره أن تلقي الأمة للخبر المنحط عن درجة التواتر بالقبول يوجب العلم النظري بصدقه خلافا لبعض محققي الأصوليين حيث نفى ذلك بناءا على أنه لا يفيد في حق كل واحد منهم إلا الظن وإنما قبله لأنه يجب عليه العمل بالظن والظن قد يخطأ وهذا مندفع لأن ظن من هو معصوم من الخطأ لا يخطئ والأمة في إجماعها معصومة من الخطأ وقد أخبرونا في إذنهم عن الحافظ الفقيه
- أبي طاهر أحمد بن محمد الأصبهاني رحمه الله قال سمعت القاضي أبا حكيم الجيلي يقول سمعت أبا المعالي عبد الملك بن عبد الله بن يوسف الجويني بنيسابور يقول لو حلف إنسان بطلاق امرأته أن ما في كتابي البخاري ومسلم مما حكما بصحته من قول النبي صلى الله عليه و سلم لما ألزمته الطلاق ولا حنثته لإجماع علماء المسلمين على صحتهما
- قلت ولقائل أن يقول في قوله ولا حنثته للإجماع على صحتهما أنه لا يحنث ولو لم يجمع على صحتهما لأجل الشك فيه حتى لو حلف بذلك في
- حديث ليس بهذه الصفة فإنه لا يحنث لذلك وإن كان راويه فاسقا فعدم الحنث حاصل قبل الإجماع فلا يضاف إلى الإجماع
- فأقول المضاف إلى الإجماع هو القطع بعدم الحنث ظاهرا وباطنا والثابت عند الشك وعدم الإجماع هو الحكم ظاهرا بعدم الحنث مع احتمال وجوده في الباطن فعلى هذا ينبغي أن يحمل كلامه فإنه اللائق بتحقيقه والله أعلم
- إذا عرفت هذا فما أخذ عليهما من ذلك وقدح فيه معتمد من الحفاظ فهو مستثنى مما ذكرناه لعدم الإجماع على تلقيه بالقبول وما ذلك إلا في مواضع قليلة سننبه على ما وقع منها في هذا الكتاب إن شاء الله العظيم وهو أعلم
- الفصل الخامس صنف على صحيح مسلم قوم من الحفاظ تأخروا عن مسلم وأدركوا الأسانيد العالية وفيهم من أدرك بعض شيوخ مسلم فخرجوا أحاديثه في تصانيفهم تلك بأسانيدهم تلك فالتحقت به في أن لها سمة الصحيح وإن لم تلتحق به في خصائصه جمع ويستفاد من مخرجاتهم المذكورة علو الإسناد وفوائد تنشأ من تكثير الطرق ومن زيادة ألفاظ مفيدة ثم أنهم لم يلتزموا فيها الموافقة في ألفاظ الأحاديث من غير زيادة ولا نقص لكونهم يروونها بأسانيد أخر فأوجب ذلك بعض التفاوت في بعض الألفاظ
- فمن ذلك المخرج على صحيح مسلم للعبد الصالح أبي جعفر أحمد بن حمدان النيسابوري الزاهد العابد المجاب رحل في حديث واحد منه إلى أبي يعلى الموصلي ورحل في أحاديث معدودة منه لم يكن سمعها حتى سمعها وروينا أنه
- سمعه منه الشيخ القدوة أبو عثمان سعيد بن إسماعيل الزاهد الحيري فكان إذا بلغ منه موضعا فيه سنة لم يستعملها وقف عندها إلى أن يستعملها
- ومنها المسند الصحيح لأبي بكر محمد بن محمد بن رجاء النيسابوري الحافظ المصنف على شرط مسلم وهو متقدم يشارك مسلما في أكثر شيوخه
- ومنها مختصر المسند الصحيح المؤلف على كتاب مسلم تأليف الحافظ أبي عوانة يعقوب بن إسحاق الإسفراييني روى فيه عن يونس بن عبد الأعلى وغيره من شيوخ مسلم
- ومنها كتاب أبي حامد الشاركي الفقيه الشافعي الهروي يروي عن أبي يعلى الموصلي في أمثال له
- ومنها المسند الصحيح على كتاب مسلم لأبي بكر محمد بن عبد الله الجوزقي النيسابوري الشافعي
- ومنها المسند المستخرج على كتاب مسلم للحافظ المصنف أبي نعيم احمد ابن عبد الله الأصبهاني والمخرج على صحيح مسلم للإمام أبي الوليد حسان ابن محمد القرشي الفقيه الشافعي رضي الله عنهم وعنا وغير ذلك والله أعلم
- الفصل السادس ذكر مسلم رحمه الله أولا أنه يقسم الأخبار ثلاثة أقسام الأول ما رواه الحفاظ المتقنون
- والثاني ما رواه المستورون المتوسطون في الحفظ والإتقان
- والثالث ما رواه الضعفاء والمتروكون
- فإذا فرغ من القسم الأول اتبعه بذكر القسم الثاني وأما الثالث فلا يعرج عليه فذكر الحاكم أبو عبد الله الحافظ وصاحبه أبو بكر البيهقي أن المنية اخترمته قبل إخراج القسم الثاني وذكر القاضي الحافظ عياض بن موسى من المغاربة أن ذلك مما قبله الشيوخ والناس من الحاكم وتابعوه عليه وأن الأمر ليس على ذلك فإنه ذكر في كتابه هذا أحاديث الطبقة الأولى وجعلها أصولا ثم اتبعها بأحاديث الطبقة الثانية على سبيل المتابعة والاستشهاد وليس مراد مسلم بذلك إيراد الطبقة الثانية مفردة وكذلك ما أشار إليه مسلم من أنه يذكر علل الأحاديث قد وفى به في هذا الكتاب في ضمن ما أتى به فيه من جمع الطرق والأسانيد والاختلاف
- قلت كلام مسلم محتمل لما قاله عياض ولما قاله غيره نعم روي بالصريح عن إبراهيم بن محمد بن سفيان أنه قال أخرج مسلم ثلاثة كتب من المسندات واحد الذي قرأه على الناس والثاني يدخل فيه عكرمة ومحمد بن إسحاق صاحب المغازي وضرباؤهما والثالث يدخل فيه من الضعفاء وهذا مخالف لما قاله الحاكم والله أعلم
- الفصل السابع ألزم أبو الحسن علي بن عمر الدارقطني مسلما والبخاري رضي الله عنهم إخراج أحاديث تركا إخراجها مع
- أن أسانيدها أسانيد قد أخرجا في صحيحيهما بمثلها
- مثال إخراج البخاري حديث قيس بن أبي حازم عن مرداس بن مالك الأسلمي عن رسول الله صلى الله عليه و سلم يذهب الصالحون الأول فالأول
- وإخراج مسلم حديث قيس أيضا عن عدي بن عميرة عن رسول الله صلى الله عليه و سلم من استعملناه على عمل الحديث
- ولم يرو عن مرداس وعدي بن عميرة غير قيس بن أبي حازم
- وكذلك لم يرو عن الصنابح بن الأعسر ودكين بن سعيد المزني وأبي حازم والد قيس غير قيس
- قال الدارقطني فيلزم على مذهبهما جميعا إخراج الصنابح ودكين وأبي حازم والد قيس إذ كانت أحاديثهم مشهورة محفوظة رواها جماعة من الثقات
- وذكر أيضا أن رجالا من الصحابة رضي الله عنهم رووا عن رسول الله صلى الله عليه و سلم وقد رويت أحاديثهم من وجوه صحاح لا مطعن في ناقليها ولم يخرجا من أحاديثهم شيئا فيلزم إخراجها على مذهبهما
- قلت وذكر الحافظ أبو بكر البيهقي رحمه الله فيما قرأته بخطه فيما جمعه من العوالي الصحاح مما اتفق الشيخان على إخراجه من صحيفة همام بن منبه عن أبي هريرة وما تفرد به منها كل واحد منهما عن صاحبه هذا مع أن الإسناد واحد ثم إن ما ألزمهما الدارقطني غير لازم لهما فإنهما تجنبا التطويل ولم يضعا كتابيهما على أن يستوعبا جميع الأحاديث الصحاح واعترفا بأنهما تركا بعض الصحاح روينا ذلك عنهم صريحا
- نعم إذا كان الحديث الذي تركاه أو أحدهما مع صحة إسناده أصلا في معناه عمدة في بابه ولم يخرجا له نظيرا فذلك لا يكون ألا لعلة فيه خفيت واطلعا عليها أو التارك له منهما أو لغفلة عرضت والله أعلم
- الفصل الثامن عاب عائبون مسلما بروايته في صحيحه عن جماعة من الضعفاء أو المتوسطين الواقعين في الطبقة الثانية الذين
- ليسوا من شرط الصحيح أيضا والجواب أن ذلك لأحد أسباب لا معاب عليه معها
- أحدها أن يكون ذلك فيمن هو ضعيف عند غيره ثقة عنده ولا يقال إن الجرح مقدم على التعديل وهذا تقديم للتعديل على الجرح لأن الذي ذكرناه محمول على ما إذا كان الجرح غير مفسر السبب فأنه لا يعمل به
- وقد جليت في كتاب معرفة علوم الحديث حمل الخطيب أبي بكر الحافظ على ذلك احتجاج صاحبي الصحيحين وأبي داود وغيرهم بجماعة علم الطعن فيهم من غيرهم ويحتمل أيضا أن يكون ذلك فيما بين الجارح فيه السبب واستبان مسلم بطلانه والله أعلم
- الثاني أن يكون ذلك واقعا في الشواهد والمتابعات لا في الأصول وذلك بأن يذكر الحديث أولا بإسناد نظيف رجاله ثقات ويجعله أصلا ثم يتبع ذلك بإسناد آخر أو أسانيد فيها بعض الضعفاء على وجه التأكيد بالمتابعة أو لزيادة فيه
- تنبه على فائدة فيما قدمه وبالمتابعة والاستشهاد اعتذر الحاكم أبو عبد الله في إخراجه عن جماعة ليسوا من شرط الصحيح منهم مطر الوراق وبقية بن الوليد ومحمد بن إسحاق بن يسار وعبد الله بن عمر العمري والنعمان ابن راشد أخرج مسلم عنهم في الشواهد في أشباه لهم كثيرين والله أعلم
- الثالث أن يكون ضعف الضعيف الذي احتج به طرأ بعد أخذه عنه باختلاط حدث عليه غير قادح فيما رواه من قبل في زمان سدادة واستقامته كما في أحمد بن عبد الرحمن بن وهب ابن أخي عبد الله بن وهب فذكر الحاكم أبو عبد الله أنه اختلط بعد الخمسين ومائتين بعد خروج مسلم من مصر فهو في ذلك كسعيد بن أبي عروبة وعبد الرزاق وغيرهما ممن اختلط آخرا ولم يمنع ذلك من الاحتجاج
- في الصحيحين بما أخذ عنهم قبل ذلك
- قرأت بنيسابور على الشيخة الصالحة الوافر حظ أهلها من خدمة الحديث زينب بنت عبد الرحمن بن الحسن الجرجاني رحمها الله وإيانا عن الإمام أبي عبد الله الفراوي وزاهر بن طاهر المستملي عن الإمام أبي عثمان إسماعيل بن عبد الرحمن الصابوني وغيره قالوا أخبرنا الحاكم أبو عبد الله الحافظ قراءة عليه قال سمعت أبا أحمد الحافظ سمعت أبا بكر محمد بن علي بن النجار سمعت إبراهيم بن أبي طالب يقول قلت لمسلم بن الحجاج قد أكثرت الرواية في كتابك الصحيح عن أحمد بن عبد الرحمن الوهبي وحاله قد ظهر فقال إنما نقموا عليه بعد خروجي من مصر والله أعلم
- الرابع أن يعلو بالشخص الضعيف إسناده وهو عنده برواية الثقات نازل فيذكر العالي ولا يطول بإضافة النازل إليه مكتفيا بمعرفة أهل الشأن بذلك وهذا العذر قد رويناه عنه تنصيصا وهو على خلاف حاله فيما رواه أولا عن الثقات ثم اتبعه بالمتابعة عن من هو دونهم وكان ذلك وقع منه على حسب حضور باعث النشاط وغيبته
- فروينا عن سعيد بن عمرو البردعي أنه حضر أبا زرعة الرازي وذكر كتاب الصحيح الذي ألفه مسلم ثم الفضل الصانغ على مثاله وحكى إنكار أبي زرعة على مسلم في كلام تركت ذكره منه أنه أنكر عليه روايته فيه عن أسباط بن نصر وقطن بن نسير وأحمد بن عيسى المصري وأنه قال أيضا يطرق لأهل البدع علينا فيجدون السبيل بان يقولوا للحديث إذا أحتج به عليهم ليس هذا في كتاب الصحيح
- قال سعيد بن عمرو فلما رجعت إلى نيسابور في المرة الثانية ذكرت لمسلم ابن الحجاج إنكار ابي زرعة عليه وروايته في كتاب الصحيح عن أسباط بن نصر وقطن بن نسير وأحمد بن عيسى قال لي مسلم إنما قلت صحيح وإنما أدخلت من حديث أسباط وقطن وأحمد ما قد رواه الثقات عن شيوخهم إلا أنه ربما وقع إلي عنهم بارتفاع ويكون عندي من رواية أوثق منهم بنزول فأقتصر على ذلك وأصل الحديث معروف من رواية الثقات وقدم مسلم بعد ذلك الري فبلغني أنه خرج إلى أبي عبد الله
- محمد بن مسلم بن وارة فجفاه وعاتبه على هذا الكتاب وقال له نحوا مما قاله لي أبو زرعة إن هذا يطرق لأهل البدع علينا فاعتذر إليه مسلم وقال إنما أخرجت هذا الكتاب وقلت هو صحاح ولم أقل إن ما لم أخرجه من الحديث في هذا الكتاب ضعيف ولكني إنما أخرجت هذا من الحديث الصحيح ليكون مجموعا عندي وعند من يكتبه عني فلا يرتاب في صحتها ولم أقل إن ما سواه ضعيف أو نحو ذلك مما اعتذر به إلى محمد بن مسلم فقبل عذره وحدثه والله أعلم
- وقد سبق عن مكي بن عبدان أحد حفاظ نيسابور قال سمعت مسلما يقول عرضت كتابي هذا على أبي زرعة الرازي فكل ما أشار أن له علة تركته وكل ما قال إنه صحيح وليس له علة فهو الذي أخرجه هذا مقام وعر وقد مهدته بواضح من القول لم تره مجتمعا في مؤلف سبق ولله الحمد وفيما ذكرته دليل على أن من حكم لشخص بمجرد رواية مسلم عنه في صحيحه بأنه من شرط الصحيح عند مسلم فقد غفل وأخطأ بل ذلك يتوقف على النظر في أنه كيف روى عنه وعلى أي وجه روى عنه على ما بيناه من انقسام ذلك والله سبحانه أعلم
- الفصل التاسع روينا عن أبي قريش الحافظ رحمه الله وإيانا قال كنت عند أبي زرعة الرازي فجاء مسلم بن
- الحجاج فسلم عليه وجلس ساعة فتذاكرا فلما أن قام قلت له هذا جمع أربعة آلاف حديث في الصحيح فقال أبو زرعة فلمن ترك الباقي أراد والله أعلم إن كتابه هذا أربعة آلاف حديث أصول دون المكررات
- وهكذا كتاب البخاري ذكر أنه أربعة آلاف حديث بإسقاط المكررات وهو بالمكررة سبعة آلاف ومائتين وخمسة وسبعون حديثا
- ثم أن مسلما رحمه الله وإيانا رتب كتابه على الأبواب فهو مبوب في الحقيقة ولكنه لم يذكر فيه تراجم الأبواب لئلا يزداد بها حجم الكتاب أو لغير ذلك وتحريه رحمه الله فيه ظاهر في أشياء منها كثرة إعتنائه بالتمييز بين حدثنا واخبرنا وتقييد ذلك على مشايخه كما في قوله حدثني محمد بن رافع وعبد بن حميد قال عبد أخبرنا وقال ابن رافع حدثنا عبد الرزاق وكان من مذهبه الفرق بينهما وأن حدثنا لما سمعه من لفظ الشيخ خاصة وأخبرنا لما قرىء على الشيخ
- وذلك مذهب الشافعي واصحابه ومذهب البخاري في كثيرين جواز اطلاق حدثنا واخبرنا فيما قرىء على الشيخ كما في ما سمع من لفظه ومذهب مسلم وموافقيه صار هو الغالب على أهل الحديث والله أعلم
- ومنها إعتناؤه بضبط ألفاظ الأحاديث عند إختلاف الرواة فيها فمن ذلك ان الحديث إذا كان عنده عن غير واحد وألفاظهم فيه مختلفة مع إتفاقهم في المعنى قال فيه أخبرنا فلان وفلان واللفظ لفلان قال أو قالا أخبرنا فلان
- فجائز قال نظرا إلى من له اللفظ وحده وجائز قالا نظرا إلى اجتماعهما على المعنى وله عن هذا عبارة أخرى حسنة كما في قوله حدثني زهير بن حرب وابن أبي عمر كلاهما عن سفيان قال زهير حدثنا سفيان بن عيينة فأشعر بإعادة ذكر زهير خاصة بأن لفظ الحديث له خاصة
- ومنها ما تكرر منه فيما رواه من صحيفة همام بن منبه عن أبي هريرة من أمثال قوله حدثنا محمد بن رافع قال حدثنا عبد الرزاق حدثنا معمر عن همام ابن منبه قال هذا ما حدثنا أبو هريرة عن محمد رسول الله صلى الله عليه و سلم فذكر أحاديث منها وقال رسول الله صلى الله عليه و سلم إذا توضأ أحدكم فليستنشق الحديث
- فتكريره رحمه الله وإيانا في كل حديث منها لقوله هذا ما حدثنا أبو هريرة وقوله فذكر أحاديث منها كذا وكذا يفعله المتحري الورع في الصحائف المشتملة على أحاديث بإسناد واحد إذا اكتفى عند سماعها بذكر الإسناد في أولها ولم يجدد ذكره عند كل حديث منها
- ثم أراد أن يفرد بالرواية حديثا مما وقع بعد الحديث الأول منها بالإسناد المذكور في أولها فإنه يورده كإيراد مسلم مبينا للحال فيه كما جرى
- وأجاز وكيع بن الجراح ويحيى بن معين وأبو بكر
- الإسماعيلي والأكثرون ترك هذا البيان ورواية كل حديث منها منفردا موصولا بالإسناد المذكور في أولها لأن الكل معطوف على الأول فالإسناد المذكور أولا في حكم المذكور عند كل حديث من ذلك والله أعلم
- الفصل العاشر هذا الكتاب مع شهرته التامة صارت روايته بإسناد متصل بمسلم مقصورة على أبي إسحاق إبراهيم بن محمد بن سفيان غير أنه يروى في بلاد المغرب مع ذلك عن أبي محمد أحمد بن علي القلانسي عن مسلم
- أما أبو إسحاق فهو نيسابوري من أهلها وكان فقيها زاهدا روينا عن الحاكم أبي عبد الله بن البيع النيسابوري أنه سمع محمد بن يزيد العدل يقول كان إبراهيم بن محمد بن سفيان مجاب الدعوة وأنه سمع أبا عمرو بن نجيد يقول كان إبراهيم بن محمد بن سفيان من الصالحين وذكر الحاكم أنه كان من العباد المجتهدين ومن الملازمين لمسلم بن الحجاج وكان من أصحاب أيوب بن الحسن الزاهد صاحب الرأي يعني الفقيه الحنفي سمع إبراهيم محمد بن رافع القشيري وغيره بنيسابور وبالري وبالعراق وبالحجاز وتوفي فيما حكاه الحاكم في رجب سنة ثمان وثلاثمائة
- قال إبراهيم فرغ لنا مسلم من قراءة الكتاب في شهر رمضان سنة سبع وخمسين ومائتين
- روى الكتاب عنه أبو عبدالله محمد بن يزيد العدل والجلودي وغيرهما أما الجلودي فهو أبو أحمد محمد بن عيسى بن محمد بن عبد الرحمن بن عمرويه بن منصور الزاهد النيسابوري الجلودي بضم الجيم ومن فتح الجيم منه فقد أخطأ وإنما الجلودي بفتح الجيم آخر ذكره يعقوب بن السكيت ثم ابن قتيبة وهو منسوب إلى جلود اسم قرية قيل بإفريقية وقيل بالشام وهذا الجلودي أبو أحمد فيما ذكره أبو سعد ابن السمعاني وقرأته بخطه في كتاب الأنساب له منسوب إلى الجلود جمع جلد
- وعندي انه منسوب إلى سكة الجلوديين بنيسابور الدارسة
- روينا عن الحاكم ابي عبد الله أن أبا أحمد هذا كان شيخا صالحا زاهدا من كبار عباد الصوفية صحب أكابر المشايخ ومن أهل الحقائق وكان يورق يعني ينسخ ويأكل من كسب يده سمع أبو بكر ابن خزيمة ومن كان قبله وكان ينتحل مذهب سفيان الثوري ويعرفه توفى رحمه الله يوم الثلاثاء الرابع والعشرين من ذي الحجة سنة ثمان وستين وثلاثمائة وهو ابن ثمانين سنة
- قال وختم بوفاته سماع كتاب مسلم بن الحجاج وكل من حدث به بعده عن إبراهيم بن محمد بن سفيان وغيره فإنه غير ثقة
- رواه عن الجلودي أبو العباس أحمد بن الحسن بن بندار الرازي وأبو الحسين عبد الغافر الفارسي وغيرهما
- أما الفارسي فهو عبد الغافر بن محمد بن عبد الغافر بن أحمد بن محمد بن سعيد الفارسي الفسوي ثم النيسابوري أبو الحسين التاجر سمع الكتاب من الجلودي قراءة عليه في شهور سنة خمس وستين وثلاثمائة ذكره حفيده عبد الغافر ابن إسماعيل بن عبد الغافر في سياق تاريخ نيسابور فذكر أنه كان شيخا ثقة صالحا صائنا محظوظا من الدين والدنيا مجدودا في الرواية على قلة سماعاته مشهورا مقصودا من الآفاق سمع منه الأئمة والصدور وقرأ الحافظ الحسن السمرقندي عليه صحيح مسلم نيفا وثلاثين مرة وقرأه عليه أبو سعيد البحيري نيفا وعشرين مرة وممن قرأه عليه من المشاهير زين الإسلام أبو القاسم يعني القشيري والواحدي وغيرهما
- استكمل خمسا وتسعين سنة وألحق أحفاد الأحفاد بالأجداد وتوفي يوم الثلاثاء ودفن يوم الأربعاء السادس من شوال سنة ثمان وأربعين وأربعمائة والله أعلم
- رواه فيمن رواه عن الفارسي الإمام أبو عبد الله محمد بن الفضل بن أحمد بن محمد بن أحمد بن أبي العباس الصاعدي الفراوي ثم النيسابوري كان أبوه من فراوة بليدة من ثغر خراسان وقرأت بخط السمعاني أبي سعد في أنسابه أنه بضم الفاء ورأيته بضم الفاء بخطه معنيا بذلك والشائع المعروف فتح الفاء وهكذا ذكره لي شيخنا أبو القاسم الفراوي ابن حفيد الفراوي لما سألته عن ذلك
- كان رحمه الله وإيانا كثير الرواية بالأسانيد العالية رحلت إليه الطلبة من الأقطار وانتشرت الرواية عنه فيما دنا ونأى من الأمصار حتى قالوا فيه للفراوي ألف راوي
- وحدثنا شيخنا أبو القاسم الفراوي أنه نقش على فص من عقيق للفراوي ألف راوي وذكر لي مرة أخرى أن الفص كان لجده هذا
- وسمع الكتاب من الفارسي بقراءة أبي سعيد البحيري عليه في السنة التي مات فيها سنة ثمان وأربعين وأربعمائة وكان يلقب فقيه الحرم ومما يذكر له من المعالي تفقهه على الإمام أبي المعالي وله في علم المذهب كتاب انتخبت منه فوائد واستغربتها
- وحدثني بمرو شيخنا أبو المظفر عبد الرحيم ابن الحافظ أبي سعد السمعاني عن ابيه ومن خطه ثقلت أنه قال فيه يصفه إمام مفتي مناظر محدث واعظ ظريف الجملة حسن الأخلاق والمعاشرة مكرم لأهل العلم خصوصا للغرباء الواردين عليه ما رأيت في شيوخي مثله
- وقال سألته عن مولده فقال مولدي تقديرا في سنة إحدى وأربعين وأربعمائة
- قلت وتوفي يوم الخميس الحادي أو الثاني والعشرين من شوال سنة ثلاثين وخمسمائة
- وذكره أبو الحسن عبد الغافر حفيد أبو الحسين عبد الغافر في كتابه ومات قبله سنة تسع وعشرين فأحسن الثناء عليه بما لا نطيل به
- روى الكتاب عنه فيمن رواه عنه شيخنا أبو الحسن مؤيد بن محمد بن الشيخ المقرىء ابي الحسن علي بن الحسن بن محمد بن أبي صالح الطابراني الطوسي ثم النيسابوري وكان شيخا رضيا جليلا مسندا معمرا محظوظا من رواية الحديث متصديا لإسماعه ملحوظا من طلبته سمع الكتاب من الفراوي في السنة التي مات فيها وعاش حتى تفرد به عنا وحتى ألحق الأحفاد بالأجداد
- وسمعت الكتاب منه بقراءتي عليه في معدنه نيسابور فعلونا فيه ولله الحمد
- سماء العلو بإسناد متسلسل نيسابوري عن نيسابوري ومعمر عن معمر إلى مؤلفه مسلم رحمه الله
- وأنبأنا به عن الفراوي أيضا ابن حفيده الشيخ الزكي أبو القاسم منصور رحمهم الله أجمعين وإيانا ونفعنا بذلك وإخواننا آمين آمين
- وأما القلانسي فهو ابو محمد أحمد بن علي بن الحسن بن المغيرة بن عبد الرحمن القلانسي وقعت بروايته عن مسلم عند المغاربة ولم أجد له ذكرا عند غيرهم دخلت روايته إليهم من مصر على يدي من رحل منهم إلى جهة المشرق كأبي عبد الله محمد بن يحيى الحذاء التميمي القرطبي وغيره
- سمعوها بمصر من أبي العلاء عبد الوهاب بن عيسى بن عبد الرحمن بن ماهان البغدادي قال حدثنا أبو بكر أحمد بن محمد بن يحيى الأشقر الفقيه على مذهب الشافعي حدثنا أبو محمد أحمد بن علي بن الحسن القلانسي حدثنا مسلم بن الحجاج حاشى ثلاثة أجزاء من آخر الكتاب أولها حديث الإفك الطويل فإن أبا العلاء ابن ماهان المذكور كان يروي ذلك عن أبي أحمد الجلودي عن ابن سفيان عن مسلم وبلغنا عن الحافظ الفاضل أبي علي الحسين بن محمد الغساني وكان من جهابذة المحدثين ورئيسهم بقرطبة قال سمعت أبا عمر أحمد بن محمد بن يحيى
- يعني ابن الحذاء يقول سمعت أبي يقول أخبرني ثقات أهل مصر أن أبا الحسن علي بن عمر الدارقطني كتب إلى أهل مصر من بغداد أن اكتبوا عن أبي العلاء بن ماهان كتاب مسلم بن الحجاج الصحيح ووصف أبا العلاء بالثقة والتمييز
- تنبيهات الأول اختلفت النسخ في رواية الجلودي عن إبراهيم هل هي بحدثنا إبراهيم أو أخبرنا والتردد واقع في أنه سمع من لفظ إبراهيم أو قراءة عليه فالأحوط إذن أن يقال أخبرنا إبراهيم حدثنا إبراهيم فيلفظ القارىء بهما على البدل وجائز لنا الإقتصار على أخبرنا فإنه كذلك فيما نقلته من ثبت الفراوي من خط صاحبه عبد الرازق الطبسي وفيما انتخبته بنيسابور من الكتاب من أصل فيه سماع شيخنا المؤيد وسمعته عليه عند تربة مسلم رحمه الله وهو كذلك بخط الحافظ أبي القاسم الدمشقي العساكري عن الفراوي وفي ذلك أيضا
- فحكم المتردد في ذلك المصير إلى أخبرنا لأن كل تحديث من حيث الحقيقة إخبار وليس كل إخبار تحديثا والله أعلم
- الثاني اعلم أن لإبراهيم بن سفيان في الكتاب فائتا لم يسمعه من مسلم يقال فيه أخبرنا إبراهيم عن مسلم ولا يقال فيه قال أخبرنا أو حدثنا مسلم
- وروايته لذلك عن مسلم إما بطريق الإجازة وإما بطريق الوجادة وقد غفل أكثر الرواة عن تبيين ذلك وتحقيقه في فهارسهم وبرنامجاتهم وفي تسميعاتهم وإجازاتهم وغيرها بل يقولون في جميع الكتاب أخبرنا إبراهيم قال اخبرنا مسلم وهذا الفوت في ثلاثة مواضع محققة في أصول معتمدة
- فأولها في كتاب الحج في باب الحلق والتقصير حديث ابن عمر رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه و سلم قال رحم الله المحلقين برواية ابن نمير فشاهدت عنده في أصل الحافظ أبي القاسم الدمشقي بخطه ما صورته
- أخبرنا أبو إسحاق إبراهيم بن محمد بن سفيان عن مسلم قال حدثنا ابن نمير حدثنا ابي حدثنا عبيد الله بن عمر الحديث
- وكذلك في أصل بخط الحافظ أبي عامر العبدري إلا أنه قال حدثنا أبو إسحاق
- وشاهدت عنده في أصل قديم مأخوذ عن أبي أحمد الجلودي ما صورته من ها هنا قرأت على أبي أحمد حدثكم إبراهيم عن مسلم وكذا كان في كتابه إلى العلامة
- قلت وهذه العلامة هي بعد ثمانية أوراق أو نحوها عند أول حديث ابن عمر
- أن رسول الله صلى الله عليه و سلم كان إذا استوى على بعيره خارجا إلى سفر كبر ثلاثا
- وعندها في الأصل المأخوذ عن الجلودي ما صورته إلى ها هنا قرأت عليه يعني على الجلودي عن مسلم ومن ها هنا قال حدثنا مسلم
- وفي أصل الحافظ أبي القاسم عندها بخطه من هنا يقول حدثنا مسلم وإلى هنا شك
- الفائت الثاني لإبراهيم أوله أول الوصايا قول مسلم حدثنا أبو حيثمة زهير ابن حرب ومحمد بن المثنى واللفظ لمحمد بن المثنى في حديث ابن عمر ما حق امرىء مسلم له شيء يريد أن يوصي فيه إلى قوله في آخر حديث رواه في قصة حويصة ومحيصة في القسامة حدثني إسحاق بن منصور أخبرنا بشر بن عمر قال سمعت مالك بن أنس الحديث وهو مقدار عشرة أوراق ففي الأصل المأخوذ عن الجلودي والأصل الذي بخط الحافظ أبي عامر العبدري ذكر انتهاء هذا الفوات عند أول هذا الحديث وعود قول إبراهيم حدثنا مسلم
- وفي أصل الحافظ أبي القاسم الدمشقي شبه التردد في هذا الحديث داخل في الفوت أو غير داخل فيه والإعتماد على الأول
- الفائت الثالث أوله قول مسلم في أحاديث الإمارة والخلافة حدثني زهير بن حرب حدثنا شبابة حديث أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه و سلم إنما الإمام جنة ويمتد
- إلى قوله في كتاب الصيد والذبائح حدثنا محمد بن مهران الرازي حدثنا أبو عبد الله حماد بن خالد الخياط حديث أبي ثعلبة الخشني إذا رميت بسهمك فمن أول هذا الحديث عاد قول إبراهيم حدثنا مسلم
- وهذا الفوت أكبرهما وهو نحو ثماني عشرة ورقة وفي أوله بخط الحافظ الكبير أبي حازم العبدوي النيسابوري وكان يروي عن محمد بن يزيد العدل عن إبراهيم ما صورته من هنا يقول إبراهيم قال مسلم وهو في الأصل المأخوذ عن الجلودي وأصل أبي عامر العبدري وأصل أبي القاسم الدمشقي بكلمة عن
- وهكذا في الفائت الذي سبق في الأصل المأخوذ عن الجلودي وأصل أبي عامر وأصل أبي القاسم وذلك يحتمل كونه روى ذلك عن مسلم بالوجادة ويحتمل الإجازة ولكن في بعض النسخ التصريح في بعض ذلك أو كله يكون ذلك عن مسلم بالإجازة والعلم عند الله تبارك وتعالى
- الثالث ما ننقله من أصل الحافظ أبي عامر العبدري نرويه عن شيخنا أبي حفص عمر بن محمد البغدادي وغيره إذنا عن أبي القاسم إسماعيل بن أحمد السمرقندي إذنا قال أخبرنا أبو الليث نصر بن الحسن الشاشي السمرقندي قراءة عليه قال أخبرنا عبد الغافر الفارسي بسنده السابق
- وما ننقله من أصل الحافظ أبي القاسم الدمشقي العساكري فهو مندرج في روايتنا لجميع الكتاب عن شيخنا أبي القاسم منصور ابن حفيد الفراوي عنه وقد ذكرناه عند ذكرنا إسنادنا في الكتاب
- وكذلك ما ننقله من الأصل المأخوذ عن الجلودي فهو مما أجازه لنا منصور عن أبي جده الفراوي عن عبد الغافر الفارسي عن الجلودي
- وكذلك ما ننقله من أصل الحافظ أبي حازم العبدري فهو أيضا مما أجازه لنا قال أنبأنا أبو جدي الفراوي قال أنبأنا أحمد بن علي بن خلف الشيرازي قال أنبأنا الحافظ أبو حازم العبدوي قال أخبرنا أبو عبد الله محمد بن يزيد العدل قال أخبرنا إبراهيم بن محمد بن سفيان قال حدثنا مسلم
- ثم إن الرواية بالأسانيد المتصلة ليس المقصود بها في عصرنا وكثير من الأعصار قبله إثبات ما يروى بها إذ لا يخلو إسناد منها عن شيخ لا يدري ما يرويه ولا يضبط ما في كتابه ضبطا يصلح لأن يعتمد عليه في ثبوته وإنما المقصود منها إبقاء سلسلة الإسناد والتي خصت بها هذه الأمة زادها الله كرامة وإذا كان ذلك كذلك فسبيل من أراد الإحتجاج بحديث من صحيح مسلم وأشباهه أن يتلقاه من أصل به مقابل على يدي مقابلين ثقتين بأصول صحيحة متعددة مروية بروايات متنوعة ليحصل له بذلك مع اشتهار هذه الكتب وبعدها عن أن تقصد بالتبديل والتحريف الثقة بصحة ما اتفقت عليه تلك الأصول
- ثم لما كان الضبط بالكتب معتمدا في باب الرواية فقد تكثر الأصول المقابل بها كثرة تتنزل منزلة التواتر أو منزلة الإستفاضة
- وقد لا تبلغ ذلك ثم ما لم يبلغ ذلك لا يبطل بالكلية فيه فائدة ما قدمنا ذكره من كون ما اشتمل عليه الصحيحان أو أحدهما مقطوعا
- بصحته من حيث تلقي الأمة ذلك بالقبول بل يبقى له أثر في التقوية والترجيح وذلك كالإجماع المنعقد على حكم من الأحكام إذا نقل إلينا بطريق الآحاد فإنه لا يبطل بذلك تأثيره بالكلية بل يبقى على الأصح تأثيره في أصل وجوب العمل فاعلم ذلك والله أعلم
- وهذا حين حان أن نشرع في المقصود من الشرح والضبط والتقييد مستعينين بالله تبارك وتعالى ومستعيذين به قائلين
- قول مسلم رحمه الله وإيانا في أول كتابه لو عزم لي عليه هو بضم العين قال الإمام أبو عبد الله محمد بن علي المازري التميمي صاحب كتاب المعلم بفوائد كتاب مسلم لا يظن بمسلم أنه أراد عزم الله لي عليه لأن إرادة الله تعالى لا تسمى عزما
- قلت ليس ذلك كما قال فسيأتي في الكتاب إن شاء الله تعالى في كتاب الجنائز عن أم سلمة رضي الله عنها قولها ثم عزم الله لي فقلتها ولذلك وجهان نقدم عليهما
- إن الأمر في إضافة الأفعال إليه سبحانه واسع حتى لا يتوقف فيها على التوقيف كما يتوقف عليه في أسمائه وصفاته ولذلك توسع الناس قديما وحديثا في ذلك في خطبهم وغيرها
- ثم الوجهين أن المراد بذلك أراد الله في ذلك على جهة الإستعارة لأن
- الإرادة والقصد والعزم والنية متقاربة فيقام بعضها مقام بعض تجوزا وقد ورد عن العرب أنها قالت نواك الله بحفظه فقال فيه بعض الأئمة أي قصدك بحفظه
- الوجه الثاني أن لقول القائل عزم الله لي وجها صحيحا غير الإرادة وهو أن يكون من قبيل قول ام عطية نهينا عن اتباع الجنائز ولم يعزم علينا أي لم نلزم بذلك
- وكذلك قوله ترغيبا في قيام رمضان من غير عزيمة أي من غير إلزام
- ذكر مسلم رحمه الله وإيانا فيمن ذكره من الضعفاء عبد الله بن محرر فغلط فيه كثير من رواة الكتاب فقالوا فيه ابن محرز بالزاي المنقوطة واسكان الحاء المهملة وإنما هو محرر بميم ثم حاء مهملة مفتوحة ثم راءين مهملتين أولهما مفتوحة مشددة كذلك ذكره البخاري وغيره من أهل الضبط والله أعلم
- ذكر مسلم من حديث سمرة بن جندب والمغيرة بن شعبة رضي الله عنهما قوله صلى الله عليه و سلم من حدث عني بحديث يرى أنه كذب فهو أحد الكاذبين
- فوجدته بخط الحافظ الضابط أبي عامر محمد بن سعدون العبدري رحمه الله ها هنا مضبوطا يرى بضم الياء والكاذبين على الجمع ووجدت عن القاضي الحافظ المصنف أبي الفضل عياض بن موسى بن عياض اليحصبي أنه قال الرواية فيه عندنا الكاذبين على الجميع
- قلت رواه الحافظ الكبير أبو نعيم الأصبهاني في كتابه المستخرج على كتاب مسلم في حديث سمرة بن جندب الكاذبين على التثنية فحسب
- واحتج به على أن الراوي لذلك يشارك في الكذب من بدأ بالكذب عليه صلى الله عليه و سلم وفي هذا تفسير منه لمعنى التثنية حسن
- ثم ذكره في روايته إياه من حديث المغيرة بن شعبة فهو أحد الكاذبين أو الكاذبين على الترديد بين التثنية والجمع
- ووجدت ذلك مضبوطا محققا في أصل مأخوذ عن أبي نعيم مسموعا عليه مكررا في موضعين من كتابه وقدم في الترديد التثنية في الذكر وهذه فائدة عالية غالية ولله الحمد الأكمل
- وأما الضم في يرى فهو مبني على ما اشتهر من أنه بالضم يستعمل في
- الظن والحسبان وبالفتح في العلم ورؤية العين وفي حفظي أنه قد يستعمل بالفتح بمعنى الظن أيضا كما يستعمل العلم بمعنى الظن والله أعلم
- قول إياس بن معاوية أراك قد كلفت بعلم القرآن
- كلفت هو بفتح الكاف وكسر اللام ومعناه أحببته وأولعت به وقال أبو القاسم الزمخشري الكلف الإيلاع بالشيء مع شغل قلب ومشقة والله أعلم
- عامر بن عبدة عن عبد الله رويناه ابن عبدة بفتح الباء وإثبات هاء التأنيث في آخره وهذا هو الأصح فيه ووجدته في أصل الحافظ أبي حازم العبدوي بخطه وفي أصل آخر عن أبي أحمد الجلودي ابن عبد بلا هاء وهو محكي عن أكثر رواة مسلم
- والصحيح المشهور عن أئمة الحديث أحمد بن حنبل وغيره إثبات الهاء فيه ثم اختلفوا مع إثباتهم لها في إسكان الباء وفتحها والفتح أصح وأشهر وبه
- قال ابن المديني وابن معين ولم يذكر أبو علي الغساني في كتابه تقييد المهمل غيره والله أعلم
- روى مسلم بإسناد عن ابن أبي ملكة قال كتبت إلى ابن عباس أسأله أن يكتب لي كتابا ويخفي عنى
- فقال ولد ناصح أنا أختار له الأمور اختيارا وأخفي عنه
- فقوله ويخفي عنه وقول ابن عباس وأخفي عنه
- هما بالخاء المعجمة أي يكتم عني أشياء ولا يكتبها إذا كان عليه فيها مقال من الشيع المختلفة واهل الفتن فإنه إذا كتبها ظهرت وإذا ظهرت خولف فيها وحصل فيها قال وقيل مع أنها ليست مما يلزم بيانها لابن أبي مليكة وإن لزم فيمكن ذلك بالمشافهة دون المكاتبة
- وقوله ولد ناصح مشعر بما ذكرته
- وقوله أنا أختار له وأخفي عنه إخبار منه بإجابته إلى ذلك وليس استنكارا له في ضمن استفهام محذوف حرفه
- وحكي القاضي عياض في ذلك عن شيوخه من أهل المغرب روايتين
- إحداهما أنه بخاء معجمة والأخرى بحاء مهملة وحكى هذه عن أكثر شيوخه في الكتاب واختارها ورجحها على أن معنى ذلك من إحفاء الشوارب أي اختصر ولا تكثر علي فيما تكتبه إلي أو إنه من الإحفاء الذي هو الإلحاح والإستقصاء ويكون عني بمعنى علي أي استقص فيما تخاطبني به
- قلت وهذا تكلف ليست فيه رواية متصلة الإسناد نضطر إلى قبوله والله أعلم
- أبو عقيل يحيى بن المتوكل صاحب بهية وهو بفتح العين وبهية بباء موحدة مضمونة وياء مثناة من تحت مشددة وهي امرأة تروي عن عائشة رضي الله عنها وروي أنها سمتها بهية وذكر ذلك كله ابو علي الغساني في تقييد المهمل والله أعلم
- ذكر مسلم بإسناده عن أبي عون قوله في شهر بن حوشب إن شهرا نزكوه
- فقوله نزكوه أوله نون ثم زاي مفتوحتان أي طعنوا فيه مأخوذ من النيزك بنون مفتوحة بعدها ياء مثناة من تحت ساكنة ثم زاي مفتوحة وهو الرمح القصير
- ورواه كثير من رواة مسلم تركوه بالتاء والراء وهو تصحيف
- وتفسير مسلم له ينفيه وشهر قد وثقه أحمد بن حنبل ويحيى بن معين
- وغيرهما والذي ذكره فيه ابن أبي خيثمة أنه ثقة حكاه عن يحيى بن معين واقتصر عليه والقلب إلى هذا أميل وإن ذكره جماعة في كتبهم في الضعفاء وقد ذكره أبو نعيم الحافظ فيمن ذكرهم في حلية الأولياء وما ذكر في جرحه من أخذه خريطة من بيت المال على جهة الخيانة له محمل يدرأ عنه القدح المسقط وقول ابن حبان
- إنه سرق عيبة من عديله في الحج غير مقبول والله أعلم
- ذكر مسلم روح بن غطيف صاحب حديث تعاد الصلاة من قدر الدرهم فوقع في أصل الحافظ أبي القاسم الدمشقي العساكري وأصل بخط
- الحافظ أبي عامر العبدري برواية أبي الفتح السمرقندي عن عبد الغافر الفارسي وفي غيرهما وفي رواية جماعة آخرين من رواة الكتاب ابن غضيف بضاد معجمة وهو خطأ وإنما هو بالطاء المهملة من وجوه معتمدة وهو كذلك محفوظ معروف وهو عندي على الصواب فيما انتخبته من أصل فيه سماع شيخنا أبي الحسن الطوسي وعليه خط شيخه الفراوي وقرأته عليه عند قبر مسلم والله أعلم
- قوله حس الحارث بالشر هكذا وقع بغير همزة في أوله فيما عندنا من الأصول هو لغة قليلة في أحس وعليها يستقيم قول الأصوليين والفقهاء وغيرهم
- الحاسة والحواس الخمس والمعروف أن حس معناه قتل أو قتل قتلا
- ذريعا والله أعلم
- يحيى بن الجزار هو بالجيم والزاي المنقوطة والراء المهملة أي القصاب وليس في الكتاب غيره كذلك والله أعلم
- قول أبي داود الطيالسي لقيت زياد بن ميمون وعبد الرحمن بن مهدي فعبد الرحمن مرفوعا عطفا على الضمير في قوله لقيت وإن لم يؤكد الضمير اكتفاءا بما حصل من الفصل
- وحديث العطارة المشار إليه هو حديث ضعيف رواه زياد بن ميمون عن أنس ان أمرأة يقال لها الحولاء عطارة كانت بالمدينة دخلت على عائشة رضي الله عنها وذكرت خبرها مع زوجها وشكواها له وأن عائشة ذكرت ذلك لرسول الله صلى الله عليه و سلم في حديث طويل لا يصح والله أعلم
- ما ذكره مسلم من تصحيف عبد القدوس في سويد بن عقلة وهو بالعين المهملة والقاف وإنما هو بالغين المعجمة والفاء وصوابه ومصحفه كلاهما بالفتح في جميع حروفه على وزان عدسة
- وما ذكره من تصحيفه في النهي عن أن تتخذ الروح غرضا هو انه فتح الراء من الروح وقال عرضا بفتح العين المهملة واسكان الراء وإنما هو الروح بضم الراء وغرضا بالغين المعجمة والراء المفتوحتين والله أعلم
- وذكر أبان بن أبي عياش وأبان كنا نختار صرفه ذهابا إلى أن له محملا صحيحا يصحح صرفه فيحمل عليه فإن الصرف هو الأصل
- وذلك ما ذكره محمد بن جعفر النحوي في كتابه جامع اللغة من أنه يجوز أن يكون فعالا مصدرا من أبن الرجل إذا مات ثم وجدت ما عضد ذلك عن ابي محمد بن السيد البطليوسي وهو أنه اختار صرف أبان وذكر انه فعال ومن ترك صرفه جعله فعلا ماضيا والله أعلم
- ذكر مسلم المعلي بن عرفان وعرفان هو بضم العين المهملة في
- أصل أصيل بالجرح والتعديل تأليف الإمام عبد الرحمن بن أبي حاتم الرازي وهو بخط ضابط موثوق به ذكر أنه قابله بخط مصنفه وذكر سعد الخير ابن محمد الأندلسي أنه وجده بالضم أيضا في أصل موثوق به بتاريخ البخاري الكبير ويقال بكسر العين وبذلك ضبطه في الكتاب بخطه أبو عامر العبدري رحمه الله والله أعلم
- صالح مولى التوءمة يقال فيه التؤمة بضم التاء وهمزة على الواو مفتوحة وقاله كذلك كثير من الرواة والمشايخ وهو خطأ
- والصواب التوءمة بفتح التاء ثم واو ساكنة ثم همزة مفتوحة وقد تطرح الهمزة وتنتقل فتحتها إلى الواو
- والتوءمة هذه هي ابنة أمية بن خلف الجمحي سميت بذلك لأنها كانت مع أخت لها في بطن واحد والله أعلم
- وقع في أصل عندنا مأخوذ عن الجلودي وفي غيره من الأصول وضعف
- يحيى بن موسى بن دينار بزيادة ابن بين موسى ويحيى وكذلك حكاه صاحب تقييد المهمل عن أكثر النسخ وهو غلط كأنه وقع من رواة مسلم وصوابه وضعف يحيى موسى بن دينار بحذف ابن بين يحيى وهو القطان وبين موسى وقد صححه كذلك صاحب التقييد أبو علي الغساني وغيره والله أعلم
- اختلفت الأصول عندنا في قول مسلم في الأحاديث الضعيفة ولعلها أو أكثرها أكاذيب لا أصل لها
- فوقع ذلك هكذا في أصل الحافظ أبي القاسم روايته عن الفراوي عن عبد الغافر الفارسي ووقع في غيره وأقلها أو أكثرها أكاذيب وهما روايتان ذكرهما القاضي عياض المغربي ونسب الأولى إلى رواية عبد الغافر الفارسي وصححها ونسب الثانية إلى رواية أبي العباس العذري الراوي عن الراوي عن الجلودي ووصفها بالاختلال والتصحيف
- ولا تبلغ بها الحال إلى ذلك فإن الترديد بين الأقل والأكثر قد يقع من الحذر المتحري والله أعلم
- ذكر مسلم عن بعض منتحلي الحديث من أهل عصره أنه ذهب في الأحاديث المعنعنة وهي المقول فيها فلان عن فلان إلى أنه لا تقوم بها الحجة حتى يثبت أن فلانا وفلانا قد التقيا واجتمعا مرة أو أكثر او سمع أحدهما من الآخر أو نحو ذلك وإذا لم يثبت ذلك ولكن ثبت أنهما متعاصران لم يكتف بذلك ولم يحتج به
- وأخذ مسلم في رد هذا على قائله وفي الطعن عليه حتى أفرط وادعى أنه قول ساقط مخترع مستحدث لم يسبق صاحبه إليه ولا ساعده أحد من أهل العلم عليه وأن المتفق عليه بين أهل العلم بالأخبار أنه يكتفي في ذلك بكونهما في عصر واحد مع إمكان التلاقي والسماع واحتج بما اختصاره أن المعنعن عندهم يحمل على الإتصال إذا ثبت التلاقي بينهما ولم يعرف بتدليس مع إمكان الإرسال فيه اكتفاء بإمكان السماع فكذلك إذا ثبت مجرد التعاصر وأمكن التلاقي
- والذي صار إليه مسلم هو المستنكر وما أنكره قد قيل إنه القول الذي عليه أئمة هذا العلم علي بن المديني والبخاري وغيرهما ومنهم من لم يقتصر في ذلك على اشتراط مطلق اللقاء أو السماع وزاد عليه فاشترط أبو عمرو الداني المقرىء الحافظ أن يكون معروفا بالرواية عنه
- واشترط أبي الحسن القابسي المالكي أن يكون قد أدرك المنقول عنه إدراكا بينا
- واشترط أبو المظفر السمعاني الشافعي طول الصحة بينهما
- والجواب عما احتج به مسلم أنا قبلنا المعنعن وحملناه على الإتصال بعد ثبوت التلاقي ممن لم يعرف منه تدليس لأنه لو لم يكن قد سمعه ممن رواه عنه لكان بإطلاقه الرواية عنه مدلسا والظاهر سلامته من وصمة التدليس ومثل هذا غير موجود فيما إذا لم يعلن تلاقيهما وما أتى به مسلم من الإفراط في الطعن على مخالفه يليق بمن يخالف في مطلق المعنعنة فكأنه لما توهم عدم الفرق بين الصورتين طرد ذلك في الصورة المذكورة أيضا والله أعلم
- أحاديث الإيمان أولها حديث يحيى بن يعمر عن أبيه رضي الله عنهما تفرد مسلم عن البخاري بإخراجه في الصحيح واتفقا على إخراج حديث أبي هريرة الآتي الوارد في معناه وهو حديث عظيم القدر عده بعضهم في الأحاديث التي مدار الدين عليها
- فقول يحيى بن يعمر يتقفرون العلم وهو بتقديم القاف على الفاء هذا هو الثابت في أصولنا وفي روايتنا وهو الرواية المشهورة فيه ومعناه يطلبونه ويتتبعونه وقيل معناه يجمعوه
- ومنهم من رواة بتقديم الفاء عل القاف أي يبحثون عن غامضه ويستخرجون خفيه
- وقوله وذكر من شأنهم ليس من قول يحيى بن يعمر وإنما هو من قول بعض من هو دونه من الرواة أي وذكر يحيى من شأن المذكورين غير ذلك
- وما حكاه عن القدرية من قولهم إن الأمر أنف هو بضم الهمزة والنون معا أي مستأنف لم يسبق به سابق قدر ولا علم من الله تبارك وتعالى وهو مذهب غلاة القدرية وكذبوا وضلوا
- وقول عمر لا نرى عليه أثر السفر
- هو في أصل الحافظ أبي حازم العبدوي بخطه نرى بالنون والله أعلم قوله صلى الله عليه و سلم الإسلام أن تشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله وتقيم الصلاة وتؤتي الزكاة وتصوم رمضان وتحج البيت إن استطعت إليه سبيلا وقوله في الإيمان أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر وتؤمن بالقدر خيره وشره
- فهذا بيان لأصل الإيمان وهو التصديق الباطن إذ قوله أن تؤمن معناه أن تصدق وبيان لأصل الإسلام وهو الاستسلام والانقياد الظاهر وحكم الإسلام في الظاهر يثبت بالشهادتين وإنما أضاف إليهما الصلاة والزكاة والصوم والحج لأنها أظهر شعائر الإسلام وأعظمها وبقيامه بها يتم استسلامه وتركه لها يشعر بانحلال قيد انقياده أو اختلاله ثم إن اسم الإيمان يتناول ما فسر به الإسلام في هذا الحديث وسائر الطاعات لكونها ثمرات للتصديق الباطن الذي هو أصل الإيمان ومقويات ومتممات وحافظات له
- ولهذا فسر صلى الله عليه و سلم الإيمان في حديث وفد عبد القيس بالشهادتين والصلاة والزكاة وصوم رمضان وإعطاء الخمس من المغنم
- ولهذا لا يقع اسم المؤمن المطلق على من ارتكب كبيرة أو ترك فريضة لأن اسم الشيء مطلقا يقع على الكامل منه ولا يستعمل في الناقص ظاهرا إلا بقيد
- ولذلك جاز إطلاق نفيه عنه في مثل قوله صلى الله عليه و سلم لا يسرق السارق حين يسرق وهو مؤمن
- واسم الإسلام يتناول أيضا ما هو أصل الإيمان وهو التصديق الباطن ويتناول سائر الطاعات فإن ذلك كله استسلام أيضا
- فخرج مما ذكرناه وحققناه أن الإيمان والإسلام يجتمعان ويفترقان وأن كل مؤمن مسلم وليس كل مسلم مؤمنا
- فهذا والحمد لله الهادي تحقيق واف بالتوفيق بين متفرقات نصوص الكتاب والسنة الواردة في الإيمان والإسلام التي طالما غلط فيها الخائضون
- قال الإمام أبو سليمان الخطابي رحمه الله وكان أحد المحققين ما أكثر ما يغلط الناس في هذه المسألة وما حققناه من ذلك موافق لمذاهب جماهير العلماء من أهل الحديث وغيرهم والله أعلم
- وتفسيره صلى الله عليه و سلم الإحسان راجع إلى الإخلاص ومراقبة العبد ربه تبارك وتعالى في عبادته وتمام الخشوع والخضوع رزقنا الله ذلك
- وقوله أن تلد الأمة ربتها وفي الحديث بعده ربها معناه سيدتها
- وسيدها وهو إخبار عن كثرة أولاد السراري حينئذ إذ ولدها من سيدها بمنزلة سيدها
- وقيل معناه أن تلد الإماء الملوك
- والعالة هم الفقراء وفي رواية رويناها أنه سأله عنهم فقال العريب وهو تصغير العرب والمفهوم منه أهل البادية منهم أي أنهم يصيرون ملوكا ويتباهون في البناء
- وقوله فلبثت مليا أي وقتا طويلا وروى الترمذي أنه قال له ذلك بعد ثلاث
- وقول مسلم حدثني محمد بن عبيد الغبري هو بغين معجمة مضمومة ثم باء موحدة مفتوحة ثم راء مهملة منسوب إلى غبر بن غنم بطن من يشكر بن بكر بن وائل والله أعلم
- حديث أبي هريرة رضي الله عنه فيه جمع في تفسير الإيمان بين
- الإيمان بلقاء الله والإيمان بالبعث الآخر ووجهه أن لقاه تعالى يحصل بالإنتقال من الدنيا إلى دار الجزاء وذلك يتقدم على البعث
- وقيل إن ذلك عبارة عن ما يكون بعد البعث عند الحساب
- وأما وصف البعث بالآخر فقد قيل فيه هو مبالغة في البيان وأيضا فخروجه من الدنيا بعث أول
- قلت وهذا بعيد فإن خروجه منها واقع بالموت وهو ضد البعث ووجهه عندي أن البعث حياة ثانية بعد حياة أولى ونشأة أخرة بعد نشأة أولى والله أعلم
- قوله وإذا تطاول رعاء البهم في البنيان فذاك من أشراطها فالبهم بفتح الباء أولاد الضأن عند بعضهم وقيل أولاد الضأن والمعز جميعا
- وأشراط الساعة أوائلها ومقدماتها وقيل علاماتها واحدها شرط بفتح الشين والراء والله أعلم
- قوله في الرواية الأخرى إذا ولدت الأمة بعلها
- معناه أيضا ربها أي سيدها على ما سبق تفسيره فقد ورد في اللغة بعل الشيء بمعنى ربه ومالكه والله أعلم
- وقوله في رواية أخرى وإذا رأيت الحفاة العراة الصم البكم ملوك الأرض أي الجهلة والله أعلم
- حديث طلحة رضي الله عنه قوله فيه رجل ثائر الرأس بالثاء
- المثلثة أي قائم شعر الرأس منتفشه
- وقوله نسمع دوي صوته ولا نفقه ما يقول
- هو بالنون في نسمع ونفقه كذلك هو فيما عندنا من الأصول الأربعة السابقة نسبتها عن الجلودي وعن الحفاظ أبي حازم العبدوي وأبي عامر العبدري وأبي القاسم العساكري
- غير أن في بعضها اقتصارا على ذلك في إحدى الكلمتين
- ودوي صوته بفتح الدال المهملة وهو علوه وبعده في الهواء وقوله إلا أن تطوع محتمل لتشديد الطاء على إدغام إحدى التائين وبغير تشديد الطاء على حذف إحدى التائين تحقيقا على ما عرف في أمثاله
- وقوله فأدبر الرجل وهو يقول والله لا أزيد على هذا ولا أنقص منه فقال رسول الله صلى الله عليه و سلم أفلح إن صدق
- هذا الفلاح راجع إلى قوله لا انقص خاصة إذ من المعلوم عند كل من يعقل من أعرابي وعربي وعامي وخاصي أن الفلاح لا يناط بترك ما زاد على ذلك
- من نوافل الخيرات والطاعات وللعلم بذلك أطلق رسول الله صلى الله عليه و سلم قوله ذلك ولم يقيده
- وقوله في رواية أخرى أفلح وأبيه إن صدق ليس حلفا بأبيه وإنما هذه كلمة جرت عادة العرب بأنهم يبدؤون بها كلامهم من غير قصد لقسم محقق والله أعلم
- ثم انه يشكل على غير اليقظ المتأمل أنه ذكر في تفسير الإسلام في هذا الحديث الصلوات الخمس والصوم والزكاة فحسب دون سائر ما ذكر في تفسير الإسلام في حديث جبريل صلى الله عليه و سلم وكذلك لم يذكر الحج في حديث جبريل صلى الله عليه و سلم من رواية أبي هريرة وهكذا احاديث أخر في هذا الصحيح وغيره تفاوت في عدد الخصال زيادة ونقصا والمفسر واحد
- فأقول والله الموفق إن ذلك ليس باختلاف صادر من رسول الله صلى الله عليه و سلم بل ذلك ناشىء من تفاوت الرواة في الحفظ والضبط فمنهم من قصر فاقتصر على ما حفظه فأداه ولم يتعرض لما زاده غيره بنفي ولا إثبات وإن كان اقتصاره على ما ذكره يشعر بأن ذلك هو الكل فقد بان بما أتى به غيره من الثقات إن ذلك ليس بالكل وإن
- اقتصاره عليه لقصور حفظه عن تمامه
- ألا ترى حديث النعمان بن قوقل الاتي ذكره في الكتاب قريبا اختلفت الروايات في خصاله بالزيادة والنقصان مع أن راوي الجميع راو واحد وهو جابر في قضية واحدة
- ثم إن البخاري روى في صحيحه في حديث طلحة المذكور بعينه في رواية له فأخبره رسول الله صلى الله عليه و سلم بشرائع الإسلام فقال والذي أكرمك لا أتطوع شيئا ولا أنقص مما فرض الله علي شيئا فبان بهذا صحة ما ذكرناه وللفظ هذه الرواية أعرضنا عن قول من قال في قوله لا أزيد على هذا ولا أنقص إنه ليس معناه أنه لا يتنفل بل معناه لا يزيد في المفترض بأن يفترض على نفسه ما لم يفترضه الله عز و جل كما فعله أهل الكتاب والله أعلم
- ثم إن ذلك لا يمنع من إيراد الجميع في الصحيح لما عرف في مسألة زيادة الثقة من أننا نقبلها ولا ننعطف على من لم يذكرها بقدح ورد والله أعلم
- حديث أنس المذكور بعد هذا فيه فجاء رجل من أهل البادية فقال يا محمد أتانا رسولك فزعم لنا أنك تزعم أن الله أرسلك قال صدق
- هذا الرجل هو ضمام بن ثعلبة بضاد معجمة مكسورة وهو من بني سعد بن بكر بن هوازن قبيلة حليمة التي أرضعت سيدنا محمد رسول الله صلى الله عليه و سلم
- قال أبو عمر ابن عبد البر حافظ أهل المغرب روى حديثه ابن عباس وأبو هريرة وأنس بن مالك وطلحة بن عبيد الله رضي الله عنهم وكلها طرق صحاح وذكر أن طلحة لم يسمه وهذا من أبي عمر حكم بأن النجدي المذكور في حديث طلحة هو ضمام بن ثعلبة أيضا
- وفي هذا نظر لأنه إذا لم يسمه طلحة كما اعترف أبو عمر به فمن أين له أنه أراده بالرجل الذي لم يسمه وقوله أنك تزعم مع تصديق رسول الله صلى الله عليه و سلم له دال على أن زعم ليس مخصوصا بالكذب وبما ليس بمحقق بل قد يجيء بمعنى قال مستعملا في الحق المحقق وفي غيره وقد نقل مصداق ذلك أبو عمر الزاهد في شرحه للفصيح عن شيخه أبي العباس ثعلب عن العلماء باللغة من الكوفيين والبصريين قال أبو العباس ومنه قول الفقهاء زعم مالك زعم الشافعي قال معناه كله قال والله أعلم
- وفي هذا الحديث دلالة على صحة ما ذهب إليه أئمة العلماء في أن العوام
- المقلدين مؤمنون وأنه يكتفي منهم بمجرد اعتقادهم الحق جزما من غير شك وتزلزل خلافا لمن أنكر ذلك من المعتزلة
- وذلك أنه صلى الله عليه و سلم قرر ضماما على ما اعتمد عليه في تعرف رسالته وصدقه صلى الله عليه و سلم من مناشدته ومجرد إخباره إياه بذلك ولم ينكر عليه ذلك قائلا له إن الواجب عليك أن تستدرك ذلك من النظر في معجزاتي والاستدلال بالأدلة القطعية التي تفيدك العلم والله أعلم
- قول أبي أيوب رضي الله عنه فأخذ بخطام ناقته أو بزمامها هو ما يشد على رأس البعير من حبل أو سير أو نحو ذلك ليقاد به وأما الخطام فقد ذكر الأزهري أبو منصور اللغوي ما معناه أنه الحبل الذي يعلق في حلق البعير ثم يثنى على أنفه ولا يثقب له الأنف والله أعلم
- وقوله فيه قال رسول الله صلى الله عليه و سلم إن تمسك بما أمر به دخل الجنة رويناه مما يعتمد من أصل الحافظ أبي القاسم العساكري أمر بضم الهمزة به بالباء التي هي حرف الجر ومن خط الحافظ أبي عامر العبدري أمرته بفتح الهمزة وبالتاء المثناة من فوق التي هي ضمير المتكلم ويكون على هذا قد حذف منه به وهو جائز والله أعلم
- النعمان بن قوقل بقافين على وزان نوفل
- وقوله حرمت الحرام وأحللت الحلال أما تحريمه الحرام فالظاهر أنه أراد به الأمرين أن يعتقده وأن لا يفعله بخلاف تحليل الحلال فإنه يكفي فيه مجرد الإعتقاد والله أعلم
- حديث ابن عمر رضي الله عنهما بني الإسلام على خمس
- في بعض رواياته الاقتصار على إحدى الشهادتين وهي شهادة أن لا إله إلا الله فحسب والشهادة الأخرى محذوفة مرادة اكتفاءا بذكر إحدى القرينتين عن ذكر الأخرى
- وقوله وصيام رمضان والحج فقال رجل الحج وصيام رمضان قال لا صيام رمضان والحج هكذا سمعته من رسول الله صلى الله عليه و سلم
- ورويناه في كتاب أبي عوانة الإسفراييني المخرج على شرط مسلم وكتابه على العكس مما رواه مسلم وأن ابن عمر قال للرجل اجعل صيام رمضان آخرهن كما سمعت من في رسول الله صلى الله عليه و سلم ولم يذكر رواية مسلم لهذه ولن يقاوم ذلك ما رواه مسلم وقد رواه مسلم من غير ذكر قصة الرجل من وجهين فيهما وحج البيت وصوم رمضان بتقديم الحج على الصوم
- فأقول أما محافظة ابن عمر رضي الله عنهما على الترتيب في الذكر على ما
- سمعه من رسول الله صلى الله عليه و سلم ونهيه عن عكسه فهو مما يصلح حجة لمن قال إن الواو تقتضي الترتيب وهو مذهب كثير من الفقهاء الشافعيين وشذوذ من النحويين
- ومن قال إنها لا تقتضي الترتيب وهو المختار وقول الجمهور فله أن يقول فيما رواه مسلم لم يكن ذلك من ابن عمر لكون الواو مرتبة بل لأن صوم رمضان نزلت فرضيته في السنة الثانية من الهجرة ونزلت فرضية الحج في سنة ست وقيل سنة تسع بالتاء المثناة من فوق ومن حق الأول أن يتقدم في الذكر على الآخر
- وهكذا نقول نحو ذلك في الرواية الأخرى الأهم يقدم في الذكر وإن لم يعطف ذلك بحرف الواو فكانت محافظة ابن عمر على ذلك لمثل ذلك وأما مخالفة من خالف من رواة الحديث لما نص عليه ابن عمر الراوي له في قصة الرجل فرواه عنه بتقديم ذكر الحج على ذكر الصوم
- فكأن ذلك وقع ممن كان يرى الرواية بالمعنى ويرى أن تأخير الأول أو الأهم في الذكر شائع في اللسان فتصرف فيه بالتقديم والتأخير لذلك مع كونه لم يسمع نهي ابن عمر عن ذلك
- فافهم ذلك فإنه من المشكل الذي لم أرهم بينوه والله أعلم
- حديث وفد عبد القيس برواياته رواه مسلم من حديث شعبة وغيره عن أبي جمرة عن ابن عباس
- وأبو جمرة هذا هو بالجيم والراء المهملة وهو نصر بن عمران الضبعي البصري وليس في الصحيحين بهذه الكنية أحد سوى نصر هذا
- وقد ذكرت في كتابي معرفة علوم الحديث عن بعض الحفاظ أن شعبة روى عن سبعة كلهم أبو حمزة عن ابن عباس وكلهم أبو حمزة بالحاء والزاي المنقوطة إلا واحدا هو بالجيم والراء المغفلة وهو نصر بن عمران
- والفرق بينهم يدرك بأن شعبة إذا أطلق وقال عن أبي جمرة عن ابن عباس فهو نصر بن عمران وإذا روى عن غيره ممن هو بالحاء والزاي فهو يذكر اسمه أو نسبه والله أعلم
- قوله في الرواية الأولى فقالوا يا رسول الله إنا هذا الحي من ربيعة وقد حالت بيننا وبينك كفار مضر الذي نختاره فيه نصب قوله الحي على على التخصيص
- والخبر في قولهم من ربيعة ومعناه إنا هذا الحي حي من ربيعة وقد جاء في رواية أخرى إنا حي من ربيعة والله أعلم
- قولهم ولا نخلص إليك إلا في شهر الحرام صح هكذا في أصولنا بإضافة شهر الحرام والقول فيه كالقول في نظائره من قولهم دار الآخرة ومسجد الجامع ونحو ذلك فعلى طريقة النحويين الكوفيين هو إضافة للموصوف إلى صفته وذلك عندهم سائغ ولا يسوغ ذلك أصحابنا النحويون البصريون ويقولون تقدير ذلك شهر الوقت ومسجد المكان الجامع ودار الحياة الآخرة ونحو ذلك والله أعلم
- قوله صلى الله عليه و سلم وأنهاكم عن الدباء والحنتم والنقير والمقير
- وأما الدباء فهو بدال مغفلة مضمومة ثم باء مشددة بعدها مدة وهو القرع
- وأما الحنتم فهو بالحاء المهملة والنون والتاء المثناة من فوق والميم على وزان جعفر وهو جمع حنتمة وقد اختلف في معناه على وجوه أحدها وهو أقواها إنه الجرار الخضر وذلك مروي عن أبي هريرة رضي الله عنه في كتاب الأشربة من هذا الصحيح وقال به غير واحد من أهل اللغة والغريب
- وقيل هو الجر الأخضر والأبيض وقيل الجر كله ويعضده ما جاء عن ابن عمر رضي الله عنهما في هذا الصحيح أنه قال هي الجرة فأطلق وقيل هو الفخار كله وقيل جرار كانت يحمل فيها الخمر من مصر وقيل من الشام وقيل جرار كانت تعمل من طين قد عجن بشعر ودم وهو مروي عن عطاء وقيل في ذلك غير ذلك وعلى هذين القولين الأخريين يزداد في علة النهي النجاسة أو خوف النجاسة
- وأما النقير فقد فسره رسول الله صلى الله عليه و سلم في رواية أبي سعيد لهذا الحديث بأنه جذع ينقر ويقذف فيه من القطيعاء أو قال من التمر ويصب عليه الماء
- القطيعاء بضم القاف وبالمد على وزان الغبيراء
- وهي نوع من التمر يقال له السهريز بالسين والشين وبضمهما وكسرهما
- وأما المقير وفي رواية المزفت فهو المطلي بالقار والزفت
- وقد قيل الزفت هو القار وفي عرفنا الزفت نوع من القار وقد صح عن ابن عمر رضي الله عنهما أنه قال المزفت هو المقير
- ثم أن المعنى في النهي عن انتباذ النبيذ الحلو في هذه الأوعية إن النبيذ فيها يسرع إليه الإسكار وهو فساد وأيضا فربما شربه بعد إسكاره من لم يطلع عليه بعد
- ثم أن هذا النهي نسخ بدلالة حديث بريدة بن الحصيب وغيره في ذلك وسيأتي في هذا الكتاب إن شاء الله تعالى وهو أعلم
- قول أبي جمرة في الرواية الثانية كنت أترجم بين يدي ابن عباس وبين الناس
- كذا وقع فيما عندنا وفيه حذف وتقديره بين يدي ابن عباس بينه وبين الناس
- وقوله أترجم فيه أنه كان يتكلم بالفارسية فكان يترجم لابن عباس عن من يتكلم بها
- وعندي أن معناه أنه كان يبلغ كلام ابن عباس إلى من خفي عليه من الناس إما لزحام منع من سماعه فأسمعهم وإما لاختصار منع من فهمه فأفهمهم أو نحو ذلك وإطلاقه ذكر الناس يشعر بهذا ويبعد أن يكون المراد به الفرس خاصة وليست الترجمة مخصوصة بتفسير لغة أخرى وقد أطلقوا على قولهم باب كذا وكذا اسم الترجمة لكونه يعبر عن ما يذكر بعده والله أعلم
- وقوله صلى الله عليه و سلم مرحبا بالقوم غير خزايا ولا الندامى هكذا وقع ها هنا بالألف واللام في الندامى وإسقاطهما في خزايا وقد روي بإثباتهما فيهما وبإسقاطهما فيهما
- فقوله خزايا جمع خزيان كحيارى جمع حيران وهو إما من قولهم خزي الرجل خزاية إذا استحيى وإما من قولهم خزي خزيا إذا ذل وهان والأول اختيار أبي عبيد الهروي صاحب الغريبين
- وقوله ولا الندامى قطع بعضهم بأنه جمع نادم وزعم انه جاز جمعه بهذه الصيغة على خلاف القياس اتباعا لخزايا ولو أفرد لم يجز فيه ذلك ومن نظائره قولهم إني لآتيه بالغدايا والعشايا فجمعهم الغداء غدايا كان اتباعا للعشايا ولو أفرد لم يجز ويجوز أن يكون جمع ندمان بمعنى نادم لا بمعنى نديم كما هو الأشهر فقد حكى صاحب جامع اللغة وصاحب صحاح اللغة أنه يقال للنادم ندمان فعلى هذا يكون ذلك جمعا جاريا على الأصل ثم إن المقصود من هذا الكلام أنه لم يوجد منكم تأخر عن الإسلام ولا عناد ولا أصابكم أسار وسباء ولا ما أشبه ذلك مما تكونون لأجله مستحيين أو مهانيين ونادمين أو نحو هذا والله أعلم قوله قال وأمرهم بأربع ونهاهم عن أربع قال أمرهم بالإيمان بالله وحده وقال هل تدرون ما الإيمان بالله قالوا الله ورسوله أعلم قال شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة وصوم رمضان وأن تؤدوا خمسا من المغنم
- فقوله أمرهم بالإيمان بالله إعادة لذكر الأربع ووصف لها بأنها إيمان
- بالله ثم فسر الأربع بالشهادتين وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة والصوم فهذا إذا موافق لقوله عليه السلام بني الإسلام على خمس ولتفسير الإسلام بخمس في حديث جبريل صلى الله عليه و سلم على ما سبق تقديره من أن ما يسمى إسلاما يسمى إيمانا وأن الإيمان والإسلام يجتمعان ويفترقان وقد قيل إنما لم يذكر الحج في هذا الحديث لكونه لم يكن قد فرض حينئذ والله أعلم
- وأما قوله أن تؤدوا خمسا فليس عطفا على قوله شهادة أن لا إله إلا الله فإنه يلزم منه أن يكون الأربع خمسا وإنما هو عطف على قوله وأمرهم بأربع فيكون مضاف إلى الأربع لا واحدا منها وإن كان واحدا من مطلق شعب الإيمان وحسن أن يقرأ وأن يؤدوا بياء المغايبة ويجوز بتاء المخاطبة
- وأما عدم ذكر الصوم في الرواية الأولى فهو إغفال من الراوي وليس من الاختلاف الصادر من رسول الله صلى الله عليه و سلم بل من اختلاف الرواة الصادر من تفاوتهم في الضبط والحفظ على ما تقدم بيانه فافهم ذلك وتدبره تجده إن شاء الله تعالى مما هدانا سبحانه لحله من العقد والعضل والله أعلم
- قوله صلى الله عليه و سلم وأخبروا به من ورائكم ضبطنا هذا الأول بكسر الميم من من
- وقوله قال أبو بكر من ورائكم هذا هو بفتح الميم من من وهما يرجعان إلى معنى واحد والله أعلم
- ومن الرواية الثالثة وما بعدها أشج عبد القيس اسمه المنذر بن عائد بالذال المنقوطة قطع به ابن عبد البر وغير واحد
- وقيل وبالعكس عائد بن المنذر وقيل غير ذلك والأول أصح وأشهر وهو الأشج العصري من بني عصر بالعين والصاد المهملتين المفتوحتين والله أعلم
- الأناة مقصورة على وزن الحصاة وهي التثبت والتأني والله أعلم
- قوله وفي القوم رجل أصابته جراحة كذلك قيل إن اسمه جهم بن قثم بلغنا ذلك عن ابن أبي خيثمة وكانت الجراحة في ساقه والله أعلم
- قولهم فيم نشرب يا رسول الله قال في أسقية الأدم التي يلاث هو
- بالثاء المثلثة أي يلف ويربط وصح في أكثر أصولنا بياء المضارعة التي هي للمذكر
- وفي الأصل الذي بخط العبدري بالتاء التي هي للمؤنث والأول أقوى وتقديره ومعناه يلف الخيط على أفواهها ويربط به
- وعلى الثاني الأسقية تلف على أفواهها
- فقوله على افواهها يكون بدل بعض من الأسقية كما تقول ضربته على رأسه
- ثم إن هذا تنبيه على أمر آخر خارج عن أمر الأوعية وهو ما جاء منصوصا عليه في غير هذا الحديث من أمره صلى الله عليه و سلم بإيكاء السقاة مطلقا سواء كان الموكى فيه نبيذا أو ماءا أو غير ذلك وإذا هذا يرجع قوله صلى الله عليه و سلم في الرواية الأخيرة وعليكم بالموكى أي بالسقاء الرقيق الذي يوكى أي يربط فوه بالوكى وهو الخيط الذي يربط به
- وقوله الموكى مقصور لا همز فيه وإنما رخص في الأسقية لأنها لرقة
- جلودها لا يسرع الفساد إلى ما ينبذ فيها والله أعلم
- قوله إن أرضنا كثير الجرذان صح في أصولنا كثير من غير تاء التأنيث
- والتقدير فيه إن أرضنا مكان كثير الجرذان
- ومن نظائره قول الله تبارك وتعالى إن رحمت الله قريب من المحسنين والله أعلم
- قوله صلى الله عليه و سلم وتذيفون فيه من القطيعاء روي بالدال المهملة وبالذال المعجمة وهما لغتان وكلاهما بفتح التاء
- وهو من ذاف يذيف ثلاثيا
- ورواه بعض رواة مسلم بضم التاء مع الذال المعجمة والمشهور فتحها وداف يدوف بالواو وإهمال الدال بمعنى ذلك صحيح معروف ومعنى ذاف الشيء خلطه بمائع وإهمال الدال فيه أعرف في اللغة والله أعلم
- ثم إن مسلما حدث عن محمد بن رافع عن عبد الرزاق عن ابن جريج قال أخبرني أبو قزعة أن أبا نضرة أخبره وحسنا أخبرهما أن أبا سعيد الخدري
- أخبره أن وفد عبد القيس لما أتوا النبي صلى الله عليه و سلم
- فقوله أن أبا نضرة وحسنا أخبرهما أن أبا سعيد أخبره إحدى المعضلات ولا عضال ذلك وقع فيه تغييرات من جماعة واهمة فمن ذلك رواية أبي نعيم الأصبهاني الحافظ في مستخرجه على كتاب مسلم بإسناده أخبرني أبو قزعة أن أبا نضرة وحسنا أخبرهما أن أبا سعيد الخدري وهذا يلزم منه أن يكون أبو قزعة هو الذي أخبر أبا نضرة وحسنا عن أبي سعيد فيكون أبو قزعة هو الذي سمع من أبي سعيد ذلك
- وذلك منتف والله أعلم
- ومن ذلك أن أبا علي الغساني صاحب تقييد المهمل رد رواية مسلم هذه وقلده في ذلك صاحب المعلم ومن شأنه تقليده في ما يذكره من علم الأسانيد مع أنه لا يسميه ولا ينصفه وصوبهما في ذلك القاضي أبو الفضل عياض ابن موسى فقال أبو علي الصواب في الإسناد عن ابن جريج قال أخبرني أبو قزعة أن أبا نضرة وحسنا أخبراه أن أبا سعيد أخبره وذكر أنه إنما قال أخبره ولم يقل أخبرهما لأنه رد الضمير إلى أبي نضرة وحده وأسقط الحسن لموضع
- الإرسال فإنه لم يسمع من أبي سعيد الخدري ولم يلقه وذكر أنه بهذا اللفظ الذي ذكره خرجه أبو علي ابن السكن في مصنفه بإسناده قال وأظن هذا من إصلاح ابن السكن
- وذكر الغساني أيضا أنه رواه كذلك أبو بكر البزار في مسنده الكبير بإسناده وحكى عنه وعن عبد الغني بن سعيد الحافظ أنهما ذكرا أن حسنا هذا هو الحسن البصري
- وليس الأمر في ذلك على ما ذكروه بل ما أورده مسلم في هذا الإسناد هو الصواب وكما أورده رواه أحمد بن حنبل عن روح بن عبادة عن ابن جريج
- وقد انتصر له الحافظ أبو موسى الأصبهاني وألف في ذلك كتابا لطيفا تبجح فيه بإجادته وإصابته مع وهم غير واحد من الحفاظ فيه
- فذكر أن حسنا هذا هو الحسن بن مسلم بن يناق الذي روى عنه ابن جريج غير هذا الحديث وأن معنى هذا الكلام أن أبا نضرة أخبر بهذا الحديث أبا قزعة وحسن بن مسلم كليهما ثم أكد ذلك بأن أعاد فقال أخبرهما أن أبا سعيد أخبره يعني أبو سعيد أبا نضرة وهذا كما تقول أن زيدا جاءني وعمرا جاءاني فقالا كذا وكذا
- وهذا من فصيح الكلام واحتج على أن حسنا فيه هو الحسن بن مسلم بأن سلمة بن شبيب وهو ثقة رواه عن عبد الرزاق وعن ابن جريج قال أخبرني أبو قزعة أن أبا نضرة أخبره وحسن بن مسلم أخبرهما أن أبا سعيد أخبره الحديث
- رواه أبو الشيخ الحافظ في كتابه المخرج على صحيح مسلم
- وقد أسقط أبو مسعود الدمشقي وغيره ذكر حسن أصلا من الإسناد لأن مع إشكاله لا مدخل له في رواية الحديث وذكر الحافظ أبو موسى ما حكاه أبو علي الغساني في كتابه تقييد المهمل في ذلك وبين بطلانه وبطلان رواية من غير الضمير في قوله أخبرهما وغير ذلك من تغيير ولقد أجاد وأحسن والله أعلم
- أبو قزعة المذكور اسمه سويد بن حجير مصغرا اسم أبيه وفي آخره
- راء مهملة وقزعة بفتح الزاي قطع به صاحب تقييد المهمل
- ووجد بخط ابن الأنباري بإسكانها وذكر ابن مكي في كتابه فيما تلحن فيه أن الإسكان هو الصواب والعلم عند الله تبارك وتعالى
- حدث مسلم عن أبي بكر بن أبي شيبة وغيره عن وكيع بإسناد ذكره عن أبي معبد عن ابن عباس عن معاذ بن جبل ثم قال قال أبو بكر وربما قال وكيع عن ابن عباس أن معاذا قال بعثني رسول الله صلى الله عليه و سلم
- هذا فيه مسألة لطيفة من علم الحديث وهي أن قوله عن ابن عباس عن معاذ بن جبل يحمل على الإتصال ويفيد مطلقه سماع ابن عباس لذلك عن معاذ عند أئمة الحديث
- وقوله إن معاذا هو دون ذلك في إفادة ذلك فإن فيهم جماعة جعلوه في حكم المنقطع والمرسل حتى يتبين فيه السماع وجمهورهم على أنه يحمل أيضا على الاتصال حتى يتبين فيه الإنقطاع وقد بينت المسألة في كتاب معرفة علوم الحديث
- وأبو معبد المذكور هو مولى ابن عباس واسمه نافذ بالفاء والذال المعجمة وقد صحفه بعضهم
- وما في حديث معاذ هذا من ذكر بعض دعائم الإسلام دون بعض هو من تقصير الراوي على ما بينته فيما سبق من نظائره والله أعلم
- قوله حدثنا أمية بن بسطام العيشي بسطام هو بكسر الباء وهو عجمي لا ينصرف
- قال ابن دريد ليس من كلام العرب وقد وجدته أنا في كتاب ابن الجواليقي في العجمي المعرب مصروفا وإنما يستقيم صرفه لو كان من العجمي الذي يدخله الألف واللام وذلك بعيد
- والعيشي بياء مثناة من تحت وشين مثلثة وهو من بني عيش قبيلة هكذا يقوله المحدثون من غير ألف
- وقال خليفة بن خياط وغيره هم بنو عايش بن مالك بن تيم الله بن ثعلبة فعلى هذا يكون ذلك من تخفيف النسب وتغاييره
- وقد ذكر الحاكم أبو عبد الله الحافظ ثم أبو بكر الخطيب الحافظ أن العيشيين بالشين المثلثة بصريون والعبسيين بالباء الموحدة والسين المهملة كوفيون والعنسيين بالنون والسين المهملة شاميون وهذا على الغالب والله أعلم
- عقيل الراوي عن الزهري هو بضم العين المهملة وبالقاف وهذا المعروف عند أهل الحديث وإنما نذكر مثل هذا تعليما لمن لم يعان هذا الشأن والله أعلم
- قول أبي بكر الصديق رضي الله عنه والله لو منعوني عقالا كانوا يؤدونه إلى رسول الله صلى الله عليه و سلم
- لا يحمل العقال هذا على الذي يشد به البعير ويعقل فإنه غير واجب عليهم إلا أن يقال كني به عن ما يساوي عقالا من الزكاة وقد قال غير واحد من أئمة الفقه وغيرهم العقال ها هنا زكاة عام
- قال الشاعر ... سعى عقالا فلم يترك لنا سبدا ... فكيف لو قد سعى عمرو عقالين ...
- أراد مدة عقال فنصبه على الظرف وعمرو هذا هو عمرو بن عتبة بن أبي سفيان ولاه عمه معاوية على صدقات كلب فقال فيه قائلهم ذلك
- وذكر أبو العباس المبرد في كتابه الكامل أن المصدق إذا أخذ من مال الصدقة ما فيه ولم يأخذ ثمنه قيل أخذ عقالا وإذا أخذ ثمنه قيل أخذ نقدا
- قال الشاعر ... أتانا أبو الخطاب يضرب طبله ... فرد ولم يأخذ عقالا ولا نقدا ...
- وذكر أن الصحيح في العقال المذكور تفسيره بهذا وليس ذلك عندنا بالصحيح والله أعلم
- الدراوردي عبد العزيز بن محمد حروفه مهملة كلها وهو بدال مفتوحة ثم راء بعدها ألف ثم واو مفتوحة بعدها راء ساكنة ثم دال
- والأثبت فيه انه نسب شاذ مسموع على غير القياس وأنه نسبة إلى درابجرد مدينة من فارس وهي بدال مهملة مفتوحة ثم راء بعدها ألف ثم باء موحدة مفتوحة ثم جيم مكسورة بعدها راء ساكنة ثم دال ومنهم من يثبت فيها بعد الدال الأولى ألفا أخرى
- وما ذكرناه من كونه نسبه إلى داربجرد هو قول أهل العربية أو من ذكر ذلك منهم
- وممن قاله من أهل الحديث الحافظان أبو حاتم بن حبان البستي وأبو نصر الكلاباذي
- قال ابن حبان كان أبوه منها
- وقال الكلاباذي كان جده منها
- وقال أبو حاتم السجستاني اللغوي زعم الأصمعي أن الدراوردي الفقيه منسوب إلى درابجرد
- قال أبو حاتم وهو منسوب على غير قياس بل هو خطأ وإنما الصواب درابي او جردي ودرابي أجود
- قلت وليس من المرضي قول ابن قتيبة إنه منسوب إلى دراورد وكذا قول الكلاباذي دراوردي هي درابجرد لأن ذلك مشعر بأنه غير مخصوص بالنسب وهو به مخصوص
- وقرأت بخط الحافظ أبي سعد السمعاني في كتابه الأنساب انه قد قيل إنه من أندرابة
- قلت وهذا لائق بقول من يقول فيه الأندراوردي بزيادة همزة مفتوحة ونون ساكنة في أوله وهو قول أبي عبد الله البوشنجي من أئمة الحديث وأدباءهم
- وأندرابة مدينة من عمل بلخ وقرية لمرو أيضا
- أخبرني شيخنا المسند أبو الفتح منصور بن عبد المنعم حافد الفراوي بقراءتي عليه بنيسابور عن أبي جده أبي عبد الله الفراوي وغيره عن أبوي عثمان إسماعيل ابن عبد الرحمن الصابوني وسعيد بن محمد البحيري وأبي بكر البيهقي قالوا أخبرنا الحاكم أبو عبد الله الحافظ قال سمعت أبا بكر محمد بن جعفر يقول سمعت أبا عبد الله البوشنجي غير مرة يقول عبد العزيز بن محمد الأندراوردي والله أعلم
- واقد بن محمد العمري بالقاف وليس في الصحيحين وافد بالفاء أصلا والله أعلم
- حرملة بن يحيى التجيبي
- شيخ مسلم منسوب إلى تجيب قبيلة من كندة بضم التاء المثناة من فوق في أوله وتفتح أيضا
- وبالضم هو عند أصحاب الحديث وكثير من الأدباء ولم يجز فيه بعضهم إلا الفتح وليس ذلك بالقوي والله أعلم
- وحرملة هذا هو صاحب الشافعي الذي يذكره أصحابه في مصنفاتهم والله أعلم
- ذكر مسلم حديث المسيب بن حزن في وفاة أبي طالب ولم يرو عنه أحد إلا ابنه سعيد بن المسيب الفقيه الفاضل والمشهور فيه فتح الياء منه ووجدت أبا عامر العبدري الحافظ الأديب قد ضبطه بخطه بفتح الياء وبكسرها معا وهذا غريب مستطرف وكذلك ما حكاه القاضي عياض اليحصبي عن شيخه القاضى الحافظ أبي علي الصدفي عن ابن المديني قال عياض ووجدته بخط مكي بن عبد الرحمن كاتب أبي الحسن القابسي بسنده عن ابن المديني أن أهل العراق يفتحون ياءه واهل المدينة يكسرونها قال الصدفي وذكر لنا ان سعيدا كان يكره أن تفتح الياء من اسم أبيه
- قال القاضي عياض وأما غير والد سعيد فبفتح الياء من غير خلاف منهم المسيب بن رافع والله أعلم
- قول أبي طالب في رواية أبي هريرة لولا أن تعيرني قريش يقولون إنما حمله على ذلك الجزع لأقررت بها عينك
- الرواية المشهورة فيه بين أهل الحديث الجزع بالجيم والزاي المنقوطة وذكر غير واحد من مصنفي غريب الحديث وأهل اللغة أن الخرع بالخاء المعجمة والراء المهملة المفتوحتين منهم أبو عبيد الهروي وأبو القاسم الزمخشري وغيرهما
- والخرع الضعف قال الأزهري وقيل الخرع الدهش
- أخبرنا شيخنا أبو الفتح بن أبي المعالي الفراوي بنيسابور قراءة عليه قال أخبرنا جدي الإمام أبو عبد الله الفراوي أخبرنا أبو الحسن عبد الغافر بن محمد الفارسي أخبرنا الإمام أبو سليمان حمد بن محمد الخطابي البستي رحمه الله قال ما نصه في قصة موت أبي طالب انه قال لولا أن تعيرني قريش فتقول أدركه الجزع لأقررت بها عينك
- وكان أبو العباس ثعلب يقول إنما هو الخرع يعني الضعف والخور ذكره الخطابي هكذا مقتصرا عليه في فصل قال في ترجمته هذه ألفاظ من الحديث يرويها أكثر الرواة والمحدثين ملحونة ومحرفة اصلحناها لهم وفيها حروف تحتمل وجوها اخترنا منها أبينها وأوضحها
- والله الموفق للصواب
- ذكر مسلم حديث عثمان بن عفان رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه و سلم قال من مات وهو يعلم أن لا إله إلا الله دخل الجنة
- هذا وسائر الأحاديث الواردة في معناه حجة على الخوارج القائلة بتكفيير مرتكبي الكبائر وتخليدهم في النار وعلى المعتزلة القائلة بتخليدهم فيها من غير تكفير ولا حجة فيه للمرجئة الزاعمة أنه لا يعذب مع الإسلام بمعصية كما لا ينجو مع الكفر بطاعة لأنه ليس فيه أكثر من إثبات أصل دخوله الجنة وكل مسلم يدخل الجنة وإن لبث في النار ما لبث والنصوص متظاهرة في إصلاء من لم يعف عنه من أهل الكبائر المسلمين نار جهنم عافانا الله الكريم سبحانه
- وقوله وهو يعلم لا يحملنا على مخالفة الفقهاء وسائر أهل السنة في قولهم
- إنه لايصير مسلما بمجرد المعرفة بالقلب دون النطق بالشهادتين إذا كان قادرا عليه لأن اشتراط ذلك ثابت بينته أحاديث أخر منها حديث عبادة بن الصامت المذكور في الكتاب بعد هذا من قال أشهد أن لا إله إلا الله إلى آخره برواياته
- يبقى أن يقال كيف علق دخول الجنة بمجرد قول لا إله إلا الله وهو لا يصير مسلما ومن أهل الجنة بمجرد ذلك على ما لا يخفى
- وجوابه أن من الجائز في هذا الحديث وأشباهه أن يكون ذلك اقتصارا من بعض الرواة نشأ في تقصيره في الحفظ والضبط لا من رسول الله صلى الله عليه و سلم بدلالة مجيء تمام ذلك في غير ذلك من الروايات والأحاديث عن رسول الله صلى الله عليه و سلم وقد قررنا نحو هذا فيما سبق
- وجائز أن يكون اختصارا من رسول الله صلى الله عليه و سلم فيما خاطب به كفار العرب عبدة الأوثان الذين كان توحيدهم لله تبارك وتعالى مضمونا بسائر ما يتوقف عليه الإسلام ومستلزما له والكافر إذا كان لا يقر بالوحدانية كالوثني والثنوي
- فقال لا إله إلا الله وحاله الحال التي حكيناها حكم بإسلامه ولا نقول والحالة هذه ما قاله بعض أصحابنا من أن من قال لا إله إلا الله يحكم بإسلامه ثم يجبر على قبول سائر الأحكام فإن حاصله راجع إلى أنه يجبر حينئذ على إتمام الإسلام ويجعل حكمه حكم المرتد إن لم يفعل من غير أن يصير بذلك مسلما في نفس الأمر وفي أحكام الآخرة والله أعلم
- ومن وصفنا حاله مسلم في نفس الأمر وفي أحكام الآخرة والله اعلم وإذ وضح أنه لم يبق للمرجئة في حديث عثمان وأمثاله متمسك فوراءه أحاديث أوردها مسلم وغيره فيها إعضال وللمرجئة بها اغترار منها حديث عبادة بن الصامت وغيره من شهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله حرم الله عليه النار
- ومنها حديث معاذ إن حقا على الله أن لا يعذب من لا يشرك به
- وهذا كله يوجب بظاهره أن لا يدخل النار مسلم قط ولا سبيل إلى القول بذلك للنصوص التي لا يستطاع دفعها
- وقد أجيب على ذلك بأجوبة منها ما حكي عن جماعة من السلف إن هذا كان قبل أن تنزل الفرائض وأحكام الأمر والنهي
- ولسنا نرتضي هذا إذ منها ما يعلم بالنظر إلى حال الراوي له كونه بعد تنزل الأحكام
- ومنها أن المراد منها من شهد بالشهادتين وأدى حقهما وفرائضهما حكي ذلك عن الحسن البصري ومنها قول من قال إن ذلك ورد فيمن قال عند التوبة ومات بعدها على ذلك
- ولي في ذلك وجهان متجهان هما أقرب إلى ألفاظ الأحاديث والله الموفق العاصم
- أحدهما أن معناها حرم الله عليه نار جهنم الخالدة وحق على الله أن لا يعذبه بالخلود فيها وحسن إطلاق ذلك بهذا المعنى لكونه واقعا في مقابلة الشرك الموجب للنار بوصف الخلود فتكون النار والعذاب المطلقان فيه راجعين إلى النار والعذاب بذلك الوصف الذي هو وصف الخلود
- الثاني أن المراد فجزاءه تحريم النار عليه أو وأن لا يعذبه ثم قد لا يقع الجزء المعارض من المعصية منع منه وإطلاق ذلك كإطلاق ضده في ضده كما في قوله تبارك وتعالى ومن يقتل مؤمنا متعمدا فجزاؤه جهنم خالدا فيها وقوله صلى الله عليه و سلم
- فيمن قتل نفسه إنه في نار جهنم خالدا مخلدا فيها أبدا أي فجزاؤه ذلك ثم قد لا يجازى به لمعارض من العفو يمنع منه وقد يعبر الفقيه عن هذا المعنى بأن يقول المقصود بهذه الأحاديث إثبات كون الإسلام سببا لتحريم النار عليه والسبب قد يتخلف مسببه لمانع والله ورسوله أعلم بالمراد من ذلك
- أخرج مسلم حديث عبيد الله الأشجعي عن مالك بن مغول عن طلحة
- ابن مصرف عن أبي صالح عن أبي هريرة قال كنا مع رسول الله صلى الله عليه و سلم في مسير قال فنفدت أزواد القوم قال حتى هم بنحر بعض حمائلهم إلى آخره
- هذا الحديث مما استدركه الدارقطني وعلله من جهة أن أبا أسامة وغيره رووه عن مالك بن مغول عن طلحة عن أبي صالح مرسلا
- وقد أخرجه مسلما أيضا من حديث الأعمش عن أبي صالح عن أبي هريرة أو عن أبي سعيد فتكلم عليه الدارقطني أيضا وذكر أنه اختلف فيه على الأعمش فقيل فيه أيضا عنه عن أبي صالح عن جابر وكان الأعمش يشك فيه
- وهذا الاستدراك من الدارقطني مع أكثر استدراكاته على الشيخين قدح في أسانيدهما غير مخرج لمتون الحديث من حيز الصحة
- فذكر في هذا الحديث أبو مسعود إبراهيم بن محمد الدمشقي الحافظ فيما
- أجاب به الدارقطني عن استدراكاته على مسلم أن الأشجعي ثقة مجود فإذا جود ما قصر فيه غيره حكم له به ومع ذلك فالحديث له أصل ثابت عن رسول الله صلى الله عليه و سلم برواية الأعمش له مسندا وبرواية يزيد بن أبي عبيد وإياس بن سلمة بن الأكوع عن سلمة
- قلت رواه البخاري عن سلمة عن رسول الله صلى الله عليه و سلم وأما شك الأعمش فهو غير قادح في متن الحديث فإنه شك في عين الصحابي الراوي له وذلك غير قادح لأن الصحابة كلهم عدول والله أعلم
- قوله هم بنحر بعض حمائلهم هو في الأصل الذي هو بخط الحافظ أبي عامر العبدري وفي أصل أبي القاسم الدمشقي حمائلهم بالحاء المهملة محققا ولم يذكر القاضي عياض غير هذا
- وفي الأصل المأخوذ عن الجلودي بالجيم والحاء مكتوبا عليه معا وهو بالجيم في تخريج أبي نعيم الحافظ على كتاب مسلم في أصل به معتمد مسموع عليه وفي حاشيته الجمائل جمع الجمالة وهي التي لا أناث فيها
- فأقول كلاهما له وجه صحيح أما بالحاء فهو جمع حمولة بفتح الحاء وهي الإبل التي تحمل وعند أبي الهيثم اللغوي لا يقال في غير الإبل حمولة واما
- بالجيم فهو جمع جمالة بكسر الجيم جمع جمل ونظير حجر وحجارة والجمل هو الذكر دون الناقة فيما حكاه الأزهري عن الفراء وغيره والله أعلم
- قوله في أثناء الحديث قال وقال مجاهدا وذو النواة بنواه حكي عن عبد الغني بن سعيد الحافظ أن طلحة بن مصرف هو الذي حكى ذلك عن مجاهد وقوله وذو النواة بنواه هو في أصولنا وغيرها الأول بهاء التأنيث والثاني بغيرها
- فذكر القاضي عياض رحمه الله أن صوابه حذف تاء التأنيث في الموضعين
- قلت وكذلك وجدته في كتاب أبي نعيم المخرج على صحيح مسلم بلا هاء في الكلمتين
- والواقع في كتاب مسلم له عندي وجه صحيح وهو أن تجعل النواة عبارة عن جملة من النوى أفردت عن غيرها فتسمى الجملة المفردة الواحدة باسم النواة الواحدة كما أطلق اسم الكلمة الواحدة على القصيدة الواحدة أو تكون النواة من قبيل ما يستعمل في الواحد والجمع بلفظ واحد من الأسماء التي فيها علامة التأنيث نحو الحنوة وهي نبت طيب الريح على مثال العنوة والله أعلم
- قوله يمصونه المعروف في اللغة فيه فتح الميم وحكى الأزهري ضمها
- عن بعض العرب وهو غريب والله أعلم عن بعض العرب وهو غريب والله أعلم
- قوله حتى ملأ القوم أزودتهم هكذا الرواية فيه
- والأزودة جمع زاد وهي لا تملأ إنما تملأ بها أوعيتها ووجهة عندي أن يكون المراد ملأ القوم أوعية أوزدتهم فحذف المضاف وأقيم المضاف إليه مقامه كما في قوله تعالى وسئل القرية أي أهل القرية
- وبلغنا عن ابن جني أن في القرآن العظيم زهاء ألف موضع فيه حذف المضاف وإقامة المضاف إليه مقامه
- أو يكون ذلك من قبيل المقلوب الذي من أمثلته قول الشاعر ... كانت فريضة ما تقول ... كما كان الزناء فريضة الرجم ...
- وليس هذا مخصوصا بضرورة الشعر كما زعم ابن قتيبة بل من عادات العرب قلبهم الكلام عند اتضاح المعنى توسعا في فنون المخاطبات ومما ذكروا من أمثلة قوله تعالى وقد بلغني الكبر أي بلغت الكبر فاعلم ذلك فإنه حرف
- مشكل لم أرهم شرحوه إلا ما كان من القاضي عياض فإنه ذكر فيه أنه يحتمل أنه سمى الأوعية بما فيها كما سميت الأسقية روايا بحاملتهاوإنما الروايا الإبل التي تحملها وسميت النساء ظغائن باسم الهوادج التي حملت فيها
- وما قاله غير مسلم وتسمية الأسقية روايا من توليد العامة والأمر في الضغائن على عكس مما ذكره فإن صفة الظغن للنساء بالأصالة والله أعلم قوله في الرواية الأخرى نواضحنا فالنواضح من الإبل التي يستقى عليها الماء وهي جمع ناضحة للأنثى
- قلت وتسمية الذكر ناضحة على المبالغة في الوصف قالوا للرجل الكثير الرواية رواية قياس تحتاج إلى مساعدة النقل عليه والله أعلم
- قول عمر ادع الله لهم عليها بالبركة لعل الله يجعل في ذلك يعني خيرا أو بركة أو نحو ذلك فحذف المفعول للعلم به والله أعلم
- داود بن رشيد بضم الراء من رشيد وإسكان الياء
- وجنادة بضم الجيم
- والصنابحي بضم أوله وياء النسب في آخره واسمه عبد الرحمن بن عسيلة أبو عبد الله
- وحبان جد محمد بن يحيى بن حبان بفتح الحاء المهملة والباء الموحدة المشددة وكل ذلك من المعروف بين اهل الحديث والمقصود تعريف الدخيل والله أعلم
- هداب بن خالد شيخ مسلم على وزن عمار وهو المقول فيه هدبة بن خالد وأحدهما لقب وهدبة هو اللقب
- وحكى الحافظ أبو الفضل الفلكي الهمذاني انه كان يغضب إذا قيل هدبة وقرأت بخط أبي محمد عبد الله بن الحسن الطبسي في كتابه في المؤتلف والمختلف أن هداب هو اللقب وليس هذا مما يركن إليه والله أعلم
- قول معاذ رضي الله عنه كنت ردف النبي صلى الله عليه و سلم ليس بيني وبينه إلا مؤخرة الرحل
- ف الردف هو بكسر الراء وإسكان الدال وهو الراكب خلف الراكب
- ومؤخرة الرحل هي التي خلف الراكب يستند إليها والأكثر الأغلب تسميتها أأخرة الرحل وهي مؤخرة الرحل بميم مضمومة ثم همزة ساكنة ثم خاء مكسورة خفيفة وقالها بعض الرواة بفتح الهمزة وفتح الخاء المشددة وهو غالب على ألسنة الطلبة وليس ذلك بثابت
- وحكى القاضي عياض رحمه الله وإيانا في ذلك في كتابيه مشارق الأنوار
- وإكمال المعلم عن ابن مكي أنه أنكر الكسر وقال لا يقال مقدم ولا مؤخر بالكسر إلا في العين يعني قولهم مقدم العين ومؤخرها
- قلت وهذا الذي حكاه عن أبي حفص عمر ابن مكي الصقلي صاحب كتاب ما تلحن فيه العامة معروف عن الخليل ومن تقدم من أهل اللغة
- وما توهمه القاضي من كونه مخالفا لما تقدم ذكره وهم منه فإن ذلك كلام في مقدم ومؤخر بغير تاء التأنيث والمراد به أنه لا يقال مؤخر السفينة وغيرها ومقدمها بالكسر بل مؤخرها ومقدمها بالفتح والتشديد وليس في ذلك تعرض لمؤخرة الرحل بتاء التأنيث وهما نوعان فاعلم ذلك والله اعلم
- قوله صلى الله عليه و سلم لمعاذ هل تدري ما حق العباد على الله وجهه مع كونه سبحانه وتعالى يتعالى عن أن يستحق عليه أحد حقا أنه لما كان ما وعد به يوجد لا محالة ولا يقع تركه صار كالحق الذي لا يسيغ تركه فأطلق عليه لفظه
- وإخبار معاذ بذلك عند موته تأثما أي تجنبا للإثم مع أن النبي صلى الله عليه و سلم منعه من أن يخبر به الناس وجهه عندي أنه منعه من التبشير العام خوفا من أن يسمع ذلك من لا خبرة له ولا علم فيغتر ويتكل ومع ذلك أخبر صلى الله عليه و سلم به على الخصوص من أمن عليه الاغترار والاتكال من أهل المعرفة بالحقائق فإنه أخبر به معاذا فسلك معاذ هذا المسلك وأخبر به من الخاصة من رآه أهلا لذلك تأثما من أن يكتم علما أهله والله أعلم
- وأما حديث أبي هريرة المذكور بعد هذا وما فيه من خلاف حديث معاذ من أمر رسول الله صلى الله عليه و سلم أبا هريرة بأن يبشر بالجنة من لقي ممن يشهد أن لا إله إلا الله وقول عمر أخشى أن يتكل الناس عليها فخلهم يعملون وقوله صلى الله عليه و سلم فخلهم
- فأقول إن ذلك من قبيل تغير الاجتهاد وقد كان القول بالاجتهاد جائزا له وواقعا منه عند المحققين وله المزية على سائر المجتهدين بأنه لا يقر في اجتهاده على الخطأ
- وقد روى الثقات في حديث أم سلمة المعروف أنه صلى الله عليه و سلم قال إني إنما اقضي بينكم برأي فيما لم ينزل علي فيه ومن نفى ذلك وقال لم يكن له القول في الأمور الدينية إلا عن وحي فليس بممتنع أن يكون قد نزل عليه عند مخاطبة عمر له وحي بما أجابه به ناسخ لوحي سبق بما قاله أولا صلى الله عليه و سلم والله ورسوله أعلم
- قوله في الرواية الثانية كنت ردف رسول الله صلى الله عليه و سلم على حمار يقول له عفير
- هذا يقتضي أن يكون ذلك في مرة أخرى غير المرة المذكورة في الرواية الأولى فإن مؤخرة الرحل يختص بالإبل ولا تكون على حمار وعفير هو بضم العين المهملة وبالفاء وهو الحمار الذي كان له صلى الله عليه و سلم قيل إنه مات في حجة الوداع وقال القاضي عياض إنه بغين معجمة متروك عليه والله أعلم
- قوله شعبة عن أبي حصين هو بحاء مهملة مفتوحة بعدها صاد مهملة وفي آخره نون وهو عثمان بن عاصم الأسدي الكوفي وليس في الصحيحين حصين وأبو حصين بالفتح سوى هذا والله أعلم
- وفي رواية أبي حصين المذكورة يا معاذ أتدري ما حق الله على العباد قال الله ورسوله أعلم قال أن يعبد الله ولا يشرك به شيئا
- وقع في الأصول شيئا بالنصب
- قلت هو صحيح على التردد في قوله يعبد الله ولا يشرك به بين وجوه ثلاثة
- أحدها يعبد الله بفتح الياء التي للمذكر الغائب أي يعبد العبد الله ولا يشرك به شيئا وهذا أوجه الوجوه
- الثاني تعبد بالتاء التي هي للمخاطب على التخصيص لمعاذ لكونه المخاطب والتثنية به على غيره
- الثالث يعبد بضم أوله على ما لم يسم فاعله ويكون قوله شيئا كناية عن المصدر لا عن المفعول به
- أي لا يشرك به إشراكا وتكون الجار والمجرور في قوله به هو القائم مقام
- الفاعل وإذ لم تعين الرواة شيئا من هذه الوجوه فحق على من يروي هذا الحديث منا أن ينطق بها كلها واحدا بعد واحد ليكون آتيا بما هو المقول منها في نفس الأمر جزما والله أعلم
- قول أبي هريرة رضي الله عنه فإذا ربيع يدخل في جوف حائط من بئر خارجة والربيع الجدول فاحتفرت كما يحتفر الثعلب فدخلت على رسول الله صلى الله عليه و سلم
- فقوله من بئر خارجة هو بالتنوين في خارجة وكذا في الأصل الذي هو
- بخط أبي عامر العبدري وفي الأصل المأخوذ عن الجلودي
- وأخبرني الشيخ أبو محمد عبد الرحمن بن إبراهيم بن أحمد بقراءتي عليه عن الحافظ المتقن أبي موسى محمد بن أبي بكر المديني الأصبهاني رحمه الله قال قوله من بئر خارجة يروى على وجوه
- يقال من بئر خارجة وبئر خارجة بئر معروف منسوبة إلى خارجة
- فالرواية الثانية التي ذكرها أبو موسى هي بإضافة خارج إلى هاء الضمير أي البئر في موضع خارج عن الحائط
- والرواية الثالثة البئر فيها منسوبة إلى رجل اسمه خارجة والله أعلم
- قوله الربيع الجدول فالربيع هو على لفظ الربيع الزماني
- والجدول هو النهر الصغير وقوله فاحتفرت هو بالراء المهملة محققا في الأصل المأخوذ عن الجلودي والأصل الذي بخط العبدري وهي الرواية الأكثر
- ورواه بعضهم بالزاي المنقوطة وكذلك وجدته في كتاب أبي نعيم المخرج على هذا الكتاب في الأصل المأخوذ عنه ومعناه تضاممت وهذا أقرب من حيث المعنى ويدل عليه تشبيهه بفعل الثعلب وهو تضامه للدخول في المضايق والله أعلم
- قوله بين ظهرينا وهو بفتح الراء وإسكان الياء بعدها قال الأصمعي وغيره يقال بين ظهريهم وظهرانيهم أي بفتح النون معناه بينهم وبين أظهرهم وهو في بعض النسخ بين أظهرنا والله أعلم
- قول أبي هريرة فأجهشت بكاء يقال جهشت وأجهشت جهشا وإجهاشا وهو فيما ذكره أبو عبيد وغيره أن يفزع الناس إلى غيره وهو مع فزعه كأنه يريد البكاء كالصبي يفزع إلى أمه وأبيه وقد تهيأ للبكاء
- وزاد بعضهم بيانا فقال هو أن يفزع إلى آخر وهو متغير الوجه متهيء للبكاء
- ولما يبك بعد وقوله بكاء مفعول له وقد جاء في حديث فأجهشت للبكاء والله أعلم
- قوله وركبني عمر وإذا هو على أثري أي لحقني في الوقت من غير تمهل وقوله أثري يقال بفتح الهمزة والثاء جمعيا وبكسر الهمزة وإسكان الثاء والله أعلم
- قلت ودخول أبي هريرة الحائط من غير إذن صاحبه على ما دل عليه ظاهر الحال مع تقرير النبي صلى الله عليه و سلم إياه على ذلك يدل على جواز مثل ذلك عند العلم برضى المالك وإن لم يتلفظ بالإذن
- وضربة عمر المفضية إلى سقوط أبي هريرة يحمل على أنه دفع في صدره ليرده فانصدم لإسراعه أو نحو ذلك فوقع من غير تعمد من عمر لذلك وهي واقعة عين ووقائع الأعيان تتردد بين ضروب من الإحتمالات والله أعلم
- قوله لبيك وسعديك فيه لأهل العربية واللغة أقوال
- فقيل معنى لبيك إجابة لك بعد إجابة
- وقيل لزوما لطاعتك وإقامة عليها بعد إقامة من قولهم ألب بالمكان ولب به إذا أقام به ولزمه
- ومعنى سعديك إسعادا لك بعد إسعاد والإسعاد الإعانة والتثنية فيهما للتكرير والتأكيد والله أعلم
- قول مسلم رحمه الله وإيانا حدثنا شيبان بن فروخ
- ففروخ هو بفتح الفاء وتشديد الراء وبالخاء المنقوطة وهو عجمي غير منصرف وقد ذكر صاحب كتاب العين اسم ابن لإبراهيم صلى الله عليه و سلم هو أبو العجم والله أعلم
- وعتبان بن مالك بكسر العين على مثال عمران والله أعلم
- مالك بن الدخشم هو من الأنصار حكى أبو عمر بن عبد البر اختلافا في شهوده العقبة وقال لم يختلفوا أنه شهد بدرا وما بعدها من المشاهد وقال لا يصح عنه النفاق وقد ظهر من حسن إسلامه ما يمنع من إتهامه
- قلت وهو ابن الدخشم بدال مهملة مضمومة ثم خاء معجمة ساكنة ثم
- شين مثلثة مضمومة ثم ميم وقيل فيه الدخشن بالنون ويقال أيضا الدخشن بكسر الدال وكسر الشين وجاء مصغرا ومكبرا فيهما غير أن الواقع فيه في روايتنا في كتاب مسلم وفي أصولنا به في رواية مسلم الأولى بالميم مكبرا وهو في أكثرها بغير ألف ولام في هذه الرواية
- وهو فيها في الرواية الثانية مصغرا وبالميم أيضا وبالألف واللام إلا في أصل أبي حازم الحافظ بخطه فإنه مكبر فيه في الثانية أيضا والله أعلم
- قوله يتحدثون بينهم ثم أسندوا عظم ذلك وكبره إلى مالك معناه إنهم تحدثوا وشكوا ما يلقون من المنافقين ونسبوا معظم ذلك إلى مالك
- وعظم ذلك هو بضم العين وإسكان الظاء أي معظمه
- وكبره بمعنى ذلك وهو بضم الكاف ويجوز بكسرها والله أعلم
- وما في الحديث من أن من أتى بالشهادتين لا يدخل النار قد قال الزهري فيه ثم نزلت بعد ذلك فرائض وأمور نرى أن الأمر انتهى إليها فمن استطاع أن لا يغتر فلا يغتر
- وهذا غير مقنع فقد كانت الصلاة وغيرها من الفرائض نزلت قبل ذلك ومعنى الحديث ما سبق في حديث معاذ والله أعلم
- أبو عامر العقدي هو بالعين المهملة والقاف المفتوحين واسمه عبد الملك بن عمرو
- والعقد بطن من بجيلة وقيل بطن من قيس وروى عنه أحمد بن إبراهيم الدورقي فقال حدثنا أبو عامر القيسي والله أعلم
- حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه و سلم قال الأيمان بضع وسبعون شعبة
- ف البضع هو بكسر الباء ويقال أيضا بفتحها وكذا البضعة في قولنا بضعة عشر وشبه ذلك
- واختلف في ذلك أئمة اللغة وفي بعض تفسيرهم له إشكال أنا أوضحه إن شاء الله تعالى
- فقيل هو من ثلاث إلى تسع وهذا هو الأشهر
- وقيل ما بين اثنين إلى عشر والظاهر أن هذا تفسير للأول
- فيكون البضع مستعملا في الثلاث دون ما قبله غير مستعمل في العشر
- وقيل ما هو بين الثلاث إلى العشر والظاهر أن هذا هو ما حكاه أبو عمر الزاهد اللغوي أنه من أربع إلى تسع
- وكذا قول الفراء إنه ما بين الثلاثة إلى ما دون العشرة
- فعلى هذا لا يستعمل في الثلاث ولا في العشر أيضا
- وقد بلغ بالبضع المذكور في هذا الحديث بعض من فصل شعب الإيمان سبعا أو تسعا والله أعلم
- وقوله شعبة أي خصلة وأصله من الشعبة بمعنى القطعة
- ثم إن مسلما روى هذا الحديث من حديث سهيل بن أبي صالح عن عبدالله ابن دينار عن أبي صالح عن أبي هريرة على الشك فقال بضع وسبعون أو بضع وستون شعبة
- وهذا الشك فيما ذكره أبو بكر البيهقي الحافظ وقع من سهيل وقد روي عن سهيل بضع وسبعون من غير شك قطعا بالأكثر أخرجه أبو داود في كتابه
- وأما سليمان بن بلال فإنه رواه عن عبدالله بن دينار على القطع من غير شك
- وهي الرواية الصحيحة أخرجاها في الصحيحين
- غير أنها فيما عندنا من كتاب مسلم بضع وسبعون قطعا بالأكثر وهي فيما عندنا من كتاب البخاري بضع وستون قطعا بالأقل
- وقد نقلت كل واحدة منهما عن كل واحد من الكتابين ولا إشكال في أن كل واحدة منهما رواية معروفة في روايات هذا الحديث
- واختلفوا في الترجيح بينهما والأشبه بالإتقان والاحتياط ترجيح رواية الأقل ومنهم من رجح رواية الأكثر وإياها اختار الإمام أبو عبد الله الحليمي فإن الحكم لمن حفظ الزيادة جازما بها
- ثم إن الكلام في تعيين هذه الشعب يتشعب ويطول وقد صنفت في ذلك مصنفات من اغزرها فوائد كتاب المنهاج لأبي عبد الله الحليمي إمام الشافعيين ببخارى وكان من رفعاء أئمة المسلمين
- وحذا حذوه الحافظ الفقيه أبو بكر البيهقي في كتابه الجليل الحفيل كتاب شعب الإيمان وعينت شعب كثيرة منها الاستنباط والاجتهاد والقطع على مراد رسول الله صلى الله عليه و سلم في كثير منها عسر صعب وقد ضبطت ما أمليته من وجوه الاختلاف في ذلك حديثا ولغة ضبطا متينا عزيزا ولله الحمد وهو أعلم
- قوله صلى الله عليه و سلم الحياء من الإيمان
- وجهه أن ما كان منه تخلقا فهو عمل يكتسب كسائر أعمال الإيمان
- وما كان منه غريزة وطبعا فهو منشأ لأعمال كثيرة من أعمال الإيمان وهذا الحيآء ممدود وترك المد فيه لحن يحيل المعنى فإنه من غير مد عبارة عن المطر وعن الخصب أيضا والله أعلم
- حديث عمران بن حصين رضي الله عنهما عن رسول الله صلى الله عليه و سلم الحيآء لا يأتي إلا بخير وفي رواية الحياء خير كله
- قول بشير بن كعب لعمران إنا نجد في بعض الكتب إن منه ضعفا وإنكار عمران وغضبه عليه في ذلك قد يختلج في النفس منه شيء من جهة أن صاحب الحيآء قد يستحي ان يواجه بالحق من يجله فيترك أمره بالمعروف ونهيه عن المنكر
- وقد يخل بحق عليه لعارض من الحياء اعترض وليس من الخبر وهذا
- مندفع لأن ذلك إنما هو خور وعجز ومهانة وليس من الحياء إنما الحياء خلق يبعث على ترك القبيح ويمنع من التقصير في حق ذي الحق ونحو هذا وقد روينا عن الجنيد رضي الله عنه أنه سئل عن الحياء فقال رؤية الآلاء ورؤية التقصير فيتولد من بينهما حالة تسمى الحياء
- وقوله حتى احمرتا عيناه كذا وقع وكذا رويناه وهو على لغة من قال أكلوني البراغيث أو على البدل كما في قوله تبارك وتعالى وأسروا النجوى الذين ظلموا والله أعلم
- رواة حديث عمران عنه في الكتاب أحدهم أبو السوار بفتح السين وتشديد الواو وهو العدوي بصري ذكر البخاري وغيره أن اسمه حسان بن حريث وعرفه البخاري بروايته لهذا الحديث
- وأبو قتادة وهو العدوي بصري اسمه تميم بن نذير بضم النون وفتح الدال المنقوطة وفي اسمه واسم أبيه اختلاف والله أعلم
- وحجير بن الربيع العدوي بحاء مهملة في أوله مضمومة وراء مهملة في آخره
- والراوي عنه أبو نعامة العدوي بصري اسمه عمرو بن عيسى وهو من الثقات الذين اختلطوا قبل موتهم والله أعلم
- أبو نجيد كنية عمران بنون مضمومة في أوله ثم جيم وفي آخره دال مهملة وهو مصغر
- بشير بن كعب المذكور عدوي بصري وهو بضم الباء الموحدة وفتح الشين وليس في الصحيحين بهذا الاسم سواه وسوى بشير بن يسار والله أعلم
- أبو الخير الراوي عن عبد الله بن عمرو بن العاص هو مرثد بالثاء المثلثة ابن عبد الله اليزني المهري الحميري المصري ويزن بالياء المثناة من تحت والزاي المنقوطة المفتوحتين ومهرة قبيلتان من حمير والله أعلم
- قوله صلى الله عليه و سلم المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده
- المراد به المسلم الكامل والأفضل من سلموا منه وهذا من ألفاظ الحصر التي تطلق على الكامل والمراد بها نفي الكمال عن ضد المذكور لا نفي حقيقة ذلك من أصله عن ضده كما يقال العلم ما نفع أو لا علم إلا ما نفع في نظائر لذلك كثيرة
- وقد أفصح عن صحة ما ذكرناه قوله في الرواية الأخرى سئل رسول الله صلى الله عليه و سلم أي المسلمين أفضل فقال من سلم المسلمون من لسانه ويده
- ثم إن المراد بذلك من لم يؤذ مسلما بقول ولا فعل وخص اليد بالذكر لأن معظم الأفعال بها تكون والله أعلم
- ثم كمال الإسلام والمسلم متعلق بما ذكر ويغيره من خصال أخر كثيرة معلومة وخص صلى الله عليه و سلم في جواب السائل المذكور السلامة من اللسان واليد بالذكر وخص في جواب السائل المذكور في الحديث الذي قبله بالذكر إطعام الطعام وإفشاء السلام وذلك على حسب الحاجة إلى البيان بالنظر إلى حال السائل
- وباعتبار الحالة الراهنة فاعلم ذلك والله أعلم
- بريد بن عبد الله هو بباء موحدة مضمومة في أوله وبعدها راء مهملة يكنى أبا بردة وهو أبو بردة ابن عبد الله المذكور في الإسناد الذي قبله وجده أبو بردة بن أبي موسى الأشعري اسمه عند الأكثرين عامر وعند يحيى بن معين أن اسمه الحارث والله أعلم
- قوله حدثنا شيبان بن أبي شيبة وهو شيبان بن فروخ الذي حدث عنه في غير موضع والله أعلم
- وروى مسلم حديث أنس أن النبي صلى الله عليه و سلم قال لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه أو قال لجاره ما يحب لنفسه
- ورواه البخاري حتى يحب لأخيه فحسب من غير شك
- وهذا قد يعد من الصعب الممتنع وليس كذلك إذ معناه والله أعلم
- لا يكمل إيمان أحدكم حتى يحب لأخيه في الإسلام مثل ما يحب لنفسه والقيام بذلك يحصل بأن يحب له حصول مثل ذلك من جهة لا يزاحمه فيها بحيث لا ينقص النعمة على أخيه شيئا من النعمة عليه وذلك سهل على القلب السليم وإنما يعسر على القلب الدغل عافانا الله وإخواننا أجمعين آمين
- وقد روينا عن أبي محمد عبد الله بن أبي زيد الفقيه إمام المالكية بالمغرب الأدنى رحمه الله أنه قال جماع آداب الخير وأزمته تتفرع من أربعة أحاديث قول النبي صلى الله عليه و سلم من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرا أو ليصمت
- وقوله صلى الله عليه و سلم من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه
- وقوله للذي اختصر له في الوصية لا تغضب
- وقوله المؤمن يحب لأخيه المؤمن ما يحب لنفسه والله أعلم
- قوله صلى الله عليه و سلم لا يدخل الجنة من لا يؤمن جاره بوائقه أي غوائله ودواهيه وشروره وهي جمع بائقة
- ومعنى قوله لا يدخل الجنة مع ما ثبت من أن كل مسلم لا بد أن يدخل الجنة وإن دخل النار إنه يدخلها وقت دخول أهلها إليها وإذا فتحت أبوابها للمتقين إلا أن يعفو الله تبارك وتعالى
- وقوله فلا يؤذي جاره كذا وقع وكذا رويناه بإثبات الياء على لفظ الخبر وقد جاء مثله في كثير من الأحاديث
- والمراد النهي ويأتي ذلك أيضا بلفظ النهي والجميع سائغ والله أعلم
- روى مسلم حديث أبي سعيد الخدري من رأى منكم منكرا فليغيره
- وقال حدثنا أبو كريب حدثنا أبو معاوية حدثنا الأعمش عن إسماعيل بن رجاء عن أبيه عن أبي سعيد الخدري ح وعن قيس بن مسلم عن طارق بن شهاب عن أبي سعيد الخدري
- فقوله وعن قيس بن مسلم معطوف على قوله عن إسماعيل أي رواه الأعمش عن إسماعيل وقيس والله أعلم
- روى مسلم بإسناده عن صالح بن كيسان عن الحارث بن فضيل بإسناده عن أبي رافع عن عبد الله بن مسعود ما اختصاره أن رسول الله صلى الله عليه و سلم قال ما من نبي بعثه الله في أمة قبلي إلا كان له من أمته حواريون وأصحاب يأخذون بسنته ثم إنها تخلف من بعدهم خلوف يقولون ما لا يفعلون ويفعلون ما لا يؤمرون فمن جاهدهم بيده فهو مؤمن ومن جاهدهم بلسانه فهو مؤمن ومن جاهدهم بقلبه فهو مؤمن ليس وراء ذلك من الإيمان حبة خردل
- قال أبو رافع فحدثت عبد الله بن عمر فأنكره علي فقدم ابن مسعود فنزل بفنائه فاستتبعني إليه عبد الله بن عمر قال فلما جلسنا سألت ابن مسعود فحدثنيه كما حدثت ابن عمر
- قال صالح وقد تحدث بنحو ذلك عن أبي رافع
- فقوله حواريون قيل حواريوا الأنبياء أنصارهم وقيل هم خلصانهم وأصفياؤهم وقيل هم المجاهدون وقيل الذين يصلحون للخلافة بعدهم
- وسنعود إن شاء الله تبارك وتعالى إلى الكلام فيه
- وقوله ثم إنها تخلف هذا الضمير هو ضمير القصد والشأن وقوله خلوف بضم الخاء جمع خلف بسكون اللام وهو الخالف بشر وهو بفتح اللام بخير وقد حكى غير واحد الوجهين معا فيهما والله أعلم
- وقوله فنزل بفنائه بكسر الفاء وبالمد وجمعه أفنية وهي ما بين أيدي المنازل والدور من البراح هكذا وقع في روايتنا في هذا الكتاب
- وفي كتاب أبي عوانة الإسفراييني المخرج عليه وهي رواية أكثر رواة الكتاب وفي رواية أبي الفتح السمرقندي الشاشي بقناة بالقاف على لفظ قناة الرمح
- وكذا رواه أبو عبد الله الحميدي في كتابه الجمع بين الصحيحين
- وكذا كان في أصل الحافظ أبي عامر العبدري بخطه وهو برواية السمرقندي وفي أصل الحافظ أبي القاسم العساكري وكان هذا منه أولا على رواية السمرقندي ثم غير ذلك فيهما جعل بفنائه وقناة بالقاف وهو الأشبه
- وقد ذهب القاضي أبو الفضل اليحصبي إلى أن الأول وإن كان رواية الجمهور فهو خطأ وتصحيف وإنما هو قناة وهو اسم واد من أودية المدينة عليه حرث ومال من أموالها والله أعلم
- قول صالح وقد تحدث بنحو ذلك هو بضم المثناة من فوق وفيه إشعار بأن الحارث بن فضيل قد توبع على ذلك والله أعلم
- قوله الرواية الأخرى يهتدون بهديه هو بفتح الهاء وإسكان الدال أي بطريقته وسمته والله أعلم
- قول مسلم اجتماع ابن عمر معه وهذا مما أنكره صاحب درة الغواص في أوهام الخواص وقال لا يقال اجتمع فلان مع فلان وإنما اجتمع فلان وفلان والله أعلم
- ثم إن هذا الحديث مما انفرد به مسلم عن البخاري وقد أنكره أحمد بن حنبل فيما بلغنا عن أبي داود السجستاني في مسائله عن أحمد قال الحارث بن فضيل ليس بمحفوظ الحديث وهذا الكلام لا يشبه كلام ابن مسعود وذكر أحمد قوله صلى الله عليه و سلم اصبروا حتى تلقوني
- قلت قد روى عن الحارث هذا جماعة من الثقات ولم نجد له ذكرا في كتب الضعفاء وفي كتاب ابن أبي حاتم عن يحيى بن معين أنه ثقة
- ثم إن الحارث لم ينفرد به بل توبع عليه على ما أشعر به كلام صالح بن كيسان المذكور وذكر الإمام الدارقطني في كتاب العلل إن هذا الحديث قد روي من وجوه أخر منها عن أبي واقد الليثي عن ابن مسعود عن رسول الله صلى الله عليه و سلم
- وأما قوله اصبروا فذلك حيث يلزم من ذلك إثارة الفتنة وسفك الدماء ونحو ذلك وما ورد في هذا الحديث من الحث على جهاد المبطلين باليد واللسان فذلك حيث لا يلزم منه إثارة فتنة على أن لفظ هذا الحديث مسوق فيمن سبق من الأمم وليس في لفظه ذكر هذه الأمة والله أعلم
- حديث أبي مسعود البدري أشار النبي صلى الله عليه و سلم بيده نحو اليمن فقال ألا إن الإيمان ها هنا وأن القسوة وغلظ القلوب في الفدادين عند أصول أذناب الإبل حيث يطلع قرنا الشيطان في ربيعة ومضر
- وفي رواية أبي هريرة جاء أهل اليمن هم أرق أفئدة الإيمان يمان والفقه يمان والحكمة يمانية
- وفي رواية هم أرق أفئدة وأضعف قلوبا
- وفي رواية هم ألين قلوبا وأرق أفئدة
- وفي رواية مالك لحديث أبي هريرة رأس الكفر نحو المشرق والفخر والخيلاء في أهل الخيل والإبل الفدادين أهل الوبر والسكينة في أهل الغنم
- وفي رواية جابر غلظ القلوب والجفاء في المشرق والإيمان في أهل الحجاز
- أما ما ذكر من نسبة الإيمان إلى اليمن وأهله فقد صرفوه عن ظاهره من حيث إن مبدأ الإيمان من مكة ثم المدينة حرسهما الله
- فحكى أبو عبيد إمام الغريب ثم من بعده في ذلك أقوالا
- أحدها أن المراد بذلك مكة فإنه يقال إن مكة من تهامة ويقال إن تهامة من أرض اليمن
- والثاني إن المراد مكة والمدينة فإنه يروى في الحديث أن النبي صلى الله عليه و سلم قال هذا الكلام وهو يومئذ بتبوك ومكة والمدينة حينئذ بينه وبين اليمن فأشار إلى ناحية اليمن وهو يريد مكة والمدينة فقال الإيمان يمان ونسبهما إلى اليمن لكونهما حينئذ من ناحية اليمن كما قالوا الركن اليماني وهو بمكة إلى ناحية اليمن
- الثالث ما ذهب إليه كثير من الناس وهو أحسنها عند أبي عبيد أن المراد بذلك الأنصار لأنهم يمانون في الأصل فنسب إليهم لكونهم أنصاره
- وأنا أقول والله الموفق لو جمع أبو عبيد ومن سلك سبيله طرق الحديث بألفاظه كما جمعها مسلم وغيره وتأملوها لصاروا إلى غير ما ذكروه ولما تركوا الظاهر ولقضوا بأن المراد بذلك اليمن وأهل اليمن على ما هو مفهوم من إطلاق ذلك إذ من ألفاظه أتاكم أهل اليمن والأنصار من جملة المخاطبين بذلك فهم إذا غيرهم
- وكذلك قوله جاء أهل اليمن وإنما جاء حينئذ غير الأنصار ثم إنه وصفهم صلى الله عليه و سلم بما يقضي بكمال إيمانهم ورتب عليه قوله الإيمان يمان فكان ذلك نسبة للإيمان إلى من أتاهم من أهل اليمن لا إلى مكة والمدينة
- ولا مانع من إجراء الكلام على ظاهره وحمله على أهل اليمن حقيقة لأن من اتصف بشيء وقوى قيامه به وتأكد اضطلاعه به نسب ذلك الشيء إليه إشعارا بتميزه به وكمال حاله فيه
- وهكذا كان حال أهل اليمن حينئذ في الإيمان وحال الوافدين منهم في حياته صلى الله عليه و سلم وفي أعقاب موته كأويس القرني وأبي مسلم الخولاني وأشباههما
- ممن سلم قبله وقوى إيمانه فكانت نسبة الإيمان إليهم لذلك إشعارا بكمال إيمانهم من غير أن يكون في ذلك نفي لذلك عن غيرهم فلا منافاة بينه وبين قوله الإيمان في أهل الحجاز
- ثم إن المراد بذلك الموجودون منهم حينئذ لا كل أهل اليمن في كل زمان فإن اللفظ لا يقتضيه هذا والله أعلم
- هذا هو الحق في ذلك ونشكر الله سبحانه على هدايتنا له والله أعلم
- وأما ما ذكر من الفقه والحكمة فالفقه ها هنا هو عبارة عن الفهم في الدين واصطلح بعد ذلك الفقهاء والأصوليون على تخصيص الفقه بإدراك الأحكام الشرعية العملية بالاستدلال على أعيانها
- وأما الحكمة ففيها أقوال كثيرة مضطربة قد اقتصر كل من قائليها على بعض صفات الحكمة وقد صفا لنا منها
- إن الحكمة عبارة عن العلم المتصف بالأحكام المشتمل على المعرفة بالله تبارك وتعالى المصحوب بنفاذ البصيرة وتهذيب النفس وتحقيق الحق والعمل به والصد عن اتباع الهوى والباطل والحكيم من له ذلك
- أخبرنا الشيخ أبو الحسن بن محمد النيسابوري قراءة عليه بها ونقلت من أصل سماعه وكان أصيلا قال أخبرنا جدي لأمي أبو محمد العباس بن محمد العصاري قال حدثنا القاضي أبو سعيد محمد بن سعيد لفظا قال أخبرنا الأستاذ أبو إسحاق أحمد بن محمد الثعلبي قال سمعت أبا الحسن علي بن الحارث البياري قال سمعت أبا سعيد الحسن بن عبد الله السيرافي سمعت أبا بكر محمد بن الحسن الدريدي يقول كل كلمة وعظتك في آخرتك أو دعتك إلى مكرمة أو نهتك عن قبيح فهي حكمة وحكم ومنه قول النبي صلى الله عليه و سلم إن من الشعر حكمة وجاء في بعض الألفاظ حكما والله أعلم
- قوله يمان ويمانية هو بالتخفيف من غير تشديد للياء عند جماهير أهل العربية لآن الألف المزيدة فيه عوض من ياء النسب المشددة فلا يجمع بينهما
- وقال ابن السيد في كتابه الاقتضاب في شرح أدب الكتاب حكى أبو العباس المبرد وغيره أن التشديد لغة
- قلت وهذا غريب وإن كان هو المشهور المستعمل عند من لا عناية له بعلم العربية وقوله ألين قلوبا وأرق أفئدة فالمشهور أن الفؤاد هو القلب فعلى هذا يكون قد كرر ذكر القلب مرتين بلفظين وهو أولى من تكريره بلفظ واحد
- وقيل الفؤاد غير القلب وهو عين القلب
- وقيل الفؤاد باطن القلب
- وقيل هو غشاء القلب
- وأما وصفها بالرقة واللين والضعف فمعناه أنها ذات خشية واستكانة سريعة الاستجابة والتأثر بقوارع التذكير سالمة من الغلظ والشدة والقسوة التي وصف بها قلوب الآخرين والله أعلم
- وأما قوله في الفدادين فزعم أبو عمرو هو الشيباني أنها بتخفيف الدال وهي جمع فدان بتشديد الدال وهو عبارة عن البقر التي يحرث عليها حكاه عنه أبو عبيد وأنكره عليه
- وعلى هذا فالمراد بذلك أصحابها فحذف ذلك
- والصواب الفدادون بتشديد الدال جمع فداد بدالين أولاهما مشددة وهذا قول أهل الحديث وجمهور أهل اللغة الأصمعي وغيره وهو من الفديد وهو الصوت الشديد فهم الذين تعلو أصواتهم في إبلهم وخيلهم وحروثهم ونحو ذلك
- وقال أبو عبيدة معمر بن المثنى هم المكثرون من الإبل الذي يملك أحدهم المائتين منها إلى الألف والله أعلم
- قلت وقوله في رواية أبي مسعود إن القسوة في الفدادين عند أصول أذناب الإبل معناه الذين لهم جلبة وصياح عند سوقهم لها وقوله حيث
- يطلع قرنا الشيطان في ربيعة ومضر فقوله في ربيعة ومضر بدل من قوله في الفدادين أي القسوة في ربيعة ومضر الفدادين والله أعلم
- وقرنا الشيطان جانب رأسه وقيل هما جمعاه اللذان يغريهما بإضلال الناس وقيل شيعتاه من الكفار
- والمراد بذلك اختصاص المشرق بمزيد من تسلط الشيطان ومن الكفر كما قالوا في الحديث الآخر رأس الكفر نحو المشرق
- وكان ذلك في عهده صلى الله عليه و سلم حين قال ذلك ويكون حين يخرج الدجال من المشرق وهو فيما بين ذلك منشأ للفتن العظيمة ومثار للكفرة الترك العابثة العاتية الشديدة البأس والله أعلم
- وقوله الفخر والخيلاء فالفخر هو الافتخار وعد المآثر القديمة تعظما
- والخيلاء الكبر واحتقار الناس
- وقوله في أهل الخيل والإبل الفدادين أهل الوبر فالوبر وإن كان من الإبل دون الخيل فليس بممتنع أن يكون قد وصفهم بكونهم جامعين بين الخيل والإبل والوبر وقوله والسكينة في أهل الغنم أي الطمأنينة والسكون على خلاف ما ذكر من صفة الفدادين والله أعلم
- حديث أبي هريرة لا تدخلون الجنة حتى تؤمنون ولا تؤمنوا حتى
- تحابوا معناه لا يكمل إيمانكم إلا بذلك ولا تدخلون الجنة عند دخول أهلها إليها إذا لم تكونوا كذلك وقد سبق إيضاح أمثال ذلك والله أعلم
- روى مسلم حديث تميم الداري أن النبي صلى الله عليه و سلم قال الدين النصيحة قلنا لمن قال لله ولكتابه ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم
- انفرد به مسلم عن البخاري وليس لتميم في الصحيح غيره
- بلغنا عن الشافعي الإمام أنه قال تميم رجل من لخم من حي يقال لهم بنو الدار فمن قال الداري نسبه إلى نسبته ومن قال الديري نسبه إلى دير كان فيه قبل الإسلام وكان نصرانيا وهذا عن الشافعي عزيز رواه أبو الحسين الرازي في
- كتابه في مناقب الشافعي رضي الله عنه بإسناد جيد
- واختلف في ذلك رواة الموطأ عن مالك رضي الله عنه
- ففي رواية يحيى الليثي وابن بكير وغيرهما الديري بالياء
- وفي رواية القعنبي وابن القاسم وأكثرهم الداري بالألف ثم إن الصحيح في وجه النسبتين ما ذكره الشافعي ومنهم من قال هي بالألف نسبة إلى دارين وهو مكان عند البحرين هو محط السفن كان يجلب إليه العطر من الهند ولذلك قيل للعطار الداري ومنهم من جعله بالياء نسبة إلى قبيلة أيضا وهو بعيد والله أعلم
- وهذا الحديث في إحدى الروايات عن أبي داود السجزي صاحب السنن أحد الأحاديث التي عليها مدار الفقه
- فروينا عنه أنه قال الفقه يدور على خمسة أحاديث الحلال بين والحرام بين
- وأن رسول الله صلى الله عليه و سلم قال لا ضر ولا إضرار
- وأن رسول الله صلى الله عليه و سلم قال إنما الدين النصيحة
- وإن رسول الله صلى الله عليه و سلم قال ما نهيتكم عنه فاجتنبوه وما أمرتكم به فأتوا منه ما استطعتم والله أعلم
- وقال أبو نعيم الحافظ هذا حديث له شأن وذكر محمد بن اسلم الطوسي أنه أحد أرباع الدين وهذا شرحه
- فقوله الدين النصيحة لفظ يفيد الحصر فكأنه قال ليس الدين إلا النصيحة لله ولكتابه وسائر ما ذكر أي لا يكمل الدين إلا بذلك كما سبق بيانه في أمثال ذلك وفيه إشعار بعظم موقع النصيحة من الدين وهكذا مثله في أمثال ذلك والنصيحة كلمة جامعة تتضمن قيام الناصح للمنصوح له بوجوه الخير إرادة وفعلا فالنصيحة لله تبارك وتعالى توحيده ووصفه بصفات الكمال والجلال جمع وتنزيهه عما يضادها ويخالفها وتجنب معاصيه والقيام بطاعاته ومحابه بوصف الإخلاص والحب فيه والبغض فيه وجهاد من كفر به تعالى وما ضاهى ذلك والدعاء إلى ذلك والحث عليه
- والنصيحة لكتابه الإيمان به وتعظيمه وتنزيهه وتلاوته حق تلاوته والوقوف مع أوامره ونواهيه وتفهم علومه وأمثاله وتدبر آياته والدعاء إليه وذب تحريف الغالين وطعن الملحدين عنه
- والنصيحة لرسوله صلى الله عليه و سلم قريب من ذلك الإيمان به وبما جاء به وتوقيره وتبجيله والتمسك بطاعته وإحياء سنته واستشارة علومها ونشرها ومعاداة
- من عاداه وعاداها وموالاة من والاه ووالاها والتخلق بأخلاقه والتأدب بآدابه ومحبة آله وصحابته ونحو ذلك
- والنصيحة لأئمة المسلمين أي لخلفائهم وقادتهم معاونتهم على الحق وطاعتهم فيه وتنبيههم وتذكيرهم في رفق ولطف ومجانبة الخروج عليهم والدعاء لهم بالتوفيق وحث الأغيار على ذلك
- والنصيحة لعامة المسلمين وهم ها هنا من عدا أولى الأمر منهم إرشادهم إلى مصالحهم وتعليمهم أمور دينهم ودنياهم وستر عوراتهم وسد خلاتهم ونصرتهم على أعدائهم والذب عنهم ومجانبة الغش والحسد لهم وأن يحب لهم ما يحب لنفسه ويكره لهم ما يكرهه لنفسه وما شابه ذلك
- وقد كان في السلف رضي الله عنهم وعنا من يبلغ به النصح إلى أن ينصح غيره بما هو عليه ولجرير بن عبد الله البجلي رضي الله عنه في حديثه الذي ذكره مسلم بايعت النبي صلى الله عليه و سلم على النصح لكل مسلم
- مكرمة رواها أبو القاسم الطبراني بإسناده اختصار حديثها أن جريرا أمر مولى له أن يشتري له فرسا فاشترى مولاه من رجل فرسا بثلاثمائة درهم وجاء به إلى جرير لينقده الثمن فقال هذا الفرس بثلاثمائة درهم فقال جرير لصاحبه فرسك خير من ذلك أتبيعه بخمسمائة درهم ثم انه لم يزل يزيده مائة فمائة وصاحبه يرضى وجرير يقول فرسك خير من ذلك إلى أن بلغ به ثمانمائة درهم فاشتراه بها فقيل له في ذلك فقال إني بايعت رسول الله على النصح لكل مسلم
- زياد بن علاقة الراوي عن جرير هو بكسر العين المهملة وبالقاف ومن شيوخ مسلم في حديث جرير سريج بن يونس وهو بالسين المهملة وبالجيم وكان من عباد الله الصالحين
- ويعقوب بن إبراهيم الدورقي بالدال المهملة المفتوحة وبالقاف هو منسوب إلى دورق بلدة بفارس أو غيرها
- وقيل سبب نسبته هذه صنعة قلانس منسوبة إلى هذه البلدة تعرف بالدورقية
- وقيل سببها لبس قلانس طوال تعرف بالدورقية
- وورد عن أخيه أحمد أنه قال كان الشبان إذا نسكوا في ذلك الزمان سموا الدوارقة وكان أبي منهم والله أعلم
- وفي إسناده سيار عن الشعبي بسين مهملة في أوله ثم ياء مثناة من تحت مشددة وليس بسيار بن سلامة أبي المنهال وإنما هو سيار بن أبي سيار واسمه وردان أبو الحكم العنزي والله أعلم
- قول مسلم قال يعقوب في روايته قال حدثنا سيار قلت فيه فائدة بها يصح هذا الإسناد ويعرف اتصاله لأن الراوي فيه عن سيار هشيم وهشيم أحد المدلسين والمدلس لا يحتج من حديثه إلا بما قال فيه حدثنا أو غيره من الألفاظ
- المبينة لسماعه والله أعلم
- حديث أبي هريرة أن رسول الله قال لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن إلى آخره
- المراد به نفي كمال الإيمان عنه لا نفي أصل الإيمان وهو من الألفاظ النافية التي تطلق في اللغة على الشيء عند انتفاء معظمه مع وجود أصله ويراد بها نفي كماله لا نفي أصله ومن ذلك لا عيش إلا عيش الآخرة ولا عمل إلا بالنية
- ويفيد أن الفاسق لا يطلق عليه اسم المؤمن ويقال فيه مؤمن ناقص الإيمان وذلك أن الأصل أن اسم الشيء إنما يطلق على الكامل منه والناقص منه يذكر به بقيد يشعر بنقصه وأيضا فصفة المؤمن صفة مدح غالية لا تليق بالفاسق
- وفيما ذكرناه مع حديث أبي ذر المتفق على صحته الحاكم بأن المسلم لا بد أن يدخل الجنة وإن زنى وإن سرق وغير ذلك ما يدرأ احتجاج الخوارج والمعتزلة بهذا الحديث وللعلماء فيه كلام متشعب قد أوردت لبابه موضحا والله المحمود وهو أعلم
- وأما قوله وكان أبو هريرة يلحق معهن ولا ينتهب نهبة ذات شرف يرفع الناس إليه فيها أبصارهم
- فقد روى الحديث أبو نعيم الحافظ في مخرجه على كتاب مسلم من حديث همام بن منبه وفيه والذي نفس محمد بيده لا ينتهب أحدكم وهذا مصرح برفعه إلى رسول الله صلى الله عليه و سلم
- ولم نستغن عن ذكر هذا بأن البخاري رواه من حديث الليث بإسناده الذي ذكره عنه مسلم معطوفا فيه ذكر النهبة على ما بعد قوله قال رسول الله صلى الله عليه و سلم نسقا من غير فصل بقوله وكان أبو هريرة يلحق معهن وذلك مراد مسلم بقوله واقتص
- الحديث يذكر مع ذكر النهبة ولم يذكر ذات شرف
- وقوله يذكر وقع من غير هاء الضمير فإما أن يقال حذفها مع إرادتها وإما أن يقرأ يذكر بضم أوله وفتح الكاف على ما لم يسم فاعله على أنه حال أي اقتص الحديث مذكورا مع ذكر النهبة فإنما لم نكتف بهذا في الاستدلال على كون ذكر النهبة من قول رسول الله صلى الله عليه و سلم لأنه قد يعد ذلك من قبيل المدرج في الحديث عن رسول الله صلى الله عليه و سلم من كلام بعض رواته استدلالا بقول من فصل فقال وكان أبو هريرة يلحق معهن على ما عرف مثله في نوع المدرج الذي بيناه في كتابنا في أنواع علوم الحديث
- وما رواه أبو نعيم الحافظ يرتفع عن أن يتطرق إليه هذا الاحتمال وظهر بذلك أن قول أبي بكر بن عبد الرحمن وكان أبو هريرة يلحق معهن معناه يلحقها رواية لا من عند نفسه وكأن أبا بكر خصصها بذلك لكونه بلغه أن غيره لا يرويها وآية ذلك ما تراه من رواية مسلم الحديث من رواية يونس وعقيل عن ابن شهاب عن أبي سلمة وابن المسيب عن أبي هريرة من غير ذكر النهبة
- ثم إن في رواية عقيل رواية ابن شهاب لذكر النهبة عن أبي بكر بن عبد الرحمن نفسه
- ورواها في رواية يونس عن عبد الملك بن أبي بكر عنه فكأنه سمع ذلك من ابنه عنه ثم سمعه منه نفسه
- وأما ما ذكره مسلم من رواية الأوزاعي عن ابن شهاب عن ابن المسيب وأبي سلمة وأبي بكر جميعا مع ذكر النهبة فكأنه إدراج من الأوزاعي أو من الراوي عنه
- ومن أنواع المدرج أن يروي الحديث جماعة ولأحدهم فيه زيادة يختص بها فيدرجها بعض الرواة على رواية الجميع من غير فصل وبيان وذلك وغيره من أنواع المدرج مما لا يجوز للراوي تعمده فافهم كل ذلك والحظه فإنه مما عز مدركه من هذا الشأن والله الهادي أعلم
- وقوله ذات شرف هو في الرواية المعروفة بالشين المعجمة المفتوحة أي ذات قدر كبير وقيل أي ذات استشراف يستشرف الناس لها ناظرين إليها رافعين إليها أبصارهم كما بينه آخرا
- وعن أبي إسحاق الحربي أنه رواه بالسين المهملة وبه قيده بعضهم في كتاب مسلم ومعناه أيضا ذات قدر كبير والله أعلم
- ذكر مسلم حديث عبد الله بن عمرو بن العاصي قال قال رسول الله صلى الله عليه و سلم أربع من كن فيه كان منافقا خالصا ومن كانت فيه خلة منهن كانت فيه خلة من نفاق حتى يدعها إذا حدث كذب وإذا عاهد غدر وإذا وعد أخلف وإذا خاصم فجر
- وحديث أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه و سلم قال آية المنافق ثلاث إذا حدث كذب وإذا وعد أخلف وإذا ائتمن خان
- وفي رواية وإن صام وصلى وزعم أنه مسلم
- هذا مشكل من حيث أن هذه الخصال قد توجد في المسلم المصدق فاختلف العلماء في تأويله فقيل إنما ورد ذلك في منافقي زمان رسول الله صلى الله عليه و سلم خاصة ونقل
- ذلك عن عطاء بن أبي رباح في طائفة من السلف والخلف
- قلت وهذا يأباه قوله ومن كانت فيه خلة منهن كانت فيه خلة من نفاق فإن نفاق أولئك كان نفاق كفر غير متبعض هذا التبعيض
- وقيل المراد به النفاق اللغوي الذي هو إظهار خلاف المضمر
- وقال أبو عيسى الترمذي إنما معنى هذا عند أهل العلم نفاق العمل وإنما كان نفاق التكذيب على عهد رسول الله صلى الله عليه و سلم
- وهذا الذي نختاره ونزيده بيانا فنقول النفاق نفاقان نفاق الكافر ونفاق المسلم ويشتركان في أن كل واحد منهما إسرار سوء مع إظهار خلافه واشتقاقه من النفق وهو السرب الذي يستتر فيه أو من نافقاء اليربوع وهي إحدى منافذ جحرته يدع عليها قشرا رقيقا من التراب فإذا طلب من المنافذ الأخر الظاهرة دفع برأسه ذلك الرقيق من التراب وخرج ونجا فباطنها نافذ على خلاف ظاهرها
- ومما يدل على أن من النفاق ما قد يوجد في المسلم الموقن المصدق حديث ابن عمر رضي الله عنهما إن ناسا قالوا إنا ندخل على سلطاننا فنقول لهم بخلاف ما نتكلم إذا خرجنا من عندهم قال كنا نعد هذا نفاقا في عهد رسول الله صلى الله عليه و سلم أخرجه البخاري منفردا به عن مسلم
- ومثل هذا معدود في قبيل المرفوع المسند
- أخبرني بقراءتي الشيخ أبو النجيب إسماعيل بن عثمان بن القارىء النيسابوري وغيره قال إسماعيل أخبرنا الشريف أبو تمام أحمد بن محمد بن المختار قراءة عليه وأنا حاضر قال أخبرنا أبو جعفر محمد بن أحمد بن المسلمة قال أخبرنا أبو الفضل عبيد الله بن عبد الرحمن الزهري أخبرنا أبو بكر جعفر بن محمد الفريابي قال حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة قال حدثنا أبو أسامة عن أبي الأشهب قال قال الحسن من النفاق اختلاف اللسان والقلب واختلاف السر والعلانية واختلاف الدخول والخروج
- وبه عن جعفر الفريابي وكان حافظا قال حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة حدثنا وكيع عن الأعمش عن عمرو بن مرة عن أبي البختري قال قال رجل اللهم أهلك المنافقين قال حذيفة لو هلكوا ما انتصفتم من عدوكم
- وبه عن الفريابي حدثنا عبيد الله بن عمر القواريري قال حدثنا حماد بن زيد عن أيوب قال دخل عمر بن عبد العزيز على أبي قلابة يعوده فقال يا أبا قلابة تشدد ولا تشمت بنا المنافقين
- إذا عرف ذلك نفى حديث عبيد الله بن عمرو الحكم بأنه يصير منافقا تاما فيه هذا النفاق بأربع خصال
- وحديث أبي هريرة يقتضي ثبوت ذلك بثلاث خصال منها الخصلتان الأوليان والثالثة خصلة الخيانة ولم تذكر هذه الخصلة في ذلك الحديث
- وأقيمت في هذا الحديث مقام الخصلتين الأخريين خصلتي الغدر والفجور عند الخصام ولا تنافي في ذلك إذ قد يكون للشيء الواحد علتان وإمارتان وأكثر وقد روينا من غير وجه حديث الثلاث بمثل لفظ حديث الأربع ثلاث من كن فيه فهو منافق
- ولا منافاة بين قوله في الرواية الأخرى من علامات المنافق ثلاثة لأن الثلاث وإن استقلت بإثبات صفة المنافق التامة فهناك أوصاف أخر من قبيلها فدخول حرف التبعيض كان لذلك والله أعلم
- قوله خلة من نفاق هي بفتح الخاء أي خصلة
- وقوله فجر أي مال عن الحق وقال الباطل والكذب وأصل الفجور الميل عن القصد
- قوله آية المنافق أي علامته والله أعلم
- قوله أخبرني العلاء بن عبد الرحمن بن يعقوب مولى الحرقة هي بضم الحاء وفتح الراء المهملتين وبعدها قاف هي بطن من جهينة
- وعبد الرحمن منسوب إلى ولائهم
- وعقبة بن مكرم العمي فمكرم بضم الميم وإسكان الكاف وفتح الراء
- والعمي بفتح العين المهملة وتشديد الميم نسب إلى بني العم قبيل من تميم
- أبو زكير يحيى بن محمد بضم الزاي على مثال زهير
- وبلغنا عن أبي الفضل الفلكي الحافظ أن أبا زكير لقب وكنيته أبو محمد والله أعلم
- حديث ابن عمر رضي الله عنهما قال قال رسول الله صلى الله عليه و سلم أيما امرىء قال لأخيه يا كافر فقد باء بها أحدهما إن كان كما قال وإلا رجعت عليه
- فيه إشكال من حيث أن المسلم المصدق لا يكفر عند أهل الحق بهذا وأمثاله فمن أهل العلم من حمله على المستحيل لذلك
- ومنهم من قال معناه رجعت عليه نقيصته لأخيه إذا لم يكن كما قال بكذبه عليه
- وهذان الوجهان مباعدان لظاهر الحديث
- ومنهم من حمله على الخوارج المكفرين للمؤمنين وهذا يأباه كون الصحيح أن الخوارج لا يكفرون وإن كفروا فلا فرق في تكفيرهم بين أن يكون المقول له ذلك كافرا أو لا يكون
- فأقول والله أعلم إن لم يكن أخوه كافرا كما قال رجع عليه تكفيره فليس الراجع إليه هو الكفر بل التكفير وذلك لأن أخاه إذا كان مؤمنا وقد جعله هو كافرا مع أن المؤمن ليس بكافر إلا عند من هو كافر من يهودي أو نصراني أو غيرهما فقد لزم من ذلك كونه مكفرا لنفسه ضرورة لتكفيره من لا يكفره إلا كافر ويكون الضمير في قوله فقد باء بها بوصمة التكفير ومعرته أي أنها لاصقة بأولاهما بها وهو المقول له إن كان كما قيل وإلا فالقائل
- وهذا معنى صحيح رائق غير مباعد لظاهر الحديث فإن يكن قد قاله أحد سبق فأحرى له وإلا فهو مما تركه الأول للآخر ولله الحمد كله وهو أعلم
- ثم أقول يتجه فيه معنى آخر مطرد في سائر الأحاديث القاضية بالكفر فيما ليس في نفسه كفرا وهو أن ذلك يؤول به إلى الكفر إذا لم يتب توبة ماحية لجرمه ذلك إذ المعصية إذا فحشت جرت بشؤمها إلى الكفر ولذلك شواهد ووصف الشيء بما يؤول إليه سائغ شائع من ذلك قول الله تبارك وتعالى إنك ميت وإنهم ميتون والله أعلم
- وقد روينا في بعض روايات هذا الحديث في مخرج أبي عوانة الإسفراييني الحافظ على كتاب مسلم فإن كان كما قال وإلا فقد باء بالكفر
- وفي رواية أخرى أنه إذا قال لأخيه يا كافر وجب الكفر على أحدهما
- فهذا إن لم يكن من عبارة بعض الرواة رواية منه بالمعنى على ما فهمه مع أنه ليس الأمر على ما فهمه كما وقع في كثير من رواياتهم فالوجه الأخير حينئذ هو الراجح المختار والله أعلم
- قوله باء بها أحدهما معناه عند بعض أهل اللغة احتملها وعند بعضهم معناه رجع بها والله أعلم
- قوله صلى الله عليه و سلم في حديث أبي ذر ليس من رجل ادعى لغير أبيه وهو يعلمه إلا
- كفر أي انتسب إلى غير أبيه واتخذه أبا
- وقوله كفر يتجه فيه ما ذكرناه ووجه آخر وهو أنه أراد به كفر الإحسان كما في قوله وتكفرن العشير وهو الزوج أي إحسانه إليها وقوله من ادعى ما ليس له فليس منا وليتبوأ مقعده من النار فقوله فليس منا يقال إن معناه ليس مهتديا بهدينا ولا مستنا بسنتنا
- وقلت هذه عبارة عن التبرؤ منه أي نحن بريئون منه
- وقوله وليتبوأ مقعده أي يتنزل منزله منها والمختار أنه خبر بلفظ الأمر أي قد تبوأ كما في قوله إذا لم تستح فاصنع ما شئت
- أي من لم يستح صنع ما شاء
- وقوله من دعا رجلا بالكفر أو قال عدو الله وليس كذلك إلا حار عليه هذا الإستثناء واقع على المعنى وتقريره ما يدعوه أحد كذلك إلا حار عليه أي رجع عليه ويترجح النصب في قوله عدو الله على تقرير يا عدو الله والله أعلم
- ابن بريدة المذكور في إسناد الحديث أبي ذر هو عبد الله بن بريدة لا سليمان بن بريدة
- قول أبي عثمان وهو النهدي لما ادعى زياد هو بضم ادعى على ما لم يسم فاعله
- وشاهدته بخط الحافظ أبي عامر العبدري ادعى بالفتح على أن زيادا هو الفاعل للدعوة
- وزياد هذا هو المعروف بزياد بن أبي سفيان ويقال فيه زياد بن أبيه وزياد بن
- أمه ادعاه معاوية بن أبي سفيان وألحقه بأبيه أبي سفيان وكان قبل ذلك يعرف بزياد ابن عبيد الثقفي وكان أخا أبي بكرة نفيع بن الحارث لأمه وهذا هو السبب في قول أبي عثمان النهدي لأبي بكرة ما هذا الذي صنعتم وإلا فأبو بكرة ممن أنكر ذلك وهجر زيادا وآلى أن لا يكلمه أبدا والله أعلم
- قول سعد سمع أذني من رسول الله صلى الله عليه و سلم هو بخط الحافظ العبدري وفي رواية أبي الفتح السمرقندي عن عبد الغافر أذناي مثنى مرفوعا وهو فيما يعتمد من اصل الحافظ أبي القاسم العساكري وغيره بغير ألف التثنية وسمع على هذا بكسر الميم على لفظ الفعل الماضي وهكذا ضبطه من المغاربة القاضي الحافظ أبو علي ابن سكرة وضبطه منهم بعض أهل الضبط بإسكان الميم على أنه مصدر مضاف إلى الأذن أو الأذنين ثم منهم من نصبه ومنهم من رفعه
- قال سيبويه العرب تقول سمع أذني زيدا يقول ذلك بالرفع والله أعلم
- وقوله في الرواية الأخرى سمعته أذناي ووعاه قلبي محمدا نصب محمدا صلى الله عليه و سلم بالفعل الأول وهو قوله سمعته أذناي والله أعلم
- قول مسلم حدثنا محمد بن بكار وعون بن سلام قالا حدثنا محمد بن طلحة ح وحدثنا محمد بن المثنى قال حدثنا محمد بن جعفر قال حدثنا
- شعبة كلهم عن زبيد عن أبي وائل عن عبد الله بن مسعود قال قال رسول الله صلى الله عليه و سلم سباب المسلم فسوق وقتاله كفر
- فيه وجوه تقدم التنبيه عليها
- أحدهما إنه كفر من المستحل
- والثاني إنه كفر بنعمة الإسلام الموجب للأخوة والألفة
- والثالث إنه آيل إلى الكفر ومقرب بشؤمه منه
- ووجه آخر وهو أن المراد بكونه كفرا كونه فعل أهل الكفر
- وقول مسلم كلهم عن زبيد كذا وقع وإنما هم اثنان شعبة ومحمد بن طلحة وهو ابن مصرف فكأنه سبق القلم من كلاهما إلى كلهم فإن استعمال ذلك في الاثنين بعيد
- وزبيد هذا هو ابن الحارث اليامي الهمداني بضم الزاي المنقوطة وبعدها باء موحدة ويشتبه بزييد بيائين تصغير زيد وهو زييد بن الصلت إلا أنه لا ذكر له في واحد من الصحيحين وله ذكر في الموطأ ولا ذكر للأول في الموطأ والله أعلم
- قوله صلى الله عليه و سلم لا ترجعوا بعدي كفارا يضرب بعضكم رقاب بعض
- يتوجه فيه نحو الوجوه الأربعة التي ذكرناها آنفا ووجه خامس وهو حمله على حقيقة الكفر فيكون ذلك حضا لهم على الثبات على الإيمان ونهيا لهم عن الردة بعده صلى الله عليه و سلم
- ووجه سادس حكاه الخطابي وهو أن معنى الكفار فيه المتكفرون بالسلاح يقال تكفر الرجل بسلاحه إذا لبسه فكفر به نفسه أي سترها
- قلت وهكذا يعتضد بما ذكره الأزهري في تهذيب اللغة له من أنه يقال
- للابس السلاح كافر
- وروي عن ابن السكيت انه قال إذا لبس الرجل فوق درعه ثوبا فهو كافر قال وكل ما غطى شيئا فقد كفره ومنه قيل لليل كافر والله أعلم
- ثم إن ضم الباء من قوله يضرب أوجه وأجرى على الوجوه المذكورة في تفسير الكفر فيه
- وإسكان الباء على أن يكون جوابا للنهي وقد قيل به وليس بذاك والله أعلم وفي رواية ابن عمر رضي الله عنهما أنه صلى الله عليه و سلم قال ويحكم أو قال ويلكم لا ترجعوا
- ففي ويح وويل أقوال كثيرة من عيونها قول الحسن رضي الله عنه ويح كلمة رحمة
- وقال صاحب كتاب العين ويح يقال إنه رحمة لمن تنزل به بلية وذكر
- الأزهري في تهذيبه عن أبي السميدع وغيره أن ويحك وويلك وويسك بمعنى واحد
- وذكر الهروي أبو عبيد في غريبيه عن سيبويه أنه قال ويح زجر لمن اشرف على هلكة وويل لمن وقع في الهلكة
- واختار الأزهري وصاحبه الهروي الفرق بينهما بأن ويلا يقال لمن وقع في هلكة أو بلية لا يترحم فيها عليه وويحا يقال لمن وقع في بلية يترحم فيها عليه والله أعلم
- واقد بن محمد المذكور هو بالقاف وليس في الصحيحين وافد بالفاء والله أعلم
- الذي في حديث أبي هريرة من أن الطعن في النسب والنياحة على الميت كفر
- وما في حديث جرير رضي الله عنهما من أن أباق العبد كفر لا يخفى ما
- يتجه فيه من الوجوه المذكورة قبيل
- وقول منصور بن عبد الرحمن الراوي لحديث جرير أكره أن يروى عني هاهنا بالبصرة كان سببه ما كان قد نبغ بالبصرة من المعتزلة ونحوهم كيلا يحتجوا به على قولهم في أصحاب الكبائر
- ومنصور بن عبد الرحمن خمسة وهذا منهم هو الغداني الأشل وقد اختلف في توثيقه ولم يخرج له البخاري شيئا وسائرهم لم يقدح فيهم فيما نعلم والله أعلم
- وفي حديث جرير الآخر أيما عبد أبق فقد برئت منه الذمة أي لا ذمة له حينئذ والذمة هاهنا يجوز أن تكون هي الذمة المفسرة بالذمام وهو الحرمة ويجوز أن تكون من قبيل ما جاء في قوله له ذمة الله وذمة رسوله أي ضمانه وأمانه ورعايته وكلأته ومن ذلك أن الآبق كان مصونا من عقوبة السيد له وحبسه فزال ذلك بإباقه والله أعلم
- قوله في الرواية الأخرى إذا أبق العبد لم تقبل له صلاة ليس مستند عدم القبول فيه عدم الصحة لكونه كافرا حيث يكون مستحلا كما ذكره صاحب المعلم ولا يلزم من عدم القبول عدم الصحة بل قد تثبت الصحة مع عدم القبول فصلاة الآبق غير مقبولة بنص هذا الحديث الثابت وذلك لاقترانها بمعصية تناسب أن ترد وسيلته ولا يجزىء على حسنه وهي لا محالة صحيحه لإتيانه بها بشروطها وأركانها المستلزمة للصحة ولا تناقض في ذلك ويظهر أثر عدم القبول في سقوط الثواب وأثر الصحة في سقوط القضاء وفي أنه لا يعاقب عقوبة تارك الصلاة وهذا معقول والله أعلم
- أحاديث النهي عن الاستمطار بالأنواء أما متونها فقوله صلاة الصبح بالحديبية والحديبية الأثبت فيها تخفيف الياء الأخيرة منها
- روينا عن عبد الرحمن بن أبي حاتم الرازي قال حدثنا أبي قال حدثنا عمرو ابن سواد السرحي قال اختلف ابن وهب والشافعي في الحديبية فقال ابن وهب الحديبية بالتثقيل وقال الشافعي بالتخفيف قال أبي بالتخفيف أشبه
- وروينا عن أبي سليمان الخطابي أن أصحاب الحديث يثقلونها وهي خفيفة
- وقال القاضي الحافظ أبو الفضل اليحصبي بتخفيف الياء وضبطناها على المتقنين وعامة الفقهاء والمحدثين يشددونها قال وحكى إسماعيل القاضي عن ابن المديني أنه قال أهل المدينة يشددونها وأهل العراق يخففونها والله أعلم
- قوله في إثر سماء كانت من الليل سبق غير بعيد أنه يقال فيه أثر بفتح الهمزة والثاء معا وبكسر الهمزة مع إسكان الثاء ووقع في الأصل المأخوذ عن الجلودي السمآء بالألف واللام وكذلك هو في أصل الحافظ أبي القاسم العساكري مضببا عليه وهو جائز على أن يكون قوله كانت مستأنفا لا صفة وهو
- في أصل الحافظ أبي حازم العبدوي وأصل أبي عامر العبدري بخطيهما سمآء منكرا وهو الأولى
- والسمآء هاهنا المطر وكل ما علاك وأظلك فهو سمآء والسمآء المعروفة من المعروف أنها مؤنثة وقد تذكر وأما تأنيث السماء بمعنى المطر كما جاء في هذا الحديث ففي كتاب أبي حنيفة الدينوري في الأنواء إنه يقال للمطر سماء ألا ترى أنهم يقولون أصابتنا سمآء غزيرة
- وفي كتاب التهذيب للأزهري السماء المطر والسماء أيضا اسم المطرة الجديدة يقال أصابتهم سماء وهذا يشعر بتخصيص التأنيث بهذه المطرة والله أعلم
- قول الله تبارك وتعالى وتقدس فأما من قال مطرنا بفضل الله ورحمته فذلك مؤمن بي كافر بالكوكب وأما من قال مطرنا بنوء كذا وكذا فذلك كافر بي مؤمن بالكوكب
- والنوء في أصله ليس نفس الكوكب فإنه مصدر ناء النجم ينوء نوءا أي سقط وغاب وقيل أي نهض وطلع
- وبيان ذلك أن ثمانية وعشرين نجما معروفة المطالع في أزمنة السنة كلها
- وهي المعروفة بمنازل القمر الثمانية والعشرين يسقط في كل ثلاث عشرة ليلة منها نجم في المغرب مع طلوع الفجر ويطلع آخر يقابله في المشرق من ساعته فكان أهل الجاهلية إذا كان عند ذلك مطر ينسبونه إلى الساقط الغارب منهما
- وقال الأصمعي إلى الطالع منهما قال أبو عبيد ولم أسمع أن النوء السقوط إلا في هذا الموضع
- ثم أن النجم نفسه قد يسمى نوءا تسمية للفاعل بالمصدر قال أبو إسحاق الزجاج في بعض أماليه الساقطة في المغرب هي الأنواء والطالعة في المشرق هي البوارح
- إذا وضح هذا ففي كفر من قال مطرنا بنوء كذا وكذا وجهان أحدهما أنه كفر بالله تعالى سالب للإيمان وهذا ظاهر لفظ الحديث المذكور وإنما ذلك فيمن قال ذلك معتقدا أن الكوكب مدبرا منشىء للمطر كما كان بعض أهل الجاهلية يعتقده وإلى هذا الوجه ذهب أكثر العلماء أو كثير منهم والشافعي رضي الله عنه منهم
- وعلى هذا من قال مطرنا بنوء كذا معتقدا أنه من الله تعالى وبرحمته وأن النوء إنما هو ميقات له وإمارة نظرا إلى التجربة والعادة ففي كراهة ذلك منه خلاف وما أحسن قول أبي هريرة رضي الله عنه الذي رويناه عن مالك في موطئه أنه بلغه أن أبا هريرة كان إذا أصبح وقد مطر الناس يقول مطرنا بنوء الفتح ثم يتلو هذه الآية ما يفتح الله للناس من رحمة فلا ممسك لها
- الوجه الثاني إن ذلك كفر بنعمة الله تعالى لا كفر به وذلك لاقتصاره على إضافة الغيث إلى الكوكب ويدل على هذا لفظ حديث أبي هريرة المذكور في
- الكتاب ما أنعمت على عبادي من نعمة إلا أصبح فريق منهم بها كافرين الحديث
- وما بعده من حديث ابن عباس رضي الله عنهما أصبح من الناس شاكر ومنهم كافر الحديث والله أعلم
- ثم أن قوله من نعمة فيه تقصير من الراوي من حيث اللفظ والمراد به خصوص نعمة الغيث بدلالة الرواية الأخرى المذكورة بعده
- وقوله يقولون الكوكب وبالكوكب قد روينا الثاني دون الأول بصيغة الجمع وكلاهما في الأصل الذي بخط الحافظ أبي عامر العبدري من بين أصولنا بصيغة الواحد والله أعلم
- قول ابن عباس رضي الله عنهما فنزلت هذه الآية فلا أقسم بمواقع النجوم حتى بلغ وتجعلون رزقكم إنكم تكذبون فيه إشكال يزول بالتنبيه على أنه ليس مراده أن جميع هذا نزل في قولهم في الأنواء كما توهمه القاضي عياض على ما بلغنا عنه فإن الأمر في معنى ذلك وتفسيره يأبى ذلك وإنما النازل من ذلك في ذلك قوله وتجعلون رزقكم أنكم تكذبون والباقي نزل في غير
- ذلك ولكن اجتمعا في وقت النزول فذكر الجمع من أجل ذلك ومما يدل على هذا أن في بعض الروايات عن ابن عباس في ذلك الاقتصار على هذا القدر فحسب ثم إن معنى قوله سبحانه وتجعلون رزقكم عند طائفة من المفسرين وتجعلون شكركم تكذيبكم بأن الرازق هو الله تعالى أي تجعلون التكذيب عوض الشكر وتكذيبهم هو قولهم مطرنا بنوء كذا وكذا
- روى ابن جرير بإسناده عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه رفعه قال وتجعلون رزقكم قال شكركم أنكم تكذبون قال يقولون مطرنا بنوء كذا وكذا أخرجه الترمذي بلفظ هذا أدل منه على ما ذكرناه وقال هذا حديث حسن غريب
- وحكى ابن جرير عن الهيثم بن عدي إن من لغة أزد شنوءة ما رزق فلان بمعنى ما شكر
- وقال آخرون منهم الأزهري معناه وتجعلون شكر رزقكم فحذف المضاف وأقام المضاف إليه مقامه والله أعلم
- وأما أسانيدها فإن الحديث الأول منها أدخل بعضهم في إسناده الزهري بين صالح بن كيسان وبين عبيد الله بن عبد الله بن عتبة وهو كذلك في نسخة أبي العلاء بن ماهان بكتاب مسلم
- وكأن قائل ذلك اغتر بكثرة رواية صالح بن كيسان عن الزهري فاستبعد روايته عن شيخ الزهري عبيد الله
- وذلك غلط فإن صالح بن كيسان قد روى هذا الحديث عن عبيد الله نفسه من غير واسطة وصالح أسن من الزهري وقد ذكر يحيى بن معين أنه سمع من عبدالله بن عمر ورأى ابن الزبير والله أعلم
- عمرو بن سواد العامري شيخ مسلم وتفرد به
- هو ابن سواد بدال في آخره والواو منه مشددة قطع به عبد الغني بن سعيد المصري بلديه وأبو نصر بن ماكولا وغيرهما
- ومايز الخطيب أبو بكر بينه وبين أبي جد اليسر كعب بن عمرو بن عباد بن عمرو بن سواد الصحابي الأنصاري الخزرجي البدري آخر أهل بدر
- وفاة فذلك بتخفيف الواو وهذا بتشديدها والله أعلم
- أبو زميل عن ابن عباس هو بضم الزاي المنقوطة وبياء ساكنة واسمه سماك بكسر السين ابن الوليد الحنفي اليمامي روى له مسلم دون البخاري وقد قال ابن عبد البر أجمعوا على أنه ثقة والله أعلم
- حديث أنس في حب الأنصار الراوي له عنه عبد الله بن عبد الله بن جبر بتكبير عبد في اسمه واسم أبيه وجده جبر بالجيم والباء الموحدة والله أعلم
- البراء بن عازب بتخفيف الراء والمعروف فيه المد حفظت فيه عن بعض أهل اللغة القصر والمد والله أعلم
- زر هو بكسر الزاي وتشديد الراء وهو ابن حبيش عن علي رضي الله عنه والذي فلق الحبة وبرأ النسمة
- فقوله فلق الحبة أي شقها بالنبات
- وبرأ بالهمز أي خلق
- والنسمة هي الإنسان وحكى الأزهري عن بعضهم أن النسمة هي النفس وإن كل دابة في جوفها روح فهي نسمة والله أعلم
- قوله فقالت امرأة منهن جزلة وما لنا يا رسول الله أكثر أهل النار
- فقوله جزلة أي ذات عقل ورأي
- قال ابن دريد الجزالة الوقار والعقل
- وقوله صلى الله عليه و سلم تكثرن اللعن وتكفرن العشير فالعشير في الأصل المعاشر وهو ها هنا الزوج وهذا قاض بأن نفس إكثار اللعن ونفس كفرهن إحسان الأزواج من الكبائر
- أما اللعن فمن أعظم الجنايات القولية وقد ثبت عنه صلى الله عليه و سلم أن لعن المؤمن كقتله
- وأما كفرانهن إحسان الزوج فقد كان يمكن أن يقال ليس هو نفسه السبب في ذلك بل ما يصطحبه من معصية الزوج ونحو ذلك لولا تفسيره صلى الله عليه و سلم ذلك في الحديث الآخر بقوله لو أحسنت إلى إحداهن الدهر ثم رأت منك شيئا قالت ما رأيت منك خيرا قط
- وقوله فشهادة امرأتين تعدل شهادة رجل فهذا نقصان العقل أي هذا أمارة نقصان العقل أو أثره
- ثم إن ما في هذا الحديث من الذكر نقصان الدين الدال على إثبات نقصان الإيمان وزيادته وما فيه من استعمال لفظ الكفر لا في الكفر السالب للإيمان هو السبب في إيراده في كتاب الإيمان والله اعلم
- ثم إن في المقبري المذكور في إسناد حديث إسماعيل بن جعفر عن عمرو بن أبي عمرو عن المقبري عن أبي هريرة كلاما ونظرا فذكر الحافظ أبو علي الغساني الجياني عن أبي مسعود الدمشقي أنه أبو سعيد المقبري والد سعيد قال أبو علي وهذا إنما هو في رواية إسماعيل بن جعفر عن عمرو بن أبي عمرو
- وقال أبو الحسن الدارقطني وقول سليمان بن بلال أصح
- قلت رواه أبو نعيم الأصبهاني الحافظ في مخرجه على كتاب مسلم من وجوه مرضية عن إسماعيل بن جعفر عن عمرو بن أبي عمرو عن سعيد بن أبي سعيد المقبري هكذا مبينا
- لكن رويناه في مسند أبي عوانة المخرج على صحيح مسلم من طريق إسماعيل بن جعفر عن أبي سعيد ومن طريق سليمان بن بلال عن سعيد كما سبق عن الدارقطني فالاعتماد عليه إذا والله أعلم
- حديث أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه و سلم قال إذا قرأ ابن آدم السجدة فسجد اعتزل الشيطان يبكي يقول يا ويله وفي رواية يا ويلي أمر ابن آدم بالسجود
- فسجد فله الجنة وأمرت بالسجود فأبيت فلي النار
- فقوله قرأ السجدة أي آية السجدة
- وقوله يا ويلي يجوز من حيث اللغة بكسر اللام وفتحها على ما عرف في نظائره ومن احتج بهذا الحديث على وجوب سجود التلاوة لما فيه من التشبيه بسجوده لآدم وقد كان واجبا فمن جوابه إن التشبيه وقع في مطلق السجود لا في خصوص سجود التلاوة وتارك سجود التلاوة غير تارك مطلق السجود ولذلك لم يستوجب تاركها ما استوجبه إبليس لعنه الله بترك السجود من النار وغيرها والله أعلم
- وإيراد هذا وحديث تارك الصلاة بعده في كتاب الإيمان لبيان أن من الأفعال ما تركه يوجب حقيقة الكفر أو اسم الكفر والله أعلم
- ما ذكره من حديث جابر أن رسول الله صلى الله عليه و سلم قال بين الرجل وبين الشرك والكفر ترك الصلاة كذا وقع في كتاب مسلم بالواو العاطفة للكفر على الشرك على ما شهدت به أصولنا
- وهو في مخرج أبي نعيم الحافظ على كتاب مسلم بحرف أو وكذا رويناه من مخرج أبي عوانة الإسفراييني عليه وبين الشرك والكفر فرق ما
- بين الأخص والأعم فكل شرك كفر وليس كل كفر شركا من حيث الحقيقة
- والصحيح ومذهب الأكثرين إن ترك الصلاة لا يوجب حقيقة ذلك بل اسم الكفر فحسب بالمعنى الذي سبق قريبا بيان وجهه ومنها أن المراد بين الرجل وبين مشابهة أهل الشرك ترك الصلاة وذاك أن ترك الصلاة شأن أهل الكفر وهو من أخص معاصيهم التي وقع بها التمايز بينهم وبين المسلمين وعلى هذا تقرب رواية من رواه بحرف الواو والله أعلم
- وروى مسلم حديث أبي هريرة سئل رسول الله صلى الله عليه و سلم أي الأعمال أفضل قال إيمان الله قيل ثم ماذا قال الجهاد في سبيل الله قيل ثم ماذا قال حج مبرور وفي رواية قال إيمان بالله ورسوله
- ثم حديث أبي ذر قلت يا رسول الله أي الأعمال أفضل قال الإيمان بالله والجهاد في سبيله الحديث
- ثم حديث عبد الله بن مسعود سألت رسول الله صلى الله عليه و سلم أي العمل أفضل قال الصلاة لوقتها قال قلت ثم أي قال بر الوالدين قال ثم قال الجهاد في سبيل الله الحديث وفي رواية قال قلت يا نبي الله أي الأعمال أقرب إلى الجنة قال الصلاة على مواقيتها قلت وماذا يا نبي الله قال بر الوالدين قلت وماذا يا نبي الله قال الجهاد في سبيل الله
- وفي رواية أخرى عن ابن مسعود عن النبي صلى الله عليه و سلم أنه قال أفضل الأعمال أو العمل الصلاة لوقتها وبر الوالدين
- القول في المشكل من متون هذه الأحاديث قوله إيمان بالله فيه جعل للإيمان من جملة الأعمال والمراد به والله أعلم
- التصديق الذي هو من عمل القلب أو النطق بالشهادتين الذي هو من عمل اللسان وليس المراد به مطلق عمل الجوارح الصالحة وإن درجت تحت اسم الإيمان لما سبق من الأحاديث ولغيرها بدلالة قوله في الرواية الثانية إيمان بالله ورسوله فإن الإيمان معدى بحرف الياء لا سيما مع ذكر الرسول ظاهر في التصديق أو القول المعبر عنه وبدلالة أنه جعله قسيما للجهاد والحج مع كونهما من أخص تلك الأعمال ثم إن من المعضلات أنه في حديث أبي هريرة جعل الأفضل الإيمان ثم
- الجهاد ثم الحج
- وفي حديث ابن مسعود جعل الأفضل الصلاة ثم بر الوالدين ثم الجهاد وما سبق من حديث أبي موسى الأشعري أي الإسلام أفضل قال من سلم المسلمون من لسانه ويده يوجب أن هذه السلامة هي الأفضل وحديث عثمان رضي الله عنه وعنهم خيركم من تعلم القرآن وعلمه يوجب أن هذا هو الأفضل في أشباه لهذا غير قليلة وقد لبثت دهرا لا يتضح لي فيه ما ارتضيه حتى وجدت صاحب المنهاج أبا عبد الله الحليمي وكان علامة وإماما لا يشق غباره قد حكى في ذلك عن شيخه الإمام العلامة أبي بكر القفال الشاشي وذكر أنه كان أعلم من لقيه من علماء عصره كلاما شافيا وقد اختصرته لاستشهاده فيه ببعض ما لا يسلم له ولخصته فتلخص منه وجهان أحدهما أن ذلك اختلاف جرى على حسب اختلاف الأحوال إذ قد يقال خير الأشياء كذا ولا يراد تفضيله في نفسه على جميع الأشياء بل يراد أنه خيرها في حال دون حال ولواحد دون آخر فقد يتضرر إنسان بكلام في غير موضعه فنقول ما شيء أفضل من السكوت ثم قد يتضرر بالسكوت في غير موضعه فنقول لا شيء أفضل من التكلم بحق ومما تبدلت فيه الأفضلية بتبدل الحال الصوم يوم عرفة فهو أفضل لغير الحاج والفطر فيه أفضل للحاج واستشهد في ذلك بأخبار منها عن ابن عباس رضي الله عنهما أن
- رسول الله صلى الله عليه و سلم قال حجة لمن لم يحج أفضل من أربعين غزوة وغزوة لمن حج أفضل من أربعين حجة
- الوجه الثاني أنه يجوز أن يقال أفضل الأعمال كذا والمراد من أفضل الأعمال كذا وخيركم من فعل كذا والمراد من خيركم كما يقال فلان أعقل الناس وأفضلهم ويراد أنه من أعقلهم وأفضلهم ومن ذلك ما روي عن رسول الله صلى الله عليه و سلم أنه قال خيركم خيركم لأهله ومن المعلوم أنه لا يصير خير الناس مطلقا ومن ذلك قولهم أزهد الناس في العالم جيرانه مع أنه قد يوجد في غيرهم من هو أزهد منهم فيه
- قلت وعلى هذا نقول في هذه الخصال المذكورة في هذه الأحاديث أما الإيمان منها فمعلوم بغير ذلك أنه الأفضل مطلقا فإنه الأصل
- وأما الباقيات من الجهاد والصلاة والحج وبر الوالدين وغيرها فنقول كل واحد منها إنه أفضل الأعمال فحسب وهي متساوية في هذا الوصف ولهذا جاء منها بحرف الواو في بعض الروايات المذكورة ما جاء في غيرها بحرف ثم ولا يثبت بحرف ثم في ذلك تفضيل بعضها على بعض بل يكون ما تقتضيه ثم من الترتيب والتأخير مصروفا إلى الترتيب والتأخير في الذكر كما في قوله تبارك وتعالى فك رقبة أو إطعام في يوم ذي مسغبة يتيما ذا مقربة أو مسكينا ذا متربة ثم كان من الذين آمنوا
- وليس المراد به تأخير الإيمان عن الإطعام وأنشدوا في ذلك ... قل لمن ساد ثم ساد أبوه ... ثم قد ساد قبل ذلك جده ...
- وإنما تأخرت سيادة أبيه وسيادة جده في الذكر والله أعلم ولذلك شواهد غير ما ذكرناه والله أعلم
- قوله حج مبرور قيل هو الذي لا يخالطه مأثم وقيل هو المقبول ثم من علامات القبول أن يزداد بعده خيرا والله أعلم
- قوله تعين صانعا أو تصنع لأخرق الأخرق ها هنا هو الذي لا يحسن العمل والأخرق أيضا الذي لا رفق ولا سياسة له في أمره
- والمعنى إذا رأيت من يحاول عملا فإن كان يحسنه فأعنه عليه وإن لم يحسنه فاعمله له
- وقوله هذا تعين صانعا وقع في رواية هشام بن عروة المذكور في روايتنا من أصل الحافظ أبي القاسم الدمشقي برواية الفراوي وفي الأصل الذي بخط الحافظ أبي عامر برواية أبي الفتح السمرقندي صانعا بالصاد المهملة وبالنون وهو الصحيح في نفس الأمر ولكنه ليس رواية هشام بن عروة فإن هشاما إنما رواه بالضاد المعجمة من الضياع وهكذا جاء مقيدا بالمعجمة من غير هذا الوجه في كتاب مسلم في رواية هشام وأما الرواية الأخرى عن الزهري فتعين الصانع فهي بالصاد المهملة والنون وهي محفوظة عن الزهري كذلك وقد روي عنه أنه كان
- يقول صحف هشام وكذلك نسب الدارقطني وغيره هشاما إلى التصحيف فيه
- وقد ذكر القاضي أبو الفضل عياض أنه بالضاد المعجمة في رواية الزهري لرواة كتاب مسلم إلا رواية أبي الفتح السمرقندي
- وليس الأمر على ما حكاه في روايات أصولنا بكتاب مسلم ومنها أصل الحافظ أبي حازم العبدوي وأصل مأخوذ عن الجلودي فما قيد فيها في رواية الزهري إلا بالصاد المهملة على ما هو الصواب والله أعلم
- قوله فما تركت أستزيده إلا إرعاء عليه كذا وقع من غير صرف أن وهو جائز
- قوله إرعاء عليه بهمزة في أوله مكسورة وبالمد في آخره أي ابقاءا عليه كي لا أكثر عليه فأحرجه والله أعلم
- القول في أسانيدها أبو مراوح الليثي هو بضم الميم وكسر الواو وبحاء مهملة ونسبه غير واحد من المصنفين الغفاري وقال فيه الحافظ أبو علي الغساني الغفاري ثم الليثي
- قلت وهو في بعض رواياتنا لهذا الحديث بعينه الليثي وفي بعضها الغفاري وقد أبان أبو علي على أنهما لشخص واحد
- قال ابن عبد البر أجمعوا على أنه ثقة وليس يوقف له على اسم واسمه كنيته والله أعلم
- قال إلا أن مسلم بن الحجاج ذكره في الطبقات فقال اسمه سعد وذكره
- في الكنى ولم يذكر اسمه والله أعلم
- حبيب مولى عروة هو بحاء مهملة مفتوحة والله أعلم
- قوله الشيباني عن الوليد بن العيزار فالشيباني هذا هو أبو إسحاق سليمان بن أبي سليمان واسمه فيروز الشيباني مولاهم الكوفي والله أعلم
- أبو يعفور عن الوليد بن العيزار قلت أبو يعفور هذا ينبغي أن يكون أبا يعفور الأصغر وهو عبد الرحمن بن عبيد نسطاس البكائي الثعلبي بالثاء المثلثة وإسكان العين
- وأبو يعفور الأكبر يروي عن ابن عمر وأنس وكثير لم يرو عنهم أبو
- يعفور الأصغر واسمه وقدان ويقال فيه واقد ووقدان اكثر وكأنه لقب
- ولهم أبو يعفور آخر ثالث واسمه عبد الكريم بن يعفور الجعفي البصري روى عنه قتيبة ويحيى بن يحيى وغيرهما وآباء يعفور هؤلاء كلهم ثقات والله أعلم
- ابن العيزار بعين مهملة مفتوحة بعدها ياء مثناة من تحت ساكنة ثم زاي منقوطة ثم ألف ثم راء مهملة والله أعلم
- ذكر مسلم أحاديث في الكبائر أعاذنا الله منها ومن سائر معاصيه آمين
- كبائر الذنوب عظائمها وتعرف الكبيرة بأمور منها وجوب الحد وروي عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال الكبائر كل ذنب ختمه الله بنار أو غضب أو لعنة أو عذاب
- وروي عنه لا صغيرة مع إصرار ولا كبيرة مع استغفار
- ثم لا احصاء لعددها روي عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه سئل أهي سبع فقال هي إلى سبعين وفي رواية إلى سبعمائة أقرب ومن أنكر انقسام الذنوب إلى صغائر وكبائر قائلا إنها بأسرها بالنظر إلى جلال الله تبارك
- وتعالى كبائر كلها قلنا له نعم هي كذلك ولكن بعضها أعظم من بعض وتنقسم باعتبار ذلك إلى ما تكفره الصلوات الخمس وإلى ما لا تكفره هي ونحو ذلك فسمي بعضها صغائر بالنسبة إلى ما فوقها وبالنظر إلى تيسر محوها وتكفيرها ولا سبيل إلى إنكار ذلك من حيث المعنى ولا من حيث التسمية لتظاهر نصوص القرآن والسنة على ذلك ولشيوع ذلك عن السالفين والخالفين والله أعلم
- ثم إن في حديث ابن مسعود أن أعظمها الشرك وهذا مستمر ثابت على إطلاقه وعمومه وفي حديث أنس أن أكبرها قول الزور أو قال شهادة الزور وهذا وإن احتمل أن يجعل شاملا للشرك فإنه قول وشهادة بأعظم الزور فظاهره أن المراد به شهادة الزور على خصم وعند حاكم فيحمل على أن المراد من أكبرها قول الزور على ما مهدنا سبيله في قوله أفضل الأعمال الصلاة
- وهذا لأن قتل المؤمن عدوانا أعظم من شهادة الزور والله أعلم
- قوله أن تقتل ولدك مخافة أن يطعم معك
- يطعم بفتح الياء أي يأكل وفيه إشارة إلى الوأد وإلى معنى قوله تعالى ولا تقتلوا أولادكم خشية إملاق أي فقر
- وقوله أن تزاني حليلة جارك أي امرأة جارك تزاني أفحش وأغلظ من تزني وهو مع امرأة الجار أفحش منه مع امرأة غيره والله أعلم
- قوله تعالى يلق أثاما أي جزاء إثمه وقال كثير من المفسرين أثام واد في جهنم من دم وقيح أعاذنا الله الكريم
- عقوق الوالدين إيذاؤهما وقطع رحمهما وأصل العق القطع والشق قول شعبة أكبر ظني ضبطناه مصححا عليه بالباء الموحدة والله أعلم
- قوله السبع الموبقات بالباء الموحدة المكسورة وبضم الميم أي
- المهلكات عافانا الله العظيم
- أسانيدها عمرو بن شرحبيل وهو أبو ميسرة الهمداني من أفاضل أصحاب ابن مسعود رضي الله عنهم
- وشرحبيل هو بضم الشين المثلثة وبعدها راء مهملة مفتوحة ثم حاء مهملة ساكنة ثم باء موحدة مكسورة ثم ياء ولام وهو اسم عجمي غير منصرف
- سعيد بن إياس الجريري بضم الجيم منسوب إلى جرير بن عباد بضم العين وتخفيف الباء بطن من بكر بن وائل والله أعلم
- أحاديث ذكرها مسلم في ذم الكبر أعاذنا الله منه
- أولها حديث ابن مسعود رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه و سلم قال لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال ذرة من كبر قال رجل إن الرجل يحب أن يكون ثوبه حسنا ونعله حسنة قال إن الله جميل يحب الجمال الكبر بطر الحق وغمط الناس
- قوله من كان في قلبه مثقال ذرة كذا رويناه من أصل الحافظ أبي القاسم العساكري ومن أصل أبي عامر العبدري
- وهو في أصل أبي حازم العبدوي والأصل المأخوذ عن الجلودي لا يدخل الجنة مثقال ذرة من كبر وهو بمعنى الأول أي لا يدخلها صاحب مثقال ذرة من كبر
- وقوله وغمط الناس هو بالطاء المهملة في الأصول المذكورة هذه إلا في أصل العساكري فإنه أصلح فيه غمص بالصاد المهملة ولا يصح هذا الإصلاح ها هنا
- بلغنا عن القاضي أبي الفضل عياض رحمه الله وإيانا إنه لم يروه عن جميع شيوخه ها هنا وفي كتاب البخاري إلا بالطاء وبالطاء ذكره أبو داود في مصنفه
- أيضا وذكر أبو عيسى الترمذي وغيره بالصاد والله أعلم
- قوله بطر الحق معناه حجر الحق ترفعا عنه وتجبرا
- وغمط الناس احتقارهم والإزراء بهم وغمصهم عيبهم والطعن عليهم فهما بمعنى واحد أو مقاربان يقال غمطه وغمطه بكسر الميم وفتحها والله أعلم
- وأما قضاءه صلى الله عليه و سلم بأنه لا يدخل الجنة فقد بلغنا فيه عن الإمام أبي سليمان الخطابي وجهان أحدهما أنه أراد كبر الكفر وهو الكبر عن الإيمان بدليل قوله في آخر الحديث ولا يدخل النار من في قلبه مثقال ذرة من إيمان يقابل الإيمان بالكبر
- والثاني أنه أراد أن كل من يدخل الجنة ينزع ما في قلبه من كبر وغل قلت كلا الوجهين بعيدان يأباهما سياق الحديث سؤالا وجوابا والظاهر أن المراد به مطلق التكبر عن الحق وعلى الناس ثم يجوز أن يكون المراد بقوله لا يدخل الجنة أنه لا يدخلها مع أهلها إذا فتحت أبوابها للمتقين
- ويجوز أن يكون المراد أن ذلك جزاء كبره أن جازاه وقد لا يجازيه فيدخلها
- كرما منه وفضلا وعفوا وقد مهدنا فيما سبق السبيل في أمثال ذلك والله أعلم
- وقوله إن الله جميل فمعنى جماله تبارك وتعالى أن كل أمره حسن حميد فله الأسماء الحسنى وصفات الجلال والكمال العليا كلها جمعاء ويجوز أيضا أن يكون جميل هذا بمعنى مجمل كما جاء سميع بمعنى مسمع ونحو ذلك والله أعلم
- وقوله في الرواية الأخرى لا يدخل النار أحد في قلبه مثقال حبة خردل من إيمان أي لا يدخلها دخول الكافر وهو دخول الخلود ومما حفظناه قديما عن الإمام سهل الصعلوكي شيخ الشافعين بنيسابور أنه قال المسلم وإن دخل النار فلا يلقى فيها إلقاء الكافر ولا يلقى منها لقاء الكافر ولا يبقى فيها بقاء الكافر أو كما قال ولقد سبق لنا كلام في مثله وقوله حبة خردل من إيمان هو على ما تقرر من زيادة الإيمان ونقصانه وما أكثر دلائله من الكتاب والسنة وما أكثر القائلين به من العلماء بهما وبالحقائق جعلنا الله منهم
- ثم إنه لا تكون تلك الحبة إلا القدر الكافي في الإخراج من حيز الكفر إلى حيز الإسلام والله أعلم
- ما ذكره مسلم بإسناده عن ابن مسعود قال قال رسول الله صلى الله عليه و سلم من مات
- يشرك بالله شيئا دخل النار قلت أنا ومن مات لا يشرك بالله شيئا دخل الجنة
- هكذا وقع في روايتنا من أصل الحافظ أبي القاسم العساكري مصلحا فيه المرفوع في الشرك والموقوف من قول ابن مسعود في من لا يشرك وفي الأصل الذي بخط الحافظ أبي عامر العبدري بالعكس المرفوع في من لا يشرك
- وهكذا حكاه الحميدي عن مسلم في جمعه بين الصحيحين وكذا رويناه في مخرج أبي عوانة الإسفراييني على كتاب مسلم من حديث أبي معاوية ورواه البخاري في صحيحه على الوجه الأول كما في أصل العساكري والله أعلم
- وكلتا القضيتين قد قالهما رسول الله صلى الله عليه و سلم كما رواه مسلم من حديث جابر لكن لم يكن ابن مسعود قد سمع الأخرى منه صلى الله عليه و سلم وكأنه أخذها من كتاب الله تعالى
- وعلى الجملة فلن نقول ذلك إلا توقيفا
- وقوله في حديث جابر الموجبتان أي الخصلة الموجبة للجنة والخصلة الموجبة للنار والوجوب في ذلك واقع بالإضافة إلى العبد لا بالإضافة إلى الله تعالى المتعالي عن ذلك
- وما في حديث أبي ذر من أن من مات لا يشرك دخل الجنة وإن زنا وإن سرق
- مثبت لأصل دخوله الجنة وإن كان بعد دخوله النار وذلك على ما تقرر من أنه لا مسلم أصلا يخلد في النار
- وقوله على رغم أنف أبي ذر فالرغم بفتح الراء وبضمها أيضا
- وقوله وإن رغم أنف أبي ذر بفتح الغين وبكسرها وأصله من الرغام بفتح الراء وهو التراب فمعناه إذا على ذل من أبي ذر من حيث وقوعه مخالفا له
- وقيل على كراهة منه وإنما قال له ذلك لاستبعاده ذلك واستعظامه إياه وتصوره بصورة الكاره المانع وكأن ذلك من أبي ذر لشدة نفرته من معصية الله تعالى وأهلها والله أعلم
- القول فيها من حيث علم الرجال والرواة
- قوله فقال رجل إن الرجل يحب أن يكون ثوبه حسنا هذا القائل هو مالك بن مرارة الرهاوي فيما ذكره القاضي عياض السبتي وأشار إليه ابن عبد البر وهو ابن مرارة بضم الميم وراء مهملة مكررة وبهاء التأنيث
- والرهاوي نسبة إلى قبيلة وبفتح الراء ذكره عبد الغني وجعله
- والرهاوي بالضم نسبة إلى المدينة التي بالجزيرة من المؤتلف والمختلف وفيه نظر ولم يذكره ابن ماكولا ومن شرط كتابه ذكره لو صح وفي صحاح اللغة رها بالضم حي من مذحج والنسبة إليه رهاوي والله أعلم
- ولقد استقصى الحافظ أبو القاسم خلف بن عبد الملك بن بشكوال الأنصاري في ذلك فجمع فيه أقوالا من كتب شتى فقال هو أبو ريحانة واسمه شمعون ذكره ابن الأعرابي وقال علي بن المديني في الطبقات اسمه ربيعة بن عامر وكان بفلسطين ومات ببيت المقدس وقيل هو سواد بن عمرو الأنصاري ذكره ابن السكن
- وقيل هو معاذ بن جبل ذكره ابن أبي الدنيا في كتاب الخمول والتواضع له
- وقيل هو مالك بن مرارة الرهاوي ذكره أبو عبيد في غريب الحديث
- وقيل هو عبد الله بن عمرو بن العاص ذكره معمر في جامعه وقيل هو خريم بن
- فاتك الأسدي وقع ذكره في حديث الخشني من رواية محمد بن قاسم عنه والله أعلم قلت المذكور في ذلك في الغريب لأبي عبيد إنما هو ما رواه بإسناده عن ابن مسعود عن النبي صلى الله عليه و سلم أنه أتاه مالك بن مرارة الرهاوي فقال يا رسول الله إني قد أوتيت من الجمال ما ترى ما يسرني أن أحدا يفضلني بشراكين فما فوقهما فهل ذلك من البغي فقال رسول الله صلى الله عليه و سلم إنما ذلك من سفه الحق وغمط الناس
- فبين الحديثين من التفاوت ما يتمكن معه احتمال كون الرجل المذكور في الحديث الذي أورده مسلم غير مالك هذا ومثل هذا يقع فيما ألف في بيان الأسماء المبهمة مما ينبني على الحسبان والتوهم والله أعلم
- أبان بن تغلب هو تغلب بتاء مثناة من فوق مفتوحة بعدها غين معجمة ساكنة
- عن فضيل الفقيمي بفاء مضمومة ثم قاف مفتوحة ثم ياء مثناة من تحت ساكنة ثم ميم
- منجاب بن الحارث بميم مكسورة ثم نون ساكنة ثم جيم وفي آخره باء موحدة
- أبو أيوب الغيلاني بغين معجمة مفتوحة
- المعرور بن سويد هو بعين مهملة وراء مهملة مكررة
- أحمد بن خراش بخاء معجمة
- أبو الأسود الديلي هو ظالم بن عمرو منهم من يقول فيه الدؤلي بضم الدال وهمزة بعدها مفتوحة على مثال الجهني وهي نسبة إلى الدؤل بدال مضمومة ثم همزة مكسورة حي من كنانة لكن بفتح الهمزة في النسب كما قالوا في النسبة إلى نمر بكسر الميم نمري بفتح الميم
- وهذا قد حاكاه السيرافي عن أهل البصرة
- ووجدت عن أبي علي القالي منسوب إلى قالي قلا بليدة من بلاد خلاط البغدادي أنه حكى ذلك في كتاب البارع عن الأصمعي وسيبويه وابن السكيت والأخفش وأبي حاتم وغيرهم
- وأنه حكى عن الأصمعي عن عيسى بن عمر انه كان يقول فيه أبو الأسود
- الدئلي بضم الدال وكسر الهمزة على الأصل وحكاه أيضا عن يونس وغيره عن العرب قال يدعونه في النسب على الأصل وهو شاذ في القياس
- قلت إنما شذوذه عن قياس الشذوذ وهو غير شاذ بل قياس باعتبار الأصل
- وذكر السيرافي عن أهل الكوفة أنهم يقولون فيه أبو الأسود الديلي بكسر الدال وياء ساكنة
- وما حكاه السيرافي محكي عن الكسائي وأبي عبيد القاسم بن سلام ومحمد بن حبيب وصاحب كتاب العين كانوا يقولون في هذا الحي من كنانة إنه الديل بكسر الدال وياء ساكنة ويجعلونه على لفظ الديل الحي من عبد القيس
- وأما الدول بضم الدال وواو ساكنة فحي من بني حنيفة والله أعلم
- باب روى مسلم رحمه الله وإيانا حديث المقداد بن الأسود أنه قال يا رسول الله أرأيت إن لقيت رجلا من الكفار فقاتلني فضرب إحدى يدي بالسيف فقطعها ثم لاذ مني بشجرة فقال أسلمت لله أفأقتله يا رسول الله بعد أن قالها قال رسول الله صلى الله عليه و سلم لا تقتله قال فقلت يا رسول الله إنه قطع يدي ثم قال ذلك بعد أن قطعها أفأقتله قال رسول الله صلى الله عليه و سلم لا تقتله فإن قتلته فإنه بمنزلتك قبل أن
- تقتله وإنك بمنزلته قبل أن يقول كلمته التي قال
- فأخبرنا الفقيه المفتي أبو بكر القاسم بن عبد الله بن عمر الصفاري النيسابوري رحمه الله وإيانا قراءة عليه بها قال أخبرنا أبو الأسعد هبة الرحمن بن عبد الواحد ابن عبد الكريم بن هوازن القشيري قال أخبرنا أبو محمد عبد الحميد بن عبد الرحمن البحيري ح وأنبأنا الشيخ الراوية أبو المظفر عبد الرحيم بن الحافظ أبي سعد السمعاني المروزي رحمه الله وإيانا وعلى روايته المقابلة قال أخبرنا أبو البركات عبد الله بن محمد بن الفضل الفراوي أخبرنا أبو عمرو عثمان بن محمد المحمي
- قالا أخبرنا أبو نعيم عبد الملك بن الحسن الإسفراييني قال أخبرنا أبو عوانة يعقوب بن إسحاق الإسفراييني الحافظ قال سمعت الربيع بن سليمان قال سمعت الشافعي يقول معناه ان يصير مباح الدم لا انه يصير مشركا كما كان مباح الدم قبل الإقرار
- هذا في نفسه وإسناده عن الشافعي رضي الله عنه عزيز مليح وهو أحسن ما وجدناه مقولا في تفسيره والله أعلم
- وقوله في الرواية الأخرى فلما أهويت لأقتله يقال أهوى إليه بالسيف أو غيره أي أماله إليه
- ثم إن في الرواية الأولى المقداد بن الأسود
- وفي الرواية الأخرى المقداد بن عمرو بن الأسود الكندي كان حليفا لبني زهرة وكلاهما صحيح ووجه اجتماعهما أنه نسب إلى الأسود وهو الأسود بن عبد يغوث الزهري لكونه تبناه في الجاهلية فلما أنزل الله تبارك وتعالى ادعوهم لآبائهم انتسب إلى أبيه وهو عمرو
- ثم لا يخفى عند هذا أن قوله إن المقداد بن عمرو ابن الأسود ليس ابن الأسود فيه صفة لعمرو بل صفة للمقداد وبدلا من قوله ابن عمرو تعريفا له بما اشتهر به وكانت نسبته إلى الأسود أكثر وأشهر من نسبته إلى عمرو فلهذا كان الصواب فيه أن ينون عمرو ويكتب فيه ابن الأسود بالألف في ابن ويجعل في إعرابه تابعا للمقداد لا لعمرو والله أعلم
- وأما قوله كان حليفا لبني زهرة فذلك لمحالفته الأسود وهو من بني زهرة وقد ذكر ابن عبد البر وغيره أن الأسود مع تبنيه له حالفه أيضا
- وأما نسبته الكندي ففيها إشكال من حيث أنه فيما ذكره أهل النسب بهراني صليبة من بهراء من قضاعة
- والوجه المصحح لذلك ما ذكره أحمد بن صالح الحافظ المصري من أن أباه حالف كندة فنسب إليها
- قلت فإذن هو بهراني ثم كندي ثم زهري رضي الله عنه
- قوله عطاء بن يزيد الليثي ثم الجندعي هو بضم الجيم وبعدها نون ساكنة ثم دال مهملة مفتوحة ومنهم من يضمها ثم عين مهملة منسوب إلى
- جندع بن ليث بن بكر بن عبد مناة بن كنانة والله أعلم
- ما وقع في رواية الجلودي في أسانيد هذا الحديث من طريق الوليد بن مسلم عن الأوزاعي عن الزهري سقط في رواية ابن ماهان وإسقاطه حسن لأنه ليس بمعروف على الوجه ذكره وفيه اضطراب وخلاف على الوليد وخلاف على الأوزاعي ويروى عن الأوزاعي عن إبراهيم بن مرة عن الزهري وقد بين الخلاف في ذلك الدارقطني في كتابه العلل والله أعلم
- فرغ من تعليقه في الخامس والعشرين من شهر رمضان المعظم من سنة سبع وثلاثين وسبعمائة من أصل بخط الشيخ الإمام الحافظ شرف الدين عبد المؤمن الدمياطي رحمه الله
- قال الشيخ شرف الدين في آخره آخر ما وجدته بخط تقي الدين ابن رزين على يدي العبد الفقير إلى الله تعالى أحمد بن أقش الحراني عفا الله عز و جل عنهما
- الحمد لله وحده وصلواته على سيدنا محمد وآله وصحبه وحسبنا الله ونعم الوكيل
- ============================================
- =======================💥💥💥💥
- 💥💥
- 💥💥💥💥💥💥💥💥💥💥💥💥💥💥💥=========================
- =================================================
- ==============
- مكتبة القرآن مكتبة علوم القران مكتبة الحديث مكتبة العقيدة مكتبة الفقه مكتبة التاريخ مكتبة الأدب المكتبة العامة
- كتاب : ثمرات النظر في علم الأثر
- المؤلف : محمد بن إسماعيل الأميرالصنعاني
- ثمرات النظر في علم الأثر
- مقدمة المصنف بسم الله الرحمن الرحيم
- حمدا لك يا واهب كل كمال وشكرا لك يا مانح الجزيل من النوال ويا فاتح الأقفال عن أبواب كل إشكال
- وصلاتك وسلامك على من ختمت ببعثه سلسلة الإرسال وعلى آله أئمة المعارف والعوارف خير آل
- وبعد فإنه لما من الله بمذاكرة مع بعض الأعلام في شرح نخبة الفكر للحافظ الإمام العلامة الشهاب أحمد بن علي بن حجر أفاض الله عليه شآبيب الإنعام وأنزله بفضله بحبوحة دار السلام
- وانتهت إلى بحث الجرح والتعديل عرضت عند المذاكرة فروع ناشئة عن ذلك التأصيل فرغب ذلك القلم إلى تحريرها في الأوراق تحريرا للفظها وحفظا لمعناها وإبانة للحق النافع يوم يعنو كل نفس ما عناها فأخذت في رقم ما وقع ثم اتصل به ما هو أرفع قدرا وأنفع والله أسأله أن يخلص لوجهه الأعمال ويعيذنا من موبقات الأفعال والأقوال وسميته ثمرات النظر في علم الأثر
- رواية صاحب البدعة المكفرة والمفسقة فأقول قسم الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى البدعة في النخبة إلى قسمين إلى ما يكون بمكفر أو بمفسق واختار
- في شرحها أن الأول لا يكون قادحا في الراوي إلا إذا كان ردا لأمر معلوم من الدين ضرورة أو عكسه أي إثباتا لأمر معلوم بالضرورة أنه ليس منه
- وإنما فسرنا العكس بهذا لأن ذكر الاعتقاد لا دخل له في كون الفعل بدعة فلا بد من حمله على إثبات أمر ليقابل إنكار أمر فيكون إلماما بالأمرين اللذين هما مرجع البدعة ومنشؤها وهما
- النقص في الدين والزيادة فيه كما صرح بذلك صاحب الإيثار فالأول إشارة إلى الثاني والثاني إشارة إلى الأول
- أو هما إلا إذا كان ردا لأمر معلوم
- ولقد وهم من فسر العكس بإنكار أمر واعتقاد خلافه وزحلق العبارة عما تفيده إذ لا بد من حمل الاعتقاد على إثبات أمر مجازا من باب إطلاق السبب على المسبب وكان حق العبارة أن يقول أو إثبات غيره أي إثباتا لأمر في الدين معلوم بالضرورة أنه ليس منه قلت إلا أنه لا يخفى أنه من كان بهذه الصفة فهو كافر لرده ما علم من الدين ضرورة وإثباته ما ليس منه ضرورة وكلا الأمرين كفر وإنه تكذيب للشارع وتكذيبه في أي أمر علم من الدين ضرورة إثباته أو نفيه كفر فهذا ليس من محل النزاع إذ النزاع في مجرد الابتداع لا في الكافر الكفر الصريح فلا نزاع
- فيه
- وإذا كان من هو بهذه الصفة فقد جاوز رتبة الابتداع إلى أشر منه وأنه لا يرد من أهل ذلك القسم إلا هذا عرفت أنه لا يرد أحد من أهل هذا القسم وأن كل مبتدع مقبول
- وأما ما يكون ابتداعه بمفسق فقد اختاره لنفسه ونقله عن الجماهير أنه يقبل ما لم يكن داعية وحينئذ فرده لأجل كونه داعية إلى بدعته لا لأجل بدعته فتحصل من هذا أن كل مبتدع مقبول سواء كان بمكفر أو بمفسق واستثناؤه لمن رد ما علم فاثبت من الدين ضرورة أو زاد فيه ما ليس بضرورة ليس لأجل بدعته بل لرده وإثباته ما ليس من الدين ضرورة وكذا رد الداعية لأجل دعوته لا لأجل بدعته والكل ليس من محل النزاع
- ثم لا يخفى أن الحافظ وأهل مذهبه لا يرون التكفير بالتأويل
- فكأنه قسم البدعة على رأي غيره إذ لا يرى كفر أحد من أهل القبلة والآتي بما يكفره به من يرى كفر التأويل مبتدع واضح البدعة كما قال ابن الحاجب ومن لم يكفر فهو عنده واضح البدعة انتهى
- مسألة قبول كافر التأويل وفاسقه وهذه هي مسألة قبول كافر التأويل وفاسقه وقد نقل صاحب العواصم إجماع الصحابة على قبول فساق التأويل من عشر طرق في كتبه الأربعة ونقل أدلة غير الإجماع واسعة إذا عرفت هذا فحق عبارة النخبة أن يقال ونقبل المبتدع مطلقا إلا الداعية
- وقال الذهبي في الميزان في ترجمة أبان بن تغلب ما لفظه
- البدعة على ضربين فبدعة صغرى كغلو التشيع أو كان التشيع بلا غلو ولا تحرق فهذا كثير في التابعين وتابعيهم مع الدين والورع والصدق فلو ذهب حديث هؤلاء لذهب جملة من الآثار النبوية وهذه مفسدة بينة
- ثم بدعة كبرى كالرفض الكامل والغلو فيه والحط على أبي بكر وعمر رضي الله عنهما والدعاء إلى ذلك فهذه النوع لا يحتج بهم ولا كرامة انتهى
- قلت هذا المثيل لأحد أنواع الابتداع وإلا فمن الابتداع النصب بل هو شر من التشيع لأنه التدين ببغض علي رضي الله عنه كما في القاموس فالأمران بدعة إذ الواجب والسنة محبة كل مؤمن بلا غلو في المحبة
- أما وجوب محبة أهل الإيمان فأدلته طافحة كما في صحيح مسلم مرفوعا ( لا تدخلون الجنة حتى تؤمنوا ولا تؤمنوا حتى تحابوا ) الحديث
- بل حصر صلى الله عليه و سلم الإيمان في الحب
- في الله كما في حديث ( وهل الإيمان إلا الحب في الله )
- الغلو في الدين وأما تحريم الغلو في كل أمر من أمور الدين فثابت كتابا وسنة ( لا تغلوا في دينكم ) ( إياكم والغلو في الدين فإنما أهلك من كان قبلكم الغلو في الدين ) أخرجه أحمد والنسائي وابن
- ماجه والحاكم
- إلا أنه لا يتحقق الغلو إلا بإطلاق ما لا يحل إطلاقه في المحبوب المغلو في حبه أو فعل ما لا يحل فعله أو ذكر الغير بما لا يحل لأجله
- وأما زيادة صحبة الشخص لبعض أهل الإيمان مع محبته لهم جميعا فهذا لا إثم فيه ولا قدح به وإن سمي غلوا وقد كان بعض المؤمنين عند رسول الله صلى الله عليه و سلم أحب إليه من بعض واشتهر أن أسامة ابن زيد رضي الله عنه حب رسول الله وكانت عائشة رضي الله عنها أحب نسائه إليه
- إذا عرفت هذا فالشيعي المطلق قد أتى بالواجب من محبة هذا البعض من المؤمنين فإن كان غاليا فقد ابتدع بالغلو وأثم إن أفضى
- به إلى ما لا يحل
- وأما مجرد زيادة المحبة والميل فهو إذا صح أنه غلو فلا إثم فيه
- أقسام التشيع وقد اتضح لك أن الحافظ الذهبي قسم التشيع ثلاثة أقسام
- الأول تشيع بلا غلو وهذا لا كلام فيه كما أفاده قوله أو كان التشيع بلا غلو ولا تحرق
- ولا يخفى أنه صفة لازمة لكل مؤمن وإلا فما تم إيمانه إذ منه موالاة المؤمنين سيما رأسهم وسابقهم إليه فكيف يقول فول ذهب حديث هؤلاء يريد الذين والوا عليا رضي الله عنه بلا غلو وما الذي يذهبه بعد وصفه لهم بالدين والصدق والورع ليت شعري أيذهبه فعلهم لما وجب من موالاة أمير المؤمنين الذي لو أخلوا به لأخلوا بواجب وكان قادحا فيهم ولله
- در كثير من التابعين وتابعيهم فقد أتوا بالواجب ودخلوا تحت قوله تعالى ( والذين جاءوا من بعدهم يقولون ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان ولا تجعل في قلوبنا غلا للذين آمنوا ) وتحت قوله تعالى ( والسابقون الأولون من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان )
- ومن ها هنا تعلم أن القول بأن مطلق التشيع بدعة ليس بصحيح والقدح به باطل ولا قدح به حتى يضاف إليه الرفض الكامل وسب الشيخين رضي الله عنهما وحينئذ فالقدح فيه بسب الصحابي لا بمجرد التشيع
- والقسم الثاني من غلا في التشيع وأسلفنا لك أنه أتى بواجب وابتدع فيه إن سلم أن مجرد الغلو بدعة إلا أنها بدعة لم
- تفض بصاحبها إلى كفر ولا فسق فهو غير مردود اتفاقا إذ قد قيل عند الجماهير من أفضت به بدعته إلى أحدهما كما سلف آنفا
- الثالث من أقسام التشيع من غلا وحط على الشيخين فهذا قد أفضى به غلوه إلى محرم قطعا وهو سباب المسلم وقد ثبت عنه صلى الله عليه و سلم أن سباب المؤمن فسوق فهذا فاعل المحرم قطعا خارج عن حد العدالة فاسق تصريحا فاعل لكبيرة كما يأتي وتارك أيضا لواجب وحينئذ فرده والقدح فيه ليس لأجل مطلق تشيعه وهو موالاته لعلي رضي الله عنه بل لسبه المسلم وفعله المحرم فعرفت أن التشيع المطلق ليس بصفة قدح وجرح من
- حيث هو بل هو صفة تزكية لأنه لا بد للمؤمن من موالاة أهل الإيمان فإذا عرف بها صارت تزكية فإذا وقع في عباراتهم القدح بقولهم فلان شيعي فهو من القدح المبهم لا يقبل حتى يتبين أنه من النوع القادح وهو غلو الرفض
- تعريف النصب وأما النصب فعرفت من رسمه عن القاموس أنه التدين ببغض علي رضي الله عنه فالمتصف به مبتدع شر ابتداع أيضا فاعل لمحرم تارك لواجب فإن محبة علي رضي الله عنه مأمور بها عموما وخصوصا
- أما الأول فلأنه داخل في أدلته إيجاب محبة أهل الإيمان
- وأما الخاصة فأحاديث لا يأتي عليها العد آمرة بحبه ومخبرة بأنه لا يحبه إلا مؤمن ولا يبغضه إلا منافق وقد أودعنا الروضة الندية شرح
- التحفة العلوية من ذلك شطرا من الأحاديث بحمد الله معزوة إلى محله مصححة ومحسنة فالناصبي أتى بمحرم قطعا ولم يأت بالواجب الآخر من موالاة سائر أهل الإيمان كالصحابة إذ ليس من لازمه محبة بقية الصحابة وهب أنه من لازمه فلا يخرجه عن الإخلال بواجب محبة علي رضي الله عنه وفعله لمحرم من بغضه
- فالشيعي المطلق في رتبة علية أتى بالواجب وترك المحرم والناصبي في أدنى رتبة وأخفضها فاعل للمحرم وتارك للواجب فإن انتهى نصبه إلى إطلاق لسانه بسب الوصي رضي الله عنه فقد انتهت به بدعته إلى الفسق الصريح كما انتهت بالشيعي الساب بدعة غلوه إلى ذلك وخير التشيع تشيع من قال
- ( أنا شيعي لآل المصطفى ... غير أني لا أرى سب السلف )
- ( أقصد الإجماع في الدين ومن ... قصد الإجماع لم يخش التلف )
- ( لي بنفسي شغل عن كل من ... للهوى قرض قوما أو قذف )
- والشيعي إن انضاف إلى حبه لعلي رضي الله عنه بغض أحد من السلف فقد ساوى مطلق الناصبي في بغضه لبعض أهل
- الإيمان فإن قلت هل يقدح في دينه ببغضه لبعض المؤمنين قلت البغض أمر قلبي لا يطلع عليه فإن اطلع عليه كما هو المفروض هنا كان قدحا إذ الكلام في الناصبي ولا يعرف أنه ناصبي إلا بالاطلاع على بغضه لرأس أهل الإيمان
- فمن عرف بمثل هذه المعاصي ردت روايته لأنه ليس بعدل على تعريف ابن حجر للعدالة إذ قد حد في رسمها اللغوي عدم الابتداع ولا يتم إلا بخلو القلب عن بغض أهل الإيمان كيف وقد ثبت أن بغضه رضي الله عنه علامة النفاق
- وبهذا عرفت أن الناصبي المطلق خارج عن العدالة فإن انضاف إلى نصبه إطلاق لسانه فيمن يبغضه فقد ازداد عنها بعدا والشيعي المطلق محقق العدالة وإن أبغض وسب فارق العدالة وحينئذ يتبين لك أنه كل التمثيل ببدعة النصب للابتداع الخارم للعدالة أولى إذ هو على كل حال بدعة قادحة بخلاف التشيع فالمطلق منه ليس ببدعة بل فعله واجب
- وقال الحافظ ابن حجر في مقدمة الفتح
- التشيع محبة علي عليه السلام وتقديمه على الصحابة فمن قدمه على أبي بكر وعمر رضي الله عنهما فهو غال في التشيع ويطلق عليه رافضي وإلا فشيعي فإن انضاف إلى ذلك السب والتصريح بالبغض فغال في الرفض انتهى كلامه
- فقسم التشيع أيضا ثلاثة أقسام رفض وغلو في الرفض وتشيع
- فالأول انضاف إلى محبته لعلي رضي الله عنه تقديمه على الشيخين والثاني انضاف إليها بغض الشيخين والسب لهما
- والثالث المحب فقط وهذا التقسيم وقع في ذكره لبدعة التشيع
- وأقول أما محبته مطلقا وهو القسم الثالث فإنه شرط في إيمان كل مؤمن وليس من البدعة في دبير ولا قبيل
- وهل الإيمان إلا الحب في الله وحينئذ عرفت أن كل مؤمن شيعي
- وأما الساب فسب المؤمن فسوق صحابيا كان أو غيره إلا أن سباب الصحابة أعظم جرما لسوء أدبه مع مصحوبه صلى الله عليه و سلم ولسابقتهم في الإسلام
- وقد عدوا سب الصحابة من الكبائر كما يأتي عن الفريقين الزيدية ومن يخالف مذهبهم
- وقد عرفت أنه دل كلام الذهبي وكلام الحافظ ابن حجر على أن التشيع بكل أقسامه بدعة ولا يخفى أن مطلق التشيع
- الذي هو موالاة علي واجب وفاعل الواجب لا يكون مبتدعا
- فإن قلت هذا كله مبني على أن قول الحافظ وتقديمه على الصحابة ليس من جملة رسم التشيع وأي مانع عن جعله قيدا فيقيد أن التشيع محبة علي رضي الله عنه مع تقديمه على الصحابة فلا يتم أن مجرد محبته تشيع قلت يمنع عنه أنه إن حمل لفظ الصحابة في كلامه في الرسم على من عدا الشيخين لزم أن من قدمه على أي صحابي ولو من الطلقاء أو ممن ثبت له مجرد اللقاء يكون شيعيا لأن لفظ الصحابة للجنس فهو في قوة من قدمه على أي صحابي وهذا لا يقوله أحد فإنه من السابقين الأولين من العشرة المشهود لهم بالجنة وهم مقدمون على غيرهم بالنصوص
- ولأنه بالاتفاق ليس يسمى الشيعي من قدم عليا على أي فرد من أفراد الصحابة أو حمل على الشيخين فقط فيكون التشيع محبة علي رضي الله عنه وتقديمه على الشيخين فهذا بعينه هو الذي أفاده
- بقوله فمن قدمه على أبي بكر وعمر فهو غال فحينئذ تداخل الأقسام ولا يشمل كلامه وضابطه رسم التشيع المطلق أو حمل على المشايخ الثلاثة فهذا الإشكال باق إذ من قدمه على الثلاثة فقد قدمه على الشيخين مع الخلل الذي عرفته أيضا
- وإنما بلغت عبارته إلى هذا الخلل على التقادير الأربعة بسبب جعل قوله تقديمه على الصحابة قيدا تعين حملها على ما تصح به وتفيد وأن قوله وتقديمه استئنافية والواو للاستئناف قدمها إرهاصا لقوله فمن قدمه على أبي بكر وعمر وأن المراد من الصحابة الشيخان ذكرهما ألا إجمالا ثم ثانيا تفصيلا وأن قوله
- محبة علي فقط هو رسم مطلق التشيع وأيد هذا قوله وإلا فشيعي فإن مراده وألا يقدمه على الشيخين لدي بل يحبه فقط وهذا هو المطلق
- وأيده أيضا بما عرفناه من تصرفاتهم في كتب الرجال وتسمع من كلامنا الآتي كثيرا من عباراتهم في ذلك وأيده قول الحافظ الذهبي في ضابطه أو كان التشيع بلا غلو
- فهذان الحافظان يوافقان أن التشيع أقسام ثلاثة تشيع مطلق هو محبته رضي الله عنه فقط
- ومحبته مع تقديمه على الشيخين ومحبته مع التقديم والسب الأول شيعي والثاني غال في التشيع ويطلق عليه رافضي الثالث غال في الرفض
- هذا مفاد كلام الحافظين وهما إماما الفن
- وعلى كلامهما وقع البحث في هذه الرسالة
- حقيقة البدعة ثم اعلم أن البدعة وحقيقتها الفعلية المخالفة للسنة ولها تعاريف حاصلها ما لم يكن على عهده صلى الله عليه و سلم
- وتنقسم إلى ثلاثة أنواع لا يقتضي كفرا ولا فسقا وهي التي قال فيها عمر رضي الله عنه في جماعة التراويح نعمت
- البدعة قال المناوي في كتابه في التعاريف قد يكون من
- البدعة ما ليس بمكروه فتسمى بدعة مباحة وهو ما يشهد لحسنه أصل الشرع واقتضته مصلحة تندفع بها مفسدة
- والنوعان الآخران ما يؤول إلى أحد الأمرين كما عرفت
- فالأولى لا قدح بها اتفاقا ولا تخل بالعدالة وإن دخلت في مسمى البدعة وشملها اشتراط فقدها في حصول العدالة وذلك لأنه لا يخلو عنها طائفة بل يكاد أنه لا يخلو عنها فرد إلا في عصمة الله وإن كانت عباراتهم في رسم العدالة عامة والأحاديث الآتية دالة على أنه لا فرق بين أنواعها إلا أنهم كما عرفت قسموها هذا التقسيم وقسموها أيضا إلى مستحسنة وغير مستحسنة وما أظن هذا التقسيم إلا من جملة الابتداع وها هنا أبحاث تتعلق بكلامهم
- اشتراط العدالة في رسم الصحيح والحسن الأول أنهم أخذوا في رسم الصحيح والحسن عدالة الراوي كما سبق للحافظ في النخبة ومثله في كتب صاحب العواصم وفي جميع كتب أصول الحديث وفسر الحافظ العدالة بأنها ملكة
- تحمل على ملازمة التقوى والمروءة
- وفسر التقوى بأنها اجتناب الأعمال السيئة من شرك أو فسق أو بدعة فأفاد أن العدالة شرط للراوي
- وقد عرفت أن ترك البدعة من ماهية العدالة فالعدل لا يكون عدلا إلا باجتناب البدعة بأنواعها
- ولا يخفى أن هذا يناقض ما قرره الحافظ من القول بقبول المبتدع مناقضة ظاهرة على أن في رسم الحافظ للتقوى قصورا فإنها اجتناب المحرمات والإتيان بالواجبات وقد اقتصر على الفصل الأول من فصلي رسمها
- ومنهم من فسرها بالاحتراز عما يذم شرعا وهو صحيح شامل للأمرين
- إن قلت أخذهم الفسق في رسم العدالة فيه أيضا إخلال فبأنهم قبلوا فاسق التأويل وقد أخذوا العدالة له شرطا في الراوي وأخذوا عدم الفسق في رسمها فالفاسق غير عدل قلت يتعين حمل الفسق في الرسم على الفسق الصريح لأنه المتبادر عند
- الإطلاق وليندفع التناقض
- ذم المبتدعة المبحث الثاني لا يخفى ما ورد في السنة من الأحاديث الواسعة في ذم المبتدعة والوعيد الشديد لهم أخرج مسلم وابن ماجه وغيرهما من حديث جابر قال خطبنا رسول الله صلى الله عليه و سلم وفيه أما بعد فإن خير الحديث كتاب الله وخير الهدى هدي محمد صلى الله عليه و سلم وشر الأمور محدثاتها وكل بدعة ضلالة
- وأخرج الطبراني من حديث أنس مرفوعا إن الله حجب التوبة عن كل صاحب بدعة حتى يدع بدعته قال الحافظ المنذري إسناده حسن ورواه ابن ماجه أيضا وابن أبي حاتم في كتاب السنة عن ابن عباس رضي الله عنه لفظه أبى الله تعالى أن
- يقبل عمل صاحب بدعة حتى يدع بدعته ورواه ابن ماجه أيضا من حديث حذيفة مرفوعا ولفظه لا يقبل الله تعالى لصاحب بدعة صوما ولا حجا ولا عمرة ولا جهادا ولا صرفا ولا عدلا ويخرج من الإسلام كما تخرج الشعرة من العجين
- وفي الزواجر لابن حجر الأخير أنه صح لعن من أحدث حدثا
- وأخرج الطبراني ما من أمة ابتدعت بعد نبيها بدعة إلا أضاعت مثلها من السنة وقد صح حديث ستة لعنهم الله وكل نبي مجاب الدعوة
- @ 51 @
- وقد عد منهم تارك السنة
- قال في الزواجر وقد عد شيخ الإسلام الصلاح العلائي في قواعده والجلال البلقيني وغيرهما البدعة من الكبائر ولفظ الجلال البلقيني في تعداد الكبائر السادسة عشرة البدعة وهي المراد بترك السنة
- إذا عرفت هذا فلا يخلو إما أن يقول قائل المبتدع عدل وإن ابتداعه لا يخل بعدالته فهذا رجوع عن رسم العدالة بما ذكره فهذه الأحاديث وأقوال العلماء منادية على أن الابتداع من الكبائر وقد رسموا الكبيرة بما توعد عليه بخصوصه وهو صادق على البدعة
- ومن هنا ينقدح لك أن من حذف البدعة من رسم
- العدالة فلدخولها في لفظ الكبائر المذكورة في الرسم
- أو يقول إنها تخل بالعدالة فهذا يعود على شرطية العدالة في الراوي بالنقض
- تفسير العدالة المبحث الثالث تفسير العدالة بما ذكره الحافظ تطابقت عليه كتب الأصول وإن حذف البعض قيد الابتداع إلا أنهم الكل اتفقوا أنها ملكة إلى آخره وهذا ليس معناها لغة ففي القاموس العدل ضد الجور وهو إن كان كلامه في هذه الألفاظ قليل الإفادة لأنه يقول والجور نقيض العدل فيدور
- وفي النهاية العدل الذي لا يميل به الهوى
- وهو وإن كان تفسيرا للعادل فقد أفاد المراد في غيرها العدل الاستقامة
- وللمفسرين في قوله تعالى ( إن الله يأمر بالعدل والإحسان )
- أقوال في تفسيره قال الرازي بعد سرده للأقوال إنه عبارة عن الأمر المتوسط بين طرفي الإفراط والتفريط وهو قريب من تفسيره بالاستقامة
- وقد فسر الاستقامة الصحابة وهم أهل اللغة بعدم الرجوع إلى عبادة الأوثان وأنكر أبو بكر رضي الله عنه على من فسرها بعدم الإتيان بذنب وقال حملتم الأمر على أشده وفسرها الوصي كرم الله وجهه بالإتيان بالفرائض
- نقد العدالة بالملكة المذكورة والحاصل أن تفسير العدالة بالملكة المذكورة ليس معناها لغة ولا أتى عن الشارع حرف واحد بما يفيدها والله تعالى قال في الشهود ( وأشهدوا ذوي عدل ) ( ممن ترضون من الشهداء ) وهو كالتفسير للعدل والمرضي من تسكن النفس إلى خبره ويرضى به القلب ولا يضطرب من من خبره ويرتاب ومنه ( تجارة عن تراض )
- وفي كلام الوصي رضي الله عنه حدثني رجال مرضيون وأرضاهم عمر وقال صلى الله عليه و سلم ( إذا أتاكم من ترضون دينه وخلقه فأنكحوه )
- فالعدل من اطمأن القلب إلى خبره وسكنت النفس إلى ما رواه
- وأما القول بأنه من لو هذه الملكة التي هي كيفية راسخة تصدر عنها الأفعال بسهولة يمتنع بها عن اقتراف كل فرد من أفراد الكبائر وصغائر الخسة كسرقة لقمة والتطفيف بحبة تمرة والرذائل الجائزة كالبول في الطرقات وأكل غير السوقي فيه فهذا تشديد في العدالة
- لا يتم إلا في حق المعصومين وأفراد من خلص المؤمنين بل قد جاء في الأحاديث أن كل بني آدم خطاؤون وخير الخطائين التوابون ) وأنه ما من نبي إلا عصى أو هم بمعصية فما ظنك عمن سواهم وحصول هذه الملكة في كل راو من رواة الحديث عزيز الحصول لا يكاد يقع
- ومن طالع تراجم الرواة علم ذلك وأنه ليس العدل إلا من قارب وسدد وغلب خيره شره وفي الحديث ( المؤمن واه ) أي واه لدينه
- بالذنوب راقع له بالتوبة فالسعيد من مات على رقعه أخرجه البزار وإن كان فيه ضعف فهو منجبر بحديث ( لو لم تذنبوا لذهب الله بكم ولجاء بقوم يذنبون فيستغفرون فيغفر لهم ) وهو حديث
- صحيح فالمؤمن المرضي العدل لا بد مقارفته لشيء من الذنوب لكن غالب حاله السلامة ويأتي عن الشافعي رضي الله عنه قول حسن في العدالة
- وهذا بحث لغوي لا يقلد فيه أهل الأصول وإن تطابقوا عليه فهو مما يقوله الأول ثم يتابعه عليه الآخر من غير نظر
- إذا عرفت ما أسلفناه وقد عرفت نقل الإجماع عن الصحابة رضي الله عنهم في قبول خبر المبتدع كما قال الإمام المنصور بالله عبد الله بن حمزة رضي الله عنه إن من تصفح آثارهم واقتص أخبارهم عرف أنهم لما صاروا أحزابا وتفرقوا فرقا وانتهى الأمر بينهم إلى القتل والقتال كان بعضهم يروي عن بعض من غير مناكرة بينهم في ذلك بل اعتماد أحدهم على رواية من يخالفه
- كاعتماده على رواية من يوافقهم
- ومثله قال الشيخ أحمد الرصاص في كتاب الجوهرة إن الفتنة لما وقعت بينهم كان بعضهم يحدث عن بعض من غير مناكرة ويسند الرجل إلى من يخالفه كما يسند إلى من يوافقه
- علمت أن ذلك يستلزم الإجماع على أن مدار قبول الرواية ظن صدق الراوي لا عدالته المفسرة بحد الحافظ وغيره
- قال ابن الصلاح كتب الأئمة طافحة بالرواية عن المبتدعة غير الدعاة
- قلت ما ذاك إلا لكون الابتداع غير مخل بالعدالة قطعا بل هو مخل بها لكنه دار القبول على ظن الصدق وذلك لأدلة
- الأول أن خبر المبتدع يفيد الظن والعمل بالظن حسن
- عقلا
- الثاني أن في مخالفتهم مضرة مطنونة ودفع الضرر المظنون عن النفس واجب
- الثالث إما أن يحصل بخبرهم الرجحان أو لا إن حصل فإما أن يعمل به أو بالمرجوح أو يساوي بينهما وقد علمت أن ترجيح المرجوح على الراجح أو المساواة بينهما في الترجيح قبيح عقلا فوجب العمل بالراجح إذا عرفت أنه يفيد الظن وأنه يجب العمل بالظن عقلا
- الأدلة على وجوب العمل به شرعا كثيرة
- الآية الأولى قوله تعالى ( فمن جاءه موعظة من ربه فانتهى فله ما سلف ) وهو عام في كل ما جاء عن الله تعالى سواء كان من كلامه أو كلام رسوله صلى الله عليه و سلم وسواء كان معلوما أو مظنونا فكل خبر عن الله تعالى أو عن رسوله حصل الظن به فقد صدق عليه أنه جاءنا عن الله تعالى
- الثانية قوله تعالى ( خذوا ما آتيناكم بقوة ) فهذا عام فيما أتانا عن الله تعالى والآية وإن كانت خطابا لأهل الكتاب فهي في حقنا كذلك وتقرير الحجة بها كما سلف
- الثالثة قوله ( وما آتاكم الرسول فخذوه ) الآية
- وتقريرها كما سلف والخبر المظنون عن الرسول قد أتانا عنه فيجب العمل به والأدلة من هذا النوع واسعة جدا أو ناهضة على المدعي وقد ثبت عنه صلى الله عليه و سلم ( إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما
- استطعتم ) فيجب في تعرف ما أتانا الله تعالى وأمرنا بأخذه بذل الوسع في ذلك بحسب الطاقة كما قال تعالى ( فاتقوا الله ما استطعتم ) وهنا رتب ثلاث
- الأولى أن يعلم اللفظ الوارد عن الشارع والمعنى وهذا يكون كثيرا في القرآن والسنة المتواترة
- الثانية أن يعلم اللفظ ويظن المعنى وذلك أيضا يكون في القرآن كثيرا والمتواتر من السنة
- الثالثة أن يظن اللفظ والمعنى أو يعلم المعنى ويظن اللفظ وكلاهما في السنة
- فإن قلت يلزم على هذا قبول خبر الكافر والفاسق الصريح أيضا إذا حصل الظن لوجود العلة
- قلت منع منه الإجماع فخصص العلة
- قبول فاسق التأويل واعلم أنه قد استدل في العواصم على قبول خبر فاسق التأويل بحديث أنه قبل الأعرابي الذي شهد برؤية هلال رمضان فقال له ( أتشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله قال نعم قال يا بلال أذن في الناس أن يصوموا غدا ) أو بنحوه من الأدلة إلا أن في استدلاله بذلك بحثا لأنه
- @ 66 @
- بناه على أن عدالة أهل ذلك العصر كانت غير منوطة بإسلامهم وهو قائل بخلافه لذهابه إلى أن أهل ذلك العصر كانت العدالة منهم منوطة بالإسلام والقيام بأركانه واجتناب معاصي الخوارج كما نقله عن أبي طالب واختاره فهذا لا يتم به الاستدلال على قبول قول المبتدعين إذ قد بني على عدالة أهل ذلك العصر
- النبوي إلا من ظهر منه ما يخرج به
- الكلام الآن معه على من تحقق جرح عدالته وأنه إنما قبل لحصول الظن بخبره
- وكذلك استدلاله بخبر الأمة السوداء التي سألها صلى الله عليه و سلم ( هل هي مؤمنة فأشارت أن الله ربها فقال صلى الله عليه و سلم هي مؤمنة )
- وكذلك ذكره الحديث ( إن ابني هذا سيد ويصلح الله به بين طائفتين عظيمتين من المسلمين )
- قال في الأول هذا دليل على قبول كل من آمن بالله ورسوله من أهل الإسلام ما لم يثبت فيه فعل ما يجرح به وقال في الثاني فسماهم مسلمين والمسلم مقبول ما لم يظهر جرحه فإنه يقال هذا يقتضي أنك تريد أن من أسلم وآمن من أهل ذلك العصر
- فإنه عدل وهو الظاهر من كلامه وهذا غير محل النزاع إذ الكلام مع من يرد فساق التأويل والمبتدعة
- لا يقال لعل صاحب العواصم يختار في رسم العدالة غير ما يختاره الجمهور وأنه من ثبت إسلامه ثبتت عدالته من أهل ذلك العصر وغيره لأنا نقول هذا مسلم في أنه اختاره لكن في حق الصحابة وأهل العصر النبوي إذ الظاهر فيهم العدالة كما سبق نقل اختياره له وبه قال المحدثون وأهل الأثر وأما في حق غيرهم فغير مسلم
- وجعله ظن الصدق علة في قبول الرواية دليل على أنه لا يرى ذلك وإلا لما افتقر إلى إقامة الأدلة على ذلك ولكان أحوج على إقامة الدليل على هذا الأصل الكبير ولأنه صرح أن ظاهر العلماء العدالة ما لم يظهر ما يجرحهم وينفي العلم بالظاهر وجعل هذا القول المختار القوي حيث قال المختار القوي ما ذهب إليه
- أبو عمر بن عبد البر وأبو عبد الله بن المواق وهو أن كل حامل علم معروف بالعدالة فإنه مقبول في علمه محمول أبدا على السلامة حتى يظهر ما يجرحه وذكر أدلة هذا القول وهذا ظاهر في أنه يرى رأي الجمهور في أن الأصل الفسق ولذا عين هذه الطائفة بالعدالة وسرد أدلة ذلك هنالك إلا أنه يختار في الصحابة وأهل العصر النبوي أن الظاهر فيهم العدالة ما نقله هو عن الشافعي رضي الله عنه فإنه قال متى سلم أن العدالة هي ترك جميع الذنوب والمعاصي عز وجودها في جميع المواضع التي يشترط فيها كعقد النكاح والطلاق على السنة وعقد البيوع والعقود والحدود وقد دل الشرع على ما تبين أن العدالة مرتبة دون هذه المرتبة
- وقد حسن ابن كثير حديث أبي هريرة مرفوعا ( من طلب قضاء المسلمين حتى يناله ثم غلب عدله جوره فله الجنة ومن غلب جوره عدله فله النار ) ومن ذلك ما ورد في الحديث
- وأجمعت الأمة عليه من أنه لا يقبل من بينه وبين أخيه إحنة مع أنه مقبول على من ليس بينه وبين أخيه إحنة فلم يخرج المسلم الثقة بالإحنة التي بينه وبين أخيه ما لم يسرف في العداوة إلى حد لا يتجاوز إليه أهل الدين
- كلام مستحسن للشافعي في العدالة قال وقد قال الشافعي في العدالة قولا استحسنه كثير من العقلاء من بعده قال لو كان العدل من لم يذنب لم نجد عدلا ولو كان كل ذنب لا يمنع من العدالة لم نجد مجروحا ولكن من ترك
- الكبائر وكانت محاسنه أكثر من مساوئه فهو عدل انتهى
- قلت وهذا قوله حسن ويؤيده أن أهل اللغة فسروا العدل بنقيض الجور وليس الجور عبارة عن ملكة راسخة توجب إتيان كل معصية ولا الجائر لغة كل من يأتي معصية بل من غلب جوره على عدله وفي الحديث ( بعثت في زمن الملك العادل ) يعني كسرى وإن كان الحديث ضعيفا
- ومعلوم أنه يأتي من الجور
- جانبا لو لم يكن إلا كفره بالله ورسله هذا
- وأما القول بأن الأصل الفسق كما قال العضد في شرح مختصر المنتهى وتابعه عليه الآخذون من كتابه وغيرهم واستدل بأن العدالة طارئة ولأنه أكثر ففيه تأمل لأن الفسق أيضا طارىء فإن الأصل أن كل مكلف يبلغ من سن تكليفه على الفطرة فهو عدل فإن بقي عليها من غير مخالفته لم يفسق ويأتي بما يجب فهو على عدالته مقبول الرواية وإن لابس المفسقات فله حكم ما لابسه
- ثم رأيت السعد في شرح الشرح قد أشار إلى هذا وتعقبه صاحب الجواهر بما ليس بجيد
- وأما الاستدلال بأن الأصل هو الغالب والفسق في المسلمين أغلب فقد قيد هذا بعض المحققين بأن الأغلبية إنما هي في زمن تبع تبع التابعين لا في زمن الصحابة والتابعين وتابعيهم لحديث ( خير القرون قرني ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم ثم يفشو الكذب ) قلت وقوله صلى الله عليه و سلم ( ثم يفشو
- الكذب ) يشعر بأن الخيرية بالنظر إلى صدق الأقوال
- وأما استدلال من استدل على أغلبية الفسق بقوله تعالى ( وقليل ما هم ) ( وقليل من عبادي الشكور )
- ( وما أكثر الناس ولو حرصت بمؤمنين ) فغير جيد إذ المراد أن المؤمنين قليل بالنسبة إلى الكفار كما يدل عليه سياق الآيات إلا أن أهل العدالة قليل بالنسبة إلى المسلمين الذين ليسوا بعدول
- ثم قال فيحمل الفرد المجهول على الأعم الأغلب فهذا بعد تسليم أن الأغلب الفسق ليس لنا أن نحمل المسلم المجهول العدالة على الأعم الأغلب وهو فسقه لأنه إضرار به وتفسيق لا بنص ولا قياس ولا شيء من الأدلة مع أنه قد تقرر أنه لا تفسيق إلا بقاطع
- ثم نعود إلى الاستدلال على أن المعتد في قبول الأخبار حصول ظن الصدق وأن مجهول العدالة مقبول خبره لما ثبت عن علي رضي الله عنه أنه كان يستحلف الراوي ومعلوم أنه لا يحلف معروف العدالة إذ العدالة مانعة من الكذب ومحصلة للظن بصدق خبره
- ولا يحلف المعروف بالفجور وعدم العدالة إذ يمينه لا ترفع الريبة عن خبره فالمحلف من يجهل حاله فيجوز أن تكون يمينه
- رافعة للريبة محصلة للظن ولذا قال وحدثني أبو بكر وصدق فإنه لما عرف عدالته لم يستحلفه كما هو ظاهر كلامه ولفظه كنت إذا سمعت من رسول الله صلى الله عليه و سلم حديثا ينفعني الله به ما شاء أن ينفعني وإن حدثني غيره استحلفته وحدثني أبو بكر وصدق ذكره الحافظ الذهبي في تذكرته وقال هو حديث حسن وساق طريقه
- ففيه دليل أن مناط القبول ظن الصدق وطلب الظن الأقوى مهما أمكن من وظيفة من يتقي الله حق تقاته وقد أمكن ها هنا تحصيله بيمين الراوي
- ويدل لذلك أنه صلى الله عليه و سلم كان يقبل خبر من يخبره ومعلوم أنه لظنه بالصدق حتى يبين الله له بالوحي عدم صدق المخبر مثل خبر زيد ابن أرقم حين أخبره بمقالة عبد الله بن أبي ثم لما جاء ابن أبي وعاتبه صلى الله عليه و سلم على ما قاله وبلغه وأقسم بالله ما قال شيئا وإن زيدا كاذب فعذره وصدقه صلى الله عليه و سلم وقال لزيد عمه ما أردت إلى أن كذبك رسول الله صلى الله عليه و سلم
- وفشت الملامة لزيد في الأنصار وكذبوه حتى أنزل الله تعالى سورة المنافقين بتصديق زيد رضي الله عنه وتكذيب ابن أبي فقد قبل صلى الله عليه و سلم خبر زيد أولا ورتب عليه عتاب ابن أبي ثم قبل حديث ابن أبي ورتب عليه الناس تكذيب زيد
- فإن قلت ابن أبي منافق والمنافق كافر فيلزم قبول خبر الكافر قلت قد ثبت بالإجماع بأن المنافقين لهم في الدنيا أحكام
- المؤمنين ومنها قبول أخبار من يظن صدقه منهم وهذا الحديث من أدلته في الباب وغيره من الأدلة فإنه صلى الله عليه و سلم قبل خبره مع علمه بنفاقه حتى أكذبه الله
- وكذلك قصة بني أبيرق وقوله صلى الله عليه و سلم ( هم أهل بيت يذكر عنهم إسلام وصلاح ) لما أخبره مخبر أنهم كذلك ثم أخبره تعالى
- بحقيقة حالهم وأنزل فيهم الآيات في سورة النساء
- فقد كان صلى الله عليه و سلم يقبل خبر من يخبره عن هؤلاء ويرتب عليه أحكاما ومعلوم أنه لا يعمل إلا بظن أو بعلم لا سبيل إلى الثاني هنا فهو يعمل استنادا في حصول الظن بخبرهم أو إحسان الظن بهم فإنهم لا يكذبون فإنه قد كان يتنزه عن الكذب الكفار لقبحه عندهم
- بل أبلغ من هذا أنه صلى الله عليه و سلم أمر بغزو بني المصطلق لما أخبره الوليد بن عقبة أنهم تجمعوا لرد رسوله حتى أنزل الله تعالى ( إن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا ) الآية
- إن قلت لعله صلى الله عليه و سلم ماكان يعمل بأخبار أهل ذلك العصر إلا لعدالتهم لا بمجرد حصول الظن بأخبارهم قلت الإنصاف أن أهل
- ذلك العصر كغيرهم فيهم العصاة وأهل التقوى ففيهم من ارتكب فاحشة الزنى وفيهم من شرب المسكر وحد عليه ومنهم من قذف المحصنات وفيهم من قتل النفس التي حرم الله وفيهم من غل من المغنم وفيهم من سرق وقطعت يده هذا في حياته صلى الله عليه و سلم
- وفيهم المنافقون لا يعلمهم رسول الله صلى الله عليه و سلم كما قال تعالى ( وممن حولكم من الأعراب منافقون ومن أهل المدينة مردوا على النفاق لا تعلمهم نحن نعلمهم سنعذبهم مرتين ) وفيهم المرجفون ( لئن لم ينته المنافقون والذين في قلوبهم مرض والمرجفون في المدينة ) وإذ كان لا يعلمهم صلى الله عليه و سلم ولا يعرف نفاقهم فيكف يميز العدل عن غيره وأما المنافقون المعروفون بالنفاق كابن أبي فسلف آنفا قبول أخبارهم ومعاملتهم معاملة من يظن صدقه صلى الله عليه و سلم من المؤمنين ما
- لم يكذبهم الله نعم من صحب المصطفى صلى الله عليه و سلم واتبعه حق الإتباع أمم من أهل ذلك العصر متقون رضي الله عنه ورضوا عنه وأعد لهم جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها أبدا إلا أنه لا يقتضي الحكم على أهل كل عصر بالعدالة
- إن قلت قوله صلى الله عليه و سلم ( خير القرون قرني ) الحديث
- تزكية منه صلى الله عليه و سلم لأهل عصره ومن بعدهم ممن ذكرهم
- قلت تقدمت الإشارة إلى أنه إخبار عن خيريتهم بالنظر إلى الصدق والعدالة أخص منه وكذلك الصدق شعار الأغلب منهم ولذا قال ثم يفشو الكذب فإنه يشعر أن ثم كذبا في تلك الأعصار المخبرة إلا أنه لا فشو غلبة
- فإن قلت الممادح جملة الواردة كتابا وسنة أدلة على عدالة أهل ذلك العصر
- قلت قد وردت الممادح في جملة الأمة ولا تقتضي تزكية
- الأفراد اتفاقا فكذلك هنا لأن الثناء على الجملة لا يقتضي الثناء على كل فرد فرد
- فإن قلت قبوله صلى الله عليه و سلم لأخبار أهل ذلك العصر دليل على عدالتهم ولا يقدح فيه أنه أتاه الوحي أن فيهم كذابين وأن ممن أخبره فاسقا قلت ومتى سلمنا أن العدالة التي رسموها شرط في قبول الرواية وأين دليلها ولا يتم الاستدلال بأن قبوله صلى الله عليه و سلم دليل لها حتى يتم أنها شرط وإلا فهو دور
- فإن قلت قد دار قبوله صلى الله عليه و سلم لأخبارهم على أحد الأمرين إما حصول الظن أو عدالة الراوي فحمله على أحد الأمرين دون الآخر تحكم
- قلت عدالة الراوي ما قام الدليل على شرطيتها وظن الصدق أمر لا بد منه إذ لا عمل إلا عن علم أو ظن فحملناه على المتيقن
- ونحن في مقام النفي لشرطية العدالة المخصوصة فالدليل
- المثبت على أنه قد قام الإجماع على قبول غير العدل على رسمهم العدالة والعمل بروايتهم من كل الأمة كما سنحققه الآن في سرد من رووا عنه في الأمهات التي هي عمدة أهل الإسلام من غير العدول على رسمهم العدالة
- قف على هذه النكتة
- ثقة المبتدع وقد قال الحافظ ابن حجر في مقدمة فتح الباري إنه لا أثر للتضعيف مع الصدق والضبط انتهى
- وهما مظنتا حصول الظن بصدق الراوي ورووا عن الخوارج وهم أشد الناس بدعة
- لأنهم يكفرون من يكذب فقبولهم لحصول الظن بخبرهم
- قال أبو داود ليس في أهل الأهواء أصح حديثا من الخوارج
- وفي البخاري من المبتدعة أمم لا يحصون وفي غيره من الأمهات وناهيك أنه أخرج لعمران بن حطان الخارجي المادح لقاتل علي رضي الله عنه بالأبيات المشهورة السائرة
- قال الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى قال المبرد وكان عمران بن حطان رأس القعد من الصفرية وخطيبهم
- وشاعرهم انتهى
- والقعد قوم يقولون بقول الخوارج ولا يرون الخروج بل يزينونه وكان عمران داعية إلى مذهبه أخرج له البخاري في المتابعات
- وأخرج البخاري وأبو داود والترمذي لعمران بن مسلم القصير قال يحيى القطان كان يرى القدر وهو مستقيم الحديث وأخرج الستة للفضل بن دكين وهو شيعي وأخرج الستة لأبي معاوية الضرير قال الحاكم احتجا به وقد اشتهر عنه الغلو
- قال الذهبي غلو التشيع وقد وثقه العجلي
- وأخرجوا أيضا لعدي بن ثابت وقد قال فيه ابن معين شيعي مفرط وقال الدارقطني رافضي غال
- وأخرج البخاري لإبراهيم بن طهمان وقد رموه بالإرجاء وأخرج البخاري لإسماعيل بن أبان وهو أحد شيوخه قال الجوزجاني كان مائلا عن الحق ولم يكن يكذب في الحديث قال ابن عدي يعني ما عليه الكوفيون من التشيع
- قال الحافظ ابن حجر الجوزجاني كان ناصبيا منحرفا عن علي فهو ضد الشيعي المنحرف عن عثمان والصواب موالاتهم جميعا ولا ينبغي لنا تسمع قول مبتدع في مبتدع انتهى
- وأخرج الشيخان لأيوب بن عايذ بن مدلج وثقة ابن معين وأبو حاتم والنسائي والعجلي وأبو داود وزاد أبو داود وكان مرجئا وقال البخاري وكان يرى الإرجاء إلا أنه صدوق
- وأخرج الجماعة لثور بن يزيد الديلمي شيخ مالك وثقة ابن معين وأبو زرعة والنسائي وغيرهم وقال ابن عبد البر صدوق لم يتهمه أحد وكان ينسب إلى رأي الخوارج والقول بالقدر ولم يكن يدعو إلى شيء من ذلك وقال ابن عبد البر فيه سئل مالك كيف رويت عن داود بن الحصين وثور بن يزيد وذكر غيرهما وكانوا يرون القدر فقال كانوا لئن يخروا من السماء إلى الأرض أسهل عليهم من أن يكذبوا
- وأخرج البخاري لثور بن يزيد الحمصي واتفقوا على تثبته في الحديث مع قوله بالقدر وكان يرمى بالنصب قال يحيى بن معين وكان يجالس قوما ينالون من علي رضي الله عنه لكنه كان لا يسب قال الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى احتج به الجماعة
- وأخرج البخاري وأصحاب السنن لحريز بن عثمان الحمصي
- ووثقه أحمد وابن معين والأئمة وقال الفلاس كان يبغض عليا رضي الله عنه وقال أبو حاتم لا أعلم بالشام أثبت منه ولم يصح عندي ما يقال فيه من النصب قال الحافظ ابن حجر جاء عنه ذلك من غير وجه وجاء عنه خلاف ذلك وروي عنه أنه تاب من ذلك
- وأخرج البخاري عن شيخه خالد القطواني قال ابن سعد كان متشيعا مفرطا وقال صالح جزرة ثقة إلا أنه يتشيع
- وأخرج البخاري وأصحاب السنن لحصين بن نمير الواسطي أبو محصن الضرير ووثقه أبو زرعة وغيره وقال أبو خيثمة كان يحمل على علي رضي الله عنه فلم أعد إليه
- وأخرج البخاري وغيره لهشام بن عبد الله الدستوائي أحد الأثبات مجمع على ثقته وإتقانه قال محمد بن سعيد كان
- حجة ثقة إلا أنه كان يرى القدر
- وأخرج البخاري والترمذي والنسائي ليحيى بن صالح أبو حائطي الحمصي وثقه ابن معين وأبو اليمان قال إسحاق بن منصور كان مرجئا
- إذا عرفت هذا فهؤلاء جماعة بين مرجىء وقدري وشيعي وناصبي غال وخارجي أخرجت أحاديثهم في الصحيحين وغيرهما ووثقوا كما سمعت وهم قطرة من رجال الكتب الستة الذين لهم هذه البدع وحكموا بصحة أحاديثهم مع الابتداع الذي ليس وراءه وراء وهل وراء بدعة الخوارج من شيء
- فهو دليل ناهض على إجماعهم على أن عمدة قبول الرواية وعلتها حصول الظن بصدق الراوي وعدم تلوثه بالكذب ألا ترى قول مالك في جماعة لا عدالة لهم كانوا لئن يخروا من السماء إلى الأرض أسهل عليهم من أن يكذبوا فما لاحظ إلا ظنه بصدقهم وقول من قال في إسماعيل بن أبان كان مائلا عن الحق إلا أنه كان
- لا يكذب في الحديث
- مناقشة غريبة وكذا توثيقهم لجميع من سمعت مع ذكرهم لعظائم بدعهم ما ذاك إلا لأن المدار على ظن الصدق لا غير
- وكفاك بقول الحافظ ابن حجر إنه لا أثر للتضعيف مع ظن الصدق والضبط
- وإذا عرفت هذا اتضح لك ما في رسم الصحيح والحسن من الاختلال حيث أخذوا عدالة الراوي شرطا فيهما وفسروا العدالة بما لا بدعة معه ووصلوا إلى محل التصحيح والتحسين فحكموا على أحاديث المبتدعة بهما
- وقد أطبقت على تلك الشريطة كتب أصول الحديث وكتب أصول الفقه حتى إنه لم يستدل ابن الحاجب في مختصر المنتهى ولا من تابعه كمؤلف نهاية السؤل وشرحها على شرطية العدالة في الراوي وإنما اشتغلا بتفسيرها
- كأن شرطيتها أمر قد علم من الدين ضرورة
- أقسام الرواة إنما قسموا الرواة ثلاثة أقسام معروف العدالة ومعروف الفسق ومجهول الحال لا يعرف فسقه ولا عدالته واستدلوا على عدم قبول الآخرين وأشار ابن الحاجب إلى دليل قبول العدل بالإجماع ولكن قبوله على غير شرطيته إذ معناه العدل مقبول ومعناها لا يقبل إلا العدل
- وكأنهم يقولون إذا تم الدليل على عدم قبول الآخرين علم أنه لا بد من شرطية العدالة إلا أن ما سمعته من أحوال رواة الصحيح والحسن يقلع هذا الاشتراط لهذه العدالة المعروفة عندهم كما عرفت بالكلية مع أنه إنما يلزم العلم بذلك لو كانت القسمة حاضرة وهي ليست كذلك لإمكان واقع وهو مفترق متغاير
- الحسنة
- الفرق بين الشهادة والرواية إن قلت لعلهم يقولون دليل شرطية عدالة الراوي القياس على عدالة الشهود الثابتة بالنص قلت اختلافهما في الشروط يمنع عن الإلحاق فإنه شرط في الشهادة العدد والذكورة وعدم القرابة للمشهود له وعدم العداوة للمشهود عليه ولم يشترط في الرواية ذلك فلا سبيل إلى الإلحاق
- مع أنهم قد صرحوا أنه لا يلزم في الرواية ما يلزم في الشهادة لأن باب الشهادة أضيق ولإلحاق الأخف على الأغلظ
- وبعد هذا يظهر لك أنه لا اعتماد إلا على ظن الصدق وكون الراوي مصونا عن الكذب كما عرفت من نصوص أئمة الحديث
- نعم الإشكال عليهم في قبول رواية الرافضي الساب للصحابة والناصبي الساب لعلي رضي الله عنه مع عدهم السب للصحابة من الكبائر كما صرح به في جمع الجوامع وفي الفصول فإذا
- قبلوا فاعل الكبيرة وليس إلا لظن صدقه مع أن مرتكب الكبيرة فاسق تصريح لا تأويل
- وقد سبق في تفسير العدالة أنه لا بد من السلامة منه وقد نقل الإجماع على عدم قبول قول فاسق التصريح كما في الفصول وغيره واستدل له صاحب الفصول بقوله تعالى ( إن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا ) الآية
- وأصاب في الاستدلال بها على ذلك لأنها نزلت في الوليد ابن عقبة كما تطابق عليه أئمة التفسير وهو فاسق تصريح بشربه الخمر كما في صحيح مسلم وذكره بشرب الخمر ابن عبد البر والذهبي وإن كان نزول الآية لسبب قضيته مع بني المصطلق وكذبه عليهم كما هو معروف
- ولم يصب ابن الحاجب وصاحب الغاية في الاستدلال
- بها على رد فاسق التأويل لما سمعت من أنها نزلت في فاسق التصريح ولا يقال لا يقصر العام على سببه بناء على أن الفعل في سياق الشرط يفيد العموم كما ذكره شارح جمع الجوامع ونسبه إلى ابن الحاجب لأنه بعد تسليم ذلك
- فسق التأويل ففسق التأويل اصطلاح عرفي ليس له في اللغة ذكر والآية لا تحمل على المعاني العرفية الحادثة والاصطلاح الجديد اتفاقا فعلى تسليم العموم شمل كل فاسق تصريح
- على أن في الاستدلال بها على عدم قبول خبره أبحاث ذكرها في العواصم تشير إلى شيء من ذلك وهو أنه تعالى قال ( فتبينوا ) أي فتوثقوا فيه وتطلبوا بيان الأمر وانكشاف الحقيقة ولا يعتمد قول الفاسق لأن من لا يتحامى عن جنس
- الفسوق لا يتحامى الكذب الذي هو نوع منه
- هذا كلامه ولا يخفى أنه قد مر غير مرة في هذه الرسالة التصريح بعدم لزوم الكذب للفسق بل للكفر وأنه تتنزه عنه الكفار فضلا عن الفساق وسيأتي تصريحه بتنزه الفساق عنه فيما سننقله من تنقيحه
- وقرأ ابن مسعود رضي الله عنه فتثبتوا والتثبت والتبين متقاربان وهما طلب الثبات والبيان والتعرف وفي تفسير البيان أوجب الله تعالى على المؤمنين التبين والتثبت عند إخبار الفاسق وشهادته
- قلت فالآية أمرت بالتبين كما في قوله تعالى ( إذا ضربتم في سبيل الله فتبينوا ) الآية وليس أمرا بالرد كما في قوله
- تعالى عند الأمر بالقذف ( ولا تقبلوا لهم شهادة أبدا ) وفي غيرهم ( لولا إذ سمعتموه قلتم ما يكون لنا أن نتكلم بهذا سبحانك هذا بهتان عظيم ) وفي الآية الأخرى ( لولا إذ سمعتموه ظن المؤمنون والمؤمنات بأنفسهم خيرا وقالوا هذا إفك مبين )
- فإن قلت الأمر بالتبين لخبره في معنى الأمر برده قلت لا بل رتب الله تعالى واجبا على خبره هو التبين فقد ثبت بخبره حكم بخلاف الرد فإنه لم يثبت بالمردود حكما أصلا إنما بقي شيئا معه على الأصل وهو براءة الذمة عدم الحكم بشيء فوجوده وعدمه سواء
- وقد عد صاحب العواصم في الاستدلال على عدم دلالة الآية على رد خبر فاسق التأويل كما صنع ابن الحاجب وصاحب الغاية ما ينيف على خمسة
- عشر إشكالا
- وإذا تتبعت ما سلف علمت أن الآية دلت على أنه يتوقف في خبر الفاسق تصريحا لا يرد بل يقتضي البحث عما أخبر به لا رد خبره
- فإن قلت قد وقع الإجماع على عدم قبول خبره ورده فيكف نافى الإجماع الآية قلت لا نسلم الإجماع كيف وهؤلاء أئمة الحديث رووا عن فساق التصريح الذين يسبون الشيخين ويسبون عليا وغيرهم وحينئذ فلا بد من تخصيص الكبائر في رسم العدالة بما عدا سب المسلم
- ومن هنا تزداد بصيرة في أن رسم العدالة بذلك الرسم لا يتم في حق الرواة وأن المرجع ليس إلا في ظن الصدق
- فإن قلت قد أبطل الله تعالى شهادة القاذف فقال ( ولا تقبلوا لهم شهادة أبدا ) والقذف كبيرة فيلحق به سائر الكبائر في عدم القبول لأخبار مرتكبها
- قلت أما أولا فإنه قياس فاسد الوضع لمصادمته آية التبين
- وثانيا إنه لا قياس لكبيرة على كبيرة لعدم معرفة الوجه الجامع وإلا لزم إيجاب حد القذف في كل كبيرة بالقياس عليه
- فالحق أن القذف لعظم حرمة المؤمنات وهتك حجاب عفتهن كانت عقوبة القاذف شديدة في الدنيا بأمرين جلده ثمانين جلدة ثم إسقاطه عن قبول الشهادة ولو في حبة خردل فلا يحلق به غيره
- فإن قلت وكيف يعرف أن المخبر يفيد خبره الظن فإنه إنما يعرف ذلك من خالط المخبر قلت ما يعرف به عدالة المخبرين الذين لم يلقهم المخبر له يعرف صدق المخبرين فإن معرفة أحوال الرواة من تراجمهم يفيد ذلك
- المبتدع الداعية إلى بدعت
- تنبيه سبقت الإشارة إلى أنهم قد استثنوا من المبتدعة الداعية فقالوا ولا يقبل خبره قال في التنقيح فإن قلت ما الفرق بين الداعية وغيره عندهم قلت ما أعلم أنهم ذكروا فيه شيئا ولكن نظرت فلم أجد غير وجهين
- أحدهما أن الداعية شديد الرغبة في استمالة قلوب الناس إلى ما يدعوهم إليه فربما حمله عظيم ذلك على تدليس أو تأويل
- الوجه الثاني أن الرواية عن الداعية تشتمل على مفسدة وهي إظهار أهليته للرواية وأنه من أهل الصدق والأمانة وذلك تغرير لمخالطته وفي مخالطة من هو كذلك للعامة مفسدة كبيرة
- قلت وهذا الوجه الآخر قد أشار إليه أبو الفتح القشيري نقله عنه الحافظ ابن حجر ثم قال في التنقيح والجواب عن الأول أنها تهمة ضعيفة لا تساوي الورع أي المانع الشرعي الذي يمنع ذلك المبتدع المتدين من الفسوق في الدين وارتكاب دناءة الكذب
- الذي يتنزه عنه كثير من الفسقة المتمردين
- كيف والكاذب لا يخفى تزويره وعما قليل ينكشف تدليسه وتغريره ويفهمه النقاد وتتناوله ألسنة أهل الأحقاد وأهل المناصب الرفيعة يأنفون من ذلك فكيف إذا كانوا من أهل الجمع بين الصيانة والديانة
- وقد احتجوا بقتادة لما قويت عندهم عدالة أمانته وهو داعية على أصولهم إلى بدعة الاعتزال
- قال الذهبي في التذكرة كان يرى القدر ولم يكن يقنع حتى كان يصيح به صياحا
- ثم قال صاحب التنقيح والجواب عن الثاني أنا نقول إما أن يقوم الدليل الشرعي على قبولهم أو لا إن لم يدل على
- وجوب قبولهم لم نقبلهم دعاة كانوا أو غير دعاة وإن دل على وجوب القبول لم يصلح ما أورده مانعا من امتثال الأمر ولا مسقطا انتهى
- فعلمت من هذا كله قبول من لم يتهم بالكذب وعدم شرطية العدالة بالمعنى الذي أرادوه وهو أنه لا يرد من المبتدعة إلا من أجاز الكذب لنصرة مذهبه كالخطابية
- جلالة الصحابة واعلم أنها سبقت إشارة إلى شأن الصحابة رضي الله عنهم عند ذكرنا أهل العصر النبوي فهو أعم من أصحابه وأما الصحابة رضي الله عنهم فلهم شأن جليل وشأو نبيل ومقام رفيع وحجاب منيع فارقوا في دين الله أهلهم وأوطانهم وعشائرهم وإخوانهم وأنصارهم وأعوانهم وهم الذين أثنى الله جل جلاله عليهم في كتابه وأودع ثناءهم شريف كلامه وخطابه
- وفيهم الممادح النبوية والأخبار الرسولية بأنه لا يبلغ أحد مد أحدهم ولا نصيفه ولو أنفق مثل أحد ذهبا
- إلا أن تفسير الصحابي بمن لقيه صلى الله عليه و سلم أبو بمن رآه وتنزيل تلك الممادح عليه فيه بعد يأباه الإنصاف ولا يقال لرعية الملك أصحاب الملك وإن رأوه ورآهم ولقوه ولقيهم بل أصحابه من لهم به اختصاص وهم طبقات في ذلك متفاوتة نعم هذا
- اللفظ الذي هو لفظ الصاحب فيه توسع في اللغة كثير يطلق على من لابس أي شيء ولو من الجمادات ( يا صاحبي السجن ) ( أصحاب الجنة ) و ( أصحاب النار ) وعلى من ليس على ملة من أضيف إليه ( قال له صاحبه وهو يحاوره أكفرت ) وبالجملة فاللفظ متسع نطاق إطلاقه غير مقيد بشيء يخصه
- إلا أن الفرد الكامل عند إطلاقه على الملازم لمن أضيف إليه وإن أطلق على من رآه أو لقيه فإنه أقل من الأول قطعا استعمالا وتبادرا حال الإطلاق وليس كل من رأى من أضيف إليه يصلح إطلاقه عليه فإن أهل الجنة يرون النار وأهلها ( وإذا صرفت أبصارهم تلقاء أصحاب النار ) ( فرآه في سواء الجحيم ) ولا يقال لهم أصحاب النار
- ولم يدر الإطلاق على الرؤية كما دار على الملازمة فإنه يطلق على من لم يره المصاحب ولا لاقاه كما يقال قتل من أصحاب الملك في المعركة الفلانية كذا ومن أصحاب عدوه كذا ولعل فيمن قتل من لم يلق الملك ولا رآه بل يقال لمن في مصر مثلا أصحاب السلطان وما رآهم ولا رأوه لما كانوا ينتسبون إليه في أي أمر
- وإذا تقرر هذا فهو وإن صح الإطلاق على من لاقاه صلى الله عليه و سلم ولو لحظة من ليل أو نهار إلا أن الممادح القرآنية والأحاديث النبوية والصفات الشريفة العلية التي كانت هي الدليل على عدالتهم وعلو
- منزلتهم ورفعة مكانهم تخص الذين صحبوه صحبة محققة ولازموه ملازمة ظاهرة الذين قال الله تعالى فيهم ( محمد رسول الله والذين معه أشداء على الكفار رحماء بينهم تراهم ركعا سجدا يبتغون فضلا من الله ورضوانا سيماهم في وجوههم من أثر السجود )
- فهذه الصفات إما كاشفة أو مقيدة وعلى كل تقدير فليس كل من رآه له هذه الصفات ضرورة وكذلك الصفات التي بعدها في قوله تعالى ( ومثلهم في الإنجيل )
- نعم لمن رآه مؤمنا به ولاقاه واكتحل بأنوار محياه شرف لا يجهل وقد قال صلى الله عليه و سلم ( طوبى لمن رآني ولمن رأى من رآني طوبى لهم وحسن مآب ) أخرجه الطبراني وفيه بقية إلا أنه صرح
- بالسماع فزال ما يخاف من تدليسه كما قاله الهيثمي
- إلا أنه قال لا يبلغ إلى محل من لاقاه ولازمه في صباحه ومساه ولازمه في حله وأرحاله وتابعه في جميع أفعاله وأقواله واستمر على طريقته التي كان عليها بعد وفاته فهؤلاء هم أعيان الصحابة وهم أعني
- هؤلاء أمم لا يحصون أهل بدر وأحد والحديبية وبيعة الرضوان
- والمحدثون وإن أطلقوا أن كل الصحابة عدول فقد ذكروا قبائح لجماعة لهم رؤية تخرجهم عن عموم دعوى العدالة كما قال الحافظ الذهبي في النبلاء في مروان بن الحكم لعنه الله ما لفظه بعد سياق طرف من أحواله وحضر الوقعة يوم الجمل وقتل طلحة ونجا وليته ما نجا انتهى
- وفي الميزان مروان بن الحكم له أعمال موبقة نسأل الله السلامة رمى طلحة بسهم وفعل وفعل
- فهذا تصريح بفسقه وقال في ترجمة طلحة من النبلاء إن مروان بن الحكم قاتل طلحة ثم قال قاتل طلحة في الوزر كقاتل علي رضي الله عنه
- وقال ابن حزم في أسماء الخلفاء والأئمة أن مروان
- ابن الحكم أول من شق عصا المسلمين بلا شبهة ولا تأويل وذكر أنه قتل النعمان بن بشير أول مولود في الإسلام للأنصار صاحب رسول الله صلى الله عليه و سلم وذكر أنه خرج على ابن الزبير بعد أن بايعه على الطاعة
- وقال ابن حبان في صحيحه عائذا بالله أن يحتج بمروان وذويه في شيء من كتبنا وكل من أئمة الحديث تكلم بما هو وقع منه
- والعجب من الحافظ ابن حجر حيث قال مروان بن الحكم يقال له رؤية فإن ثبتت فلا يعرج على من تكلم فيه ثم قال فأما قتل طلحة فكان فيه متأولا كما قرره الإسماعيلي وغيره
- ثم قال إنما حمل عنه من روى عنه البخاري عن مروان أنه قبل خروجه على ابن الزبير ثم قال وقد اعتمد مالك على حديثه ورأيه والباقون سوى مسلم انتهى
- فقوله إن ثبتت له رؤية فلا يعرج على من تكلم فيه
- هو محل
- التعجب كادت الرؤية تجاوز حد العصمة وأن لا يخرج من ثبتت له بقتل نفس معصومة ولا غيرها من الموبقات وكلام الذهبي فيه هو الإنصاف دون كلام الحافظ ولو اقتصر في العذر لرواية البخاري وغيره عنه بما نقله عن عروة بن الزبير أن مروان باغ كان لا يتهم في الحديث لكان أقرب وأن العمدة تحري الصدق
- وأما اعتذاره بأنه قتل طلحة متأولا فعذر لا يبقى معه لعاص معصية بل يدعي له التأويل وهو كتأويل من تأول لمعاوية في فواقره أنه مجتهد أخطأ في اجتهاده مع أنه قد نقل العلامة العامري الإجماع على أنه باغ والباغي غير مجتهد في بغيه وإلا لما سمي باغيا
- وفي العواصم وقد اعترف أهل الحديث بأجمعهم بأن المحاربين لعلي رضي الله عنه معاوية ومن تبعه بغاة عليه وأنه صاحب الحق انتهى
- وأما قبول روايتهم عن البغاة فلما عرفت من الإجماع على
- قبولهم وأنه ليس مدار الرواية إلا على ظن الصدق وأحسن من قال
- ( قالوا النواصب قد أخطأ معاوية ... في الاجتهاد وأخطأ فيه صاحبه )
- ( والعفو في ذاك مرجو لفاعله ... وفي أعالي جنات الخلد راكبه )
- ( قلنا كذبتم فلم قال النبي لنا ... في النار قاتل عمار وسالبه ) ثم قوله فلا يعرج على من تكلم فيه إن ثبتت له الرؤية مراده إلا إذا لم يثبت فيقبل فيه القدح وقد نقضه آخر لما قال إنما روى عنه من روى قبل خروجه على ابن الزبير انتهى
- إلا أن يقال مراده أنه لم يصح ثبوتها له ولو سلمنا أنه سمع فيه القدح فيجاب عنه بأنه لا يضر ذلك في الرواية عنه قبل وقوع ما جرح به فلا يخدش ذاك في هذا وقد خالف المحدثون ابن
- حجر فإنهم صرحوا بفسق من له رؤية كبسر بن أرطاة
- قال الدارقطني كانت له صحبة ولم تكن له استقامة بعد رسول الله صلى الله عليه و سلم وقال ابن عبد البر كان ابن معين يقول إنه رجل سوء قال ابن عبد البر وذلك لعظائم ارتكبها في الإسلام
- وكذلك الوليد بن عقبة قال الذهبي في النبلاء في ترجمته كان يشرب الخمر وحد على شربها وروي شعره في شربها قال وهو الذي صلى بأصحابه الفجر أربعا وهو سكران ثم التفت إليهم وقال أزيدكم وقد ذكر المحدثون في كتب معرفة الصحابة من ارتد وكفر من الصحابة بعد إسلامه والكفر أعظم الكبائر
- والقصد من هذا بيان أن أقوال الحافظ إن ثبتت رؤية لمروان فلا يعرج على من تكلم فيه في أنه جعل الرؤية كالعصمة وكلامه خلاف ما عليه أئمة الحديث
- ولا يقال من ارتد فقد استثنوه من اسم الصحبة لأنا نقول ليس مرادنا إلا أن الرؤية ليست بمانعة من ارتكاب المعاصي ولا يقال فيها إن ثبتت فلا يعرج على كلام من تكلم في صاحبها فإن هذا أصل لم يوافق قائله عليه ولا يطابق ما عرف من كلام أئمة الحديث
- نتائج البحث وإذا أحطت علما بما أسلفناه فها هنا فوائد هي كالنتائج والفروع لما قدمناه
- الأولى أن التوثيق ليس عبارة عن التعديل في اصطلاحهم بل عن أن الموثق اسم مفعول صادق لا يكذب مقبول الرواية كما سمعته من توثيقهم من ليس بعدل
- فالعدالة في اصطلاحهم أخص من التوثيق ووجود الأعم
- لا يستلزم وجود الأخص
- الثانية التعديل بأنه أخرجه له الشيخان كما يقولونه كثيرا أو أحدهما أو احتجا به أو أحدهما ليس تعديلا بل هو توثيق أيضا
- فقول الشيخ أبي الحسن المقدسي في الرجل الذي يخرج عنه في الصحيح هذا جاز القنطرة حتى لا يلتفت إلى ما قيل فيه كأنه يريد كثير منهم جازها وإلا فكيف يجوزها النواصب وغلاة الشيعة وأهل الإرجاء والمبتدعة ممن هم في الصحيح
- الثالثة قدح المبتدع في المبتدع لا يقبل على أصلهم كما قال الحافظ في الرد على الجوزجاني في قدحه على إسماعيل بن أبان بالتشيع وهذه فائدة جليلة تؤخذ من غضون الأبحاث وقد صرح بها الأصوليون حيث قالوا لا يقبلان أي الجرح والتعديل إلا من عدل
- ولكنه لا يتم إلا لمن عد ترك البدعة من ماهية العدالة كما فعله الحافظ وابن الحاجب لا كما نقله صاحب غاية السؤل فإنه حذف قيد الابتداع ولم يبين في شرحه وجه حذفه كأنه لما قاله السعد في شرح الشرح إن في كون البدعة مخلة بالعدالة نظر انتهى ولم يبين وجه النظر إلا يكون أن الغزالي لم يذكرها في رسم العدالة ولم يتكلم صاحب جواهر التحقيق على هذا
- وقد عرفت مما أسلفناه أن الأولى ترك قيد الابتداع إلا أن يدرج في الكبائر لما عرفت من نهوض الأدلة على أنها منها وقد عده صاحب الزواجر منها وهو صادق عليه حدها بأنها ما توعد عليه بعينه كما في الفصول وجمع الجوامع فما نظره السعد غير صحيح إلا أن يريد أنها قد دخلت في قيد من قيود حد العدالة وإلا صح أن هذا مراده فإنه جعل محل النظر إخلالها بالعدالة
- وإذا عرفت أنه لا يقبل مبتدع في مبتدع فقد قل من خلا عن الابتداع من الجارحين لغيرهم فلا ينبغي على ما قالوا إنه يقبل قول
- جارح حتى يعلم خلوه من البدعة بجميع أنواعها لإطلاقهم إياها في الرسم
- الرابعة من يقبل فساق التأويل وينقل الإجماع على قبولهم كالأمير الحسين صاحب الشفاء فإنه قال في كتابه شفاء الأورام في كتاب الوصايا وأما الفاسق التأويل فإنا لا نبطل كفاءته في النكاح كما تقدم ونقبل خبره الذي نجعله أصلا للأحكام الشرعية لإجماع الصحابة على قبول أخبار البغاة على أمير المؤمنين عليه السلام وإجماعهم حجة انتهى
- فلا يعاب عليه روايته عن المغيرة بن شعبة أول حديث في كتابه وغيره يعاب عليه قدحه في جرير بن عبد الله ورده لخبره بعد ما جعل غيره مقبولا معه وهو البغي
- الخامسة قول الأصوليين من طرق التعديل رواية من لا يروي إلا عن عدل طريقة عزيزة الوجود بل عديمة فإن هذين
- الشيخين صاحبي الصحيح هما أحسن الناس رجالا وكذلك النسائي قال الذهبي وابن حجر يتعنت في الرجال وقد سمعت ما في كتبهم ممن ليس بعدل أو غيرهم أبعد وأبعد عن ذلك الالتزام
- وبه يعلم أن قول الحافظ ابن حجر إن شرط الصحيح أن يكون رواية معروفا بالعدالة فمن زعم أن أحدا منهم أي ممن في الصحيحين مجهول العدالة فكأنه نازع المصنف أيضا في دعواه أنه معروف ولا شك أن المدعي لمعرفته مقدم على من يدعي عدم معرفته لما مع المثبت من زيادة العلم انتهى
- هذا مسلم في هذا النوع لكن كيف يتم فيمن عرف بعدم العدالة كعمران بن حطان من رجال البخاري ومروان من رجالهما لما عرفت من اعتماد مالك على مروان واعتماد الشيخين على مالك وقولهم ليس لمروان في مسلم سلم لكن مالك من
- رجال مسلم وربما كان فيه من حديث مروان من طريقه وقد تقرر أن الجارح أولى من المعدل لأن عنده زيادة علم ولأن قبوله عمل بالجارح والمعدل والإعمال أولى من الإهمال
- إن قلت ما روى ملتزم الرواية عن العدول إلا عن عدل في ظنه ولعله لم يطلع على ما فيه من قدح أو كان يرى إنما قدح به ليس بجارح عنده لاختلاف أنظار النظار إلى ذلك
- قلت معلوم أن هذا مراد الملتزم وعذره إلا أنا نقول بعد تتبع النقاد لرواية ذلك الملتزم ووجودهم في رواية المجروحين وغير العدول شكك ذلك على الناظر في عدالة من روى عنه هؤلاء الملتزمون لعدالة الرواة لتجويز أنه ليس بعدل ودليل التجويز ظهور غير العدل في روايتهم وحينئذ فلا يبقى مجرد روايات من لا يروي إلا عن عدل تعديلا وهذا أوضح ويأتي هذا في الفائدة العاشرة
- السادسة من البعد عن الإنصاف قول ابن القطان إن في رجال الصحيحين من لا يعلم إسلامه فضلا عن عدالته وكم بين هذا وبين قول الحافظ السابق آنفا وكلام ابن القطان وإن تلقاه بعض محققي المتأخرين بالقبول فليس بمقبول إذ من المعلوم أنه لا يروي أحد من أهل العلم كلام رسول الله صلى الله عليه و سلم عن غير مسلم فلا بالإفراط ولا بالتفريط وكلا طرفي قسط الأمور ذميم
- السابعة قول الذهبي إن أهل البدعة الكبرى الحاطين على الشيخين الدعاة إلى ذلك لا يقبلون ولا كرامة غير صحيح فقد
- خرجوا الجماعة من أهل هذا القبيل كعدي بن ثابت وتقدم لك أنه قال الدارقطني رافضي غال
- وأخرج الستة لأبي معاوية الضرير قال الذهبي إنه غال في التشيع ووثقه العجلي ولا يخفى من وثقوه من أهل هذه الصفة
- ولا تراهم يعولون إلا على الصدق كما قال البخاري في أيوب ابن عائذ بن مدلج كان يرى الإرجاء إلا أنه صدوق وقد وثقه من سلف
- والعجب من قول غلاة الشيعة ورد مثل الحارث الأعور والقدح فيه بالتشيع حتى تكلف مسلم في مقدمة صحيحه بذكر أشياء عن الحارث لا تعد قدحا ولا جرحا كقوله إنه قال تعلمت الوحي في سنتين أو في ثلاث سنين وفي الرواية الأخرى القرآن هين الوحي شديد
- قال في شرح مسلم للنووي ذكر مسلم هذا في جملة ما أنكر على الحارث الأعور وجرح به وأخذ عليه من قبيح مذهبه وغلوه في التشيع وكذبه انتهى
- قلت العجب من القدح بهذه العبارات التي ما يكاد يتبين المراد بها مع صحة حملها على ما لا ضير فيه كما تسمعه عن الخطابي وأعجب من ذلك قول شارح مسلم إنها من قبيح مذهبه وغلوه في التشيع وأي مآس لهذه الألفاظ بالتشيع ما هذا بإنصاف
- ولقد أحسن القاضي عياض حيث قال أرجو أن هذا يعني الكلام الذي نقله مسلم عن الحارث من أخف أحواله لاحتماله الصواب فقد فسره بعضهم بأن الوحي هنا الكتابة ومعرفة الخط قال الخطابي يقال أوحى ووحي إذا كتب
- وعلى هذا ليس على الحارث في هذا درك انتهى
- إن قلت قد قدحوا فيه بالكذب قلت تعجبنا من
- قدحهم فيه بالتشيع ومن إثباتهم كلاما ليس فيه شيء من قدح ولا تشيع
- الثامنة أهل الحديث اتفق لهم في مخالفة فروعهم لأصولهم مثلما اتفق لأهل سائر الفنون أصلوا أنه لا يقبل الداعية وسمعت قبولهم له وأصلوا أنه لا يقبل غلاة الروافض وسمعت قبولهم لهم وأصلوا أنه لا يقبل غلاة أهل الإرجاء ونراهم يقبلونهم وأصلوا أنه لا يقبل أهل القدر ونراهم يقبلون من اتصف به وهذا كله يرشدك إلى صحة ما قررناه من أنه لا يلاحظ إلا ظن الصدق وأنه مدار الرواية
- ولقد كرر في العواصم أن المعتبر في الراوي ظن الصدق
- التاسعة كلام الأقران والمتضادين في المذاهب والعقائد لا ينبغي قبوله فقد فتح باب التمذهب عداوات وتعصبات قل من سلم منها إلا من عصمة الله قال الحافظ الذهبي في ترجمة أحمد
- ابن عبد الله بن أبي نعيم ما لفظه كلام الأقران بعضهم في بعض لا يعبأ به لا سيما إذا لاح لك أنه لعداوة أو لمذهب أو لحسد لا ينجو منه إلا من عصمه الله وما علمت أن عصرا من الأعصار سلم أهله من ذلك سوى النبيين والصديقين فلو شئت لسردت لك من ذلك كراريس انتهى
- وهذا كلام الذهبي ونصه وقد عيب عليه ما عابه عليه غيره قال ابن السبكي في الطبقات نقلا عن الحافظ صلاح الدين العلائي ما لفظه الشيخ شمس الدين الذهبي لا شك في دينه وورعه وتحريه فيما يقول ولكنه غلب عليه منافرة التأويل والغفلة عن التنزيه حتى أثر ذلك في طبعه انحرافا شديدا عن أهل التنزيه وميلا قويا إلى أهل الإثبات فإذا ترجم لأحد منهم أطنب في محاسنه وتغافل عن غلطاته وإذا ذكر أحدا من أهل الطرف الآخر كالغزالي وإمامه الجويني لا يبالغ في وصفه ويكثر من أقوال من طعن فيه وإذا ظفر لأحدهم بغلطة ذكرها
- وكذا في أهل عصرنا إذا لم يقدر على التصريح يقول في ترجمته والله يصلحه ونحو ذلك
- وسببه المخالفة في العقيدة
- انتهى
- قال ابن السبكي وقد وصل يريد الذهبي من التعصب وهو شيخنا إلى حد يسخر منه وأنا أخشى عليه يوم القيامة من غالب علماء المسلمين والذي أفتي به أنه لا يجوز الاعتماد على شيخنا الذهبي في ذم أشعري ولا مدح حنبلي
- وأقول الصلاح العلائي وابن السبكي شافعيان إمامان كبيران والذهبي إمام كبير الشأن حنبلي المذهب وبين هاتين الطائفتين في العقائد وفي الصفات وغيرها تنافر كلي فلا يقبلان عليه تعين ما قالاه
- وقال ابن السبكي قد عقد ابن عبد البر بابا في حكم قول العلماء بعضهم في بعض بدأ فيه بحديث الزبير دب إليكم داء الأمم قبلكم الحسد والبغضاء
- قال ابن السبكي وقد
- عيب على ابن معين كلامه في الشافعي وتكلمه في مالك بن أبي ذئب وغيره
- قلت إذا كان الأمر كما سمعت فكيف حال الناظر في كتب الجرح والتعديل وقد غلب التمذهب والمخالفة في العقائد حتى إنه يوصف الرجل بأنه حجة أو يوصف بأنه دجال باعتبار اختلاف حال الاعتقادات والأهواء
- فمن هنا كان أصعب شيء في علوم الحديث الجرح والتعديل فلم يبق للباحث طمأنينة إلى قول أحد ثم ما بعد قول ابن السبكي إنه لا يقبل قول الذهبي في مدح حنبلي ولا ذم أشعري
- وقد صار الناس عالة على الذهبي وكتبه ولكن الحق أنه لا يقبل على الذهبي بما ذكره هو وبما ذكره الذهبي أنهم لا يقبلون الأقران بعضهم على بعض
- ثم إن كان مرادهم بالأقران المتعاصرون في قرن واحد والمتساوون في العلوم فهو مشكل لأنه لا يعرف حال الرجل إلا من عاصره ولا يعرف حاله من بعده إلا بأخبار من قارنه
- إن أريد الأول وإن أريد الثاني فأهل العلم هم الذين يعرفون أمثالهم ولا يعرف أولي الفضل إلا ذوو الفضل فالأولى إناطة ذلك لمن يعلم أن بينهما تنافسا أو تحاسدا أو شيئا يكون سببا لعدم الثقة لقبول بعضهم في بعض لا لكونه من الأقران فإنه لا يعرف عدالته ولا جرحه إلا من أقرانه وأعظم ما فرق بين الناس هذه العقائد والاختلاف فيها فليحذر عن قبول المختلفين فيها بعضهم في بعض قبل البحث عن سبب القدح والتثبت في صحة نسبته إليه وأعون شيء على معرفة ذلك في هذه الأعصار البحث في كتب الرجال المتعددة المختلف مؤلفوها وسنقرر آخرا ما يكشف هذه الغمة
- العاشرة وجود الحديث في الصحيحين أو أحدهما لا
- يقضي بصحته بالمعنى الذي سبق لوجود الرواية فيهما عمن عرفت أنه غير عدل فقول الحافظ ابن حجر أن رواتهما قد حصل الاتفاق على تعديلهم بطرق اللزوم محل نظر لقوله إن الأمة تلقت الصحيحين بالقبول هو قول سبقه إليه ابن الصلاح وأبو طاهر المقدسي وأبو عبد الرحيم عبد الخالق وإن اختلف هؤلاء في إفادة هذا التلقي العلم أو الظن
- وبسط السيد محمد بن إبراهيم الأمير رحمه الله سبب الخلاف في كتبه وأنه جواز الخطأ على المعصوم في ظنه أو عدمه وطول الكلام في ذلك أيضا
- ولنا عليه أنظار وأودعناها رسالتنا المسماة حل العقال وصحته في حيز المنع
- بيان ذلك أنا نورد عليه سؤال الاستفسار عن طرفي هذه
- الدعوى فنقول في الأول هل المراد أن كل الأمة من خاصة وعامة تلقتها بالقبول أو المراد علماء الأمة المجتهدون ومن البين أن الأول غير مراد وأن الثاني دعوى على كل فرد من أفراد الأمة المجتهدين أنه تلقى الكتابين بالقبول فلا بد من البرهان عليها وإقامته على هذه الدعوى من المتعذرات عادة كإقامة البينة على دعوى الإجماع الذي جزم به أحمد بن حنبل وغيره أن من ادعاه فهو كاذب
- وإن كان هذا في عصره قبل عصر تأليف الصحيحين فكيف من بعده والإسلام لا يزال منتشرا وتباعد أطراف أقطاره والذي يغلب به الظن أن من العلماء المجتهدين من لا يعرف الصحيحين إذ معرفتهما بخصوصهما ليست شرطا في الاجتهاد وبالجملة فنحن نمنع هذه الدعوى ونطالب بدليلها
- السؤال الثاني على تقدير تسليم الدعوى الأولى فهل المراد بالتلقي بالقبول تلقي أصل الكتابين وجملتهما وأنهما لهذين الإمامين الجليلين الحافظين فهذا لا يفيد إلا الحكم بصحة نسبتهما إلى مؤلفيهما
- ولا يفيد المطلوب أو المراد بالتلقي بالقبول لكل فرد من أفراد أحاديثهما وهذا هو المفيد المطلوب إذ هو الذي رتب عليه الاتفاق على تعديل رواتهما فإن المتلقي بالقبول هو ما حكم المعصوم بصحته ظنا كما رسمه بذلك السيد محمد بن إبراهيم رحمه الله وهو يلاقي قول الأصوليين إنه الذي يكون الأمة بين عامل به ومتأول له إذ لا يكون ذلك إلا فيما صح لهم
- ويحتمل أنه يدخل في الحسن فلا يلاقي رسمه رسمهم إلا أنه لا يخفى عدم صحة هذه الدعوى وبرهان ذلك ما سمعته مما نقلناه من كلام العلماء من عدم عدالة كل من فيهما بل بالغ ابن
- القطان فقال فيهما من لا يعلم إسلامه وهذا تفريط وقد تلقاه بعض محققي المتأخرين كما أسلفناه
- وإنما قلنا إنه تفريط لما علم من أنه لا يروي أحد من أئمة المسلمين عن غير مسلم أحاديث رسول الله صلى الله عليه و سلم كما أن دعوى عدالة كل من فيهما إفراط وإذا كان كذلك فمن أين يتلقى بالقبول إلا أنه قد استثنى ابن الصلاح من التلقي بالقبول لأحاديثهما ما انتقاه الحفاظ كالدارقطني وابن مسعود الدمشقي وأبي علي الغساني قال الحافظ ابن حجر وهو احتراز حسن
- وقال وعده ما اجتمع لنا من ذلك مما في كتاب البخاري وشاركه مسلم في بعضها مئة وعشرة أحاديث وتتبعها الحافظ في مقدمة الفتح وأجاب عن العلل التي قدح بها وبسط الأجوبة
- وقال آخر ليست كلها واضحة بل أكثرها الجواب عنه ظاهر والقدح فيه مندفع وبعضها الجواب عنه محتمل واليسير منه في الجواب عنها تعسف انتهى معنى كلامه
- وأقول فيه أن المدعي تلقي الأمة بالقبول وهو أخص من الصحة وقد ذهب الأكثر ومنهم ابن حجر إلى إفادته العلم بخلاف ما حكم له لمجرد الصحة فغاية ما يفيد الظن ما لم ينضم إليه غير ذلك فيفيده وهذه الأحاديث مخرجة عن الصحيحين لا عن التلقي بالقبول فإن كان ما لم يصح غير متلقي فالصواب في العبارة أن يقال غير صحيحة لا غير متلقاه بالقبول لإيهامه أنها صحيحة إذ ليس عنها إلا التلقي بالقبول وهو أخص من الصحة ونفي الأخص لا يستلزم نفي الأعم والحال أنها ليست
- بصحيحة
- وأما قول السيد محمد بن إبراهيم الأمير رحمه الله إن الأمة تلقتها بالقبول وإن صاحب الكشاف والأمير الحسين ذكرا الصحيحين بلفظ الصحيح ونقل منهما ذلك
- ففي الاستدلال بهذا الإطلاق توقف عندي لأن لفظ صحيح البخاري وصحيح مسلم صارا لقبين للكتابين فإطلاق ذلك عليهما من إطلاق الألقاب على مسمياتها ولا يلزم منه الإقرار بالمعنى الأصلي الإضافي
- نعم لا شك أن الصحيحين أشرف كتب الحديث قدرا وأعظمها ذكرا وأن أحاديثهما أرفع الأحاديث درجة في القبول من غيرها لخصائص اختصا بها منها جلالة مؤلفيها وإمامتهما في هذا الشأن وبلوغهما غاية في الديانة والإتقان
- ثم ما رزق هذان الكتابان من الحظ والقبول عند أئمة هذا الشأن
- وفرسان ذلك الميدان فبحثوا عن رجالهما وتكلموا على كل ذرة فيهما مما لهما وعليهما فغالب أئمة الإسلام وأعلام الأعلام ما بين خادم لهما بالكلام عليهما على رجالهما أو معانيهما أو على لغتهما أو على إعرابهما أو مختصر فيهما أو مخرج عليهما
- فهما أجل كتب الحديث وأحاديثهما السالمة عن التكلم فيهما أقرب الأحاديث تحصيلا للظن المطلوب ونفس العالم أسكن إلى ما فيهما منها إلى ما في غيرهما هذا شيء يجده الناظر من نفسه إن أنصف وكان من أهل العلم إنما لا ندعي لهما زيادة على ما يستحقانه ولا يهضم منهما ما هو أهل له
- وأما قول البخاري لم أخرج في هذا الكتاب إلا صحيحا وما تركت من الصحيح أكثر
- وقوله ما أدخلت في كتابي الجامع إلا ما صح فهو كلام صحيح إخبار عن نفسه أنه تحري الصحيح في نظره
- وقد قال زين الدين إن قول المحدثين هذا حديث صحيح
- مرادهم فيما ظهر لنا عملا بظاهر الإسناد لأنه مقطوع بصحته في نفس الأمر لجواز الخطأ والنسيان على الثقة انتهى
- قلت فيجوز الخطأ والنسيان على البخاري نفسه فيما حكم بصحته وإن كان تجويزا مرجوحا لأنه بعد تتبع الحفاظ لما في كتابه فإظهار ما خالف هذا القول المنقول عنه فيه من الشرطية ما ينهض التجويز ويقود العالم الفطن النظار إلى زيادة الاختبار وهذا ما وعدنا به في آخر الفائدة الخامسة
- على أن البخاري ومسلما لم يذكرا شرطا للصحيح وإنما استخرج الأئمة لهما شروطا بالتتبع لطرق رواتهما ولم يتفق المتتبعون على شرط معروف بل اختلفوا في ذلك اختلافا كثيرا
- يعرف ذلك من مارس كتب أصول الحديث
- والأقرب أنهما لا يعتمدان إلا على الصدق والضبط كما اخترناه
- وقد صرح به الحافظ ابن حجر فيما أسلفناه عنه أنه لا أثر للتضعيف مع الصدق والضبط وأنهما لا يريدان العدل إلا ذلك إن ثبت عنهما أنهما شرطا أن لا تكون الرواية إلا عن عدل وسلمنا ثبوت اشتراطهما العدالة في الراوي فمن أين علم أن معناها
- عندهما ما فسرتموها به مما أسلفناه في رسمهما
- قال ابن طاهر شرط البخاري ومسلم أن يخرجا الحديث المجمع عليه ثقة نقله إلى الصحابي المشهور قال زين الدين ليس ما قاله بجيد لأن النسائي ضعف جماعة أخرج لهما الشيخان أو أحدهما
- قال السيد محمد بن إبراهيم رحمه الله ليس هذا مما اختص به النسائي بل قد شاركه غير واحد في ذلك من أئمة الجرح والتعديل كما هو معروف في كتب هذا الشأن ولكنه تضعيف مطلق غير مبين السبب وهو غير مقبول على الصحيح انتهى
- قلت ليس ما أطلقه السيد محمد رحمه الله بصحيح فكم من جرح في رجالهما مبين السبب كما سمعته فيما سلف ولئن سلم فأقل أحوال الجرح المطلق أن يوجب توقفا في الراوي وحثا على البحث عن تفصيل أحواله وما قيل فيه
- ولا شك أن هذا يفت في عضد القطع بالصحة
- وهذه فائدة مستقلة أعني تأثير القدح المطلق توقفا في المجروح يوجب عدم العمل بروايته حتى يفتش عما قيل وإلا لزم العمل والقطع بالحكم مع الشك والاحتمال وذلك ينافي القطع قطعا
- ولا نغتر بقولهم الجرح المطلق لا يعتبر به ففيه ما سمعت
- فإن قلت إذا كان الحال ما ذكرت من أنه لا يقبل الأقران بعضهم في بعض ولا التمذهب في غير أهل مذهبهم فقد ضاق نطاق معرفة الجرح والتعديل ولا بد منهما للناظر لنفسه وأهل المذاهب في هذه الأزمة كل حزب بما لديهم فرحون وكل فريق في غيرهم يقدحون
- قلت إن شددت يديك على ما أسلفناه لك من الأدلة أنه ليس الشرط في قبول الرواية إلا صدق الراوي وضبطه هان عليك هذا الخطب الجليل وحصل لك في أصل الرواية أصل أصيل وذلك أن غالب الجرح والتضعيف بمثل القول بالقدر والرؤية وبالإرجاء وبغلو التشيع وغيرها مما يعود إلى العقائد والمذاهب كخلق القرآن ومسألة الأفعال
- وليست عندنا هذه قوادح في الراوي من حيث الرواية وإن كان
- بعضها قادحا من حيث الديانة فباب الرواية غير باب الديانة وإذا كان قد تحقق الإجماع عل قبول رواية من سفك دم أهل الإسلام كسفك دماء عبدة الأوثان وأقدم عليهم بالسيف والسنان وأخاف إخوانه من أعيان أهل الإيمان لظن صدقه في الرواية وتأويله في الجنان وإن كان تأويله ترده العقول ولا تقبله الفحول كتأويل معاوية أن قاتل عمار رضي الله عنه هو علي عليه السلام لأنه الذي جاء به إلى رماحهم وألقاه بين سيوفهم وكفاحهم وقد ألزمه عبد الله بن عمر بأن قال حمزة رضي الله عنه رسول الله صلى الله عليه و سلم فأفحمه
- فالأولى قبول من يرى الإرجاء والقدر ونحوهما فإنه لم يعتقد ذلك ويدعو إليه إلا لاعتقاده أنه دين الله تعالى الذي قامت عليه الأدلة فلم يبق القدح عندنا إلا بالكذب أو سوء الحفظ أو الوضع وما لاقاه في معناه مع أن الكذب عنه رادع طبيعي في الجبلة ولذا قيل يطبع المؤمن على كل خلق ليس الخيانة والكذب وليس بحديث كما قد توهم
- وقد كان يتنزه عنه أشر خلق الله كالتسعة الرهط الذين يفسدون في الأرض ولا يصلحون فإنهم قالوا ( لنبيتنه وأهله ثم لنقولن لوليه ما شهدنا مهلك أهله وإنا لصادقون ) فإنه كما قال جار الله رحمه الله وفي هذا دليل قاطع على أن الكذب قبيح عند الكفرة الذين لا يعرفون الشرع ونواهيه ولا يخطر ببالهم
- ألا ترى أنهم قصدوا قتل نبي الله ولم يرضوا لأنفسهم أن يكونوا كاذبين حتى سووا للصدق في خبرهم حيلة يتصونون بها عن الكذب انتهى
- وفي خبر أبي سفيان مع هرقل الذي ساقه البخاري أوائل
- صحيحه أنه ترك الكذب لئلا يؤثر عنه هذا فكيف لا يتنزه عنه المسلمون بل أعيانهم وهم رواة كلامه صلى الله عليه و سلم فإن الراوي قد يلابس بعض ما ينكر عليه ولا يصدر عنه الكذب في روايته
- وهذا الزهري كان يخالط خلفاء الأموية ويلبس زي الأجناد ويفعل ما عابه عليه نظراؤه من أهل العلم في عصره وعدوه قبيحا عليه ولما ذكر له بعض خلفائهم كلاما في قوله تعالى ( والذي تولى كبره منهم ) الآية وكذب الزهري لما ذكر له الحق قال ما معناه والله لو كان إباحة الكذب بين دفتي المصحف أو نادى مناد من السماء بإباحته لما فعلته انتهى
- فتحرز عن الكذب وبالغ في التنزه عنه مع غشيانه لما عيب عليه
- وأما حديث ثم يفشو الكذب فلا ينافي أن تكون طائفة من الأمة متحرزة عنه فقد ثبت أنها لا تزال طائفة من الأمة على الحق ظاهرين لا يضرهم من خالفهم وأي طائفة أعظم من
- رواة حديثه صلى الله عليه و سلم ويؤيد ذلك حديث ( إنه يحمل هذا العلم عن كل خلف عدوله ) صححه ابن عبد البر وروي عن أحمد بن حنبل أنه
- @ 145 @
- حديث صحيح
- واعلم أنه ليس مرادنا من هذا نفي وقوع الكذب من الرواة بل قد تحقق وقوعه بلا ريب بل مرادنا أنه لا يقبل القدح بالكذب والوضع إلا فيمن علم خلاعته وتساهله في الدين وارتكابه للعظائم فإنه لا يقدم على الكذب عليه صلى الله عليه و سلم إلا من كان لا ديانة له محققة
- فلا يقال يعارض ما ذكرت من الورع عنه الداعي إليه وهو ما في النفوس من محبة الرئاسة بالتسمي بالمحدث والترفع والدعوى الباطلة بأنه حافظ للأحاديث راولها صاحب الروايات حافظ العصر ونحو ذلك من الألقاب القاطعة للأعناق الحاملة على تحلي الإنسان بغير ما هو أهله
- لأنا نقول هذا لا يكون إلا لمن له إلمام بمخافة الله وتقواه السامع للوعيد فيمن تقول عليه صلى الله عليه و سلم ما لم يقله ولا يصدر هذا إلا عن خليع تفضحه خلاعته وتنفر عنه وعن الرواية عنه وعن قبوله
- ولا يخفى على ناقد حقيقة حاله ومثل هذا لا يكون بحمد الله مقبولا عن أحد من طوائف الرواة ولا يقبل ترويجه بل هو أقرب شيء إلى الافتضاح فهو مأمون دخوله في الرواة الذين قبلهم أساطين الحفاظ المفتشين عن كل ذرة والمتتبعين كل لفظة
- ولا يكون الكذب إلا لخليع لا يبالي بالهتك كما قال بعض الخلفاء وقد عوتب على الكذب لو غرغرت به لهواتك ما فارقته
- كما قيل لكذاب هل صدقت قط فقال لولا أني صادق في قول لا لقلتها
- وأمثال هؤلاء قد صان الله أحاديث رسول صلى الله عليه و سلم أن يكونوا من رواتها وقد جعل الله لكلامه صلى الله عليه و سلم رونقا وطلاوة وحلاوة يكاد يعرف الممارسين لأحاديثه كلامه صلى الله عليه و سلم من كلام غيره فإنه قد أوتي صلى الله عليه و سلم جوامع الكلم وأتاه الله من البلاغة ما لم يؤت أحدا من العالمين ولمعاني كلامه ومقاصده ما يعرف به كلامه من كلام غيره في الأغلب
- وقد أخرج أحمد وأبو يعلى عن أبي أسيد وأبي حميد مرفوعا إذا سمعتم الحديث عني تعرفه قلوبكم وتلين له أشعاركم وأبشاركم وترون أنه منكم قريب فأنا أولاكم به وإذا سمعتم الحديث عني تنكره قلوبكم وتنفر منه أشعاركم وأبشاركم وترون أنه بعيد عنكم فأنا أبعدكم منه وإن كان قد
- ضعف فمعناه حسن فإن قلت إذا كانت أئمة الجرح والتعديل قد قيل فيهم ما قيل فكيف يأمن الناظر لديه أن يقولوا فيمن خالف مذهبهم كاذب أو وضاع وليس كذلك فكيف الثقة بهم قلت قد عرفنا من تتبع أحوالهم الإنصاف فيما يقولونه ألا تراهم يقولون ثقة إلا أنه كان يتشيع كان حجة إلا أنه كان يرى القدر كان ثقة إلا أنه كان مرجئا كان مائلا عن الحق ولم يكذب في الحديث كان يرى القدر وهو مستقيم الحديث فهذا دليل أن القوم كانوا يذكرون في الشخص ما هو عليه
- واتصف به من خير وشر ولا يتقولون عليه إذ لو كانوا يتقولون لرموا من خالفهم في المذاهب بالكذب ولما وثقوا شيعيا ولا قدريا ولا مرجئا
- وهب أنهم يتفق لهم شيء من ذلك فلا تأخذ بأول قول يطرق سمعك من إمام جرح وتعديل بل تتبع ما قاله فيه غيره واستقراء القرائن فلا بد وأن يحصل لك ظن تعمل به أو تقف على العمل به
- وصدق من درج من قبلنا وحسن حاله أو قبحه لا يعرف إلا بقرائن تؤخذ مما يسرده عنه الرواة والمؤرخون وأهل المعرفة بأحوال الناس وأيامهم وهذه قرائن دلت على إنصاف أئمة هذا الشأن وإن كانت لهم هفوات فإنه لم يثبت إلا عصمة الأنبياء من نوع الإنسان
- فإن قلت ما أردت من جمع هذه الكلمات قلت فوائد جمة وأمور مهمة يعرف قدرها من هو في هذا الشأن من الأئمة فقد اشتملت على نفائس الأنظار وعلى عيون مسائل يظمأ إلى معينها حملة الآثار وبيت قصيدها وعمدة مقصودها بيان أنه لا يشترط في قبول الرواة إلا ظن صدق الراوي وضبطه ولا يرد إلا بكذبه وسوء
- حفظه ونحوهما وأن هذا شرط متفق عليه بين كل طائفة
- والخلاف في القدح وما عداه قد أقمنا الأدلة على أنه لا قدح به في الرواية والله سبحانه ولي كل توفيق وهداية
- نسأله أن يرزقنا معرفة الحق واتباعه ويجعلنا أهله وأتباعه وصلى الله على من نرجو بجاهه الشفاعة في يوم الحشر والنشر وقيام الساعة وعلى آله وأزواجه أصحاب المؤمنين والحمد لله رب العالمين انتهى بحمد الله ==================💥💥💥💥💥💥💥💥
- 💥💥💥💥💥💥💥============3.=================
- كتاب : الحوادث الجامعة والتجارب النافعة
- المؤلف : ابن الفوطي
- بسم الله الرحمن الرحيم
- وبه نستعين
- تابع لسنة 626هـ أحد خدم الخليفة إلى المارستان العضدي ومعهم عبد العزيز ابن القبيطي، واعتبرت الحوائج التي في المخرن فسأل صاحب المخزن خازن المارستان والطبيب والقوام كم تكفي هذه الحوائج مرضى المارستان، فاتفقوا علي أن تكفيهم سنة، فقال قد أنهى ابن القبيطي أن المارستان خال من الحوائج وأنه يشتري ما يحتاج إليه المرضى ثم أمر به فصفع إلى أن وقع الى الأرض وتقدم بحمله الى حجرة المجانين فحبس بها مسلسلاً وأفرج عنه بعد شهر.
- وفي غرة رجب المبارك فرقت الرسوم بالبدرية وفتح الرباط المستجد بدار الروم الذي أنشأه الخليفة المستنصر بالله مجاور المسجد ذي المنارة الذ أمر بعمارته وأسكنه جماعة من الصوفية وجعل شيخهم الشيخ أبا نصر بن عبد الرزاق بن عبد القادر وخلع عليه وعلى الجماعة وعملت به الدعوة.
- وفيه استدعي شهاب الدين محمود بن أحمد الزنجاني مدرس النظامية إلى دار الوزارة فأخذ وهو على السدة يذكر الدروس وعزل وتوجه إلى داره بغير طرحه، ورتب عوضه عماد الدين أبو بكر محمد بن يحيى السلامي المعروف بابن الحبير وخلع عليه وأقره على تدريسه بمدرسة فخر الدولة ابن المطلب يعقد المصطنع وعلى المدرسة الاسبهبذية بين الدربين.
- وفيه أحضر أبو القاسم علي ابن البوري إلى باب النوبي وضرب مائة عصا وقطع لسانه وحمل إلى حبس المدائن وكان شابا حسن الصورة تام الخلقة جميلاً نقل عنه ما اقتضت السياسة أن يعمل به ذلك، نعوذ بالله من طوارق الليل والنهار.
- وفي شعبان تكامل بناء المسجد المستجد المعروف بقمرية بالجانب الغربي على شاطىء دجلة المقابل للرباط البسطامي ونقل إليه الفرش والآلات وقناديل الذهب والفضة والشموع وغير ذلك، وفتح في شهر رمضان ورتب فيه مصليا الشيخ عبد الصمد ابن أحمد بن أبي الجيش وأثبت فيه ثلاثون صبياً يتلقنون القرآن عليه. ورتب فيه معيد يحفظهم التلاقين ورتب أيضا فيه الشيخ حسن بن الزبيدي محدثاً يقرأ عليه الحديث النبوي في كل يوم اثنين وخميس. ورتب أيضا قارىء للحديث وجعل في المسجد خزانة للكتب وحمل إليها كتب كثيرة، وفيها نفذ فخر الدين أبو طالب أحمد بن الدامغائي والشيخ أبو البركات عبد الرحمن بن شيخ الشيوخ والأمير فلك الدين محمد بن سنقر الطويل الى جلال الدين منكوبري بن خوارز مشاه محمد بن تكش مع رسول كان وصل منه وهو يومئذ على خلاط محاصراً لها ونفذ له معهم تشريفات وكراع ولباس الفتوة. ووكل فخر الدين بن الدامغار في فتوته من الخليفة المستنصر بالله والشيخ أبو البركات نقيب الفتوة وكان ذلك بموجب سؤاله.
- وفي غرة ذي القعدة خلع على الأمير شمس الدين أصلانتكين وأخرج نائباِ عن أمير الحاج فورد الخبر الى بغداد أن قوماً من عرب البطنين خرجوا على الحاج وعدلوا بهم عن الطريق المسلوكة في كل سنة وطلبوا منهم خفارة واختطفوا من أطرافهم وأسفرت الحال الى تقرير أثني عشر ألف دينار تسلم إليهم وينصرفون عنهم فصححت لهم نفقات السبل ومال المخزن المعد للصدقة من غير الزام أحد من الحاج بشيء وانفصلوا عنهم فتقدم الخليفة بالتعيين على الأمير جمال الدين قشتمر وأن يخرج معه خمسة الآف فارس ويقصد الاعراب المذكورين فتوجه في ثاني عشر ذي الحجة فلما وصل الكوفة عين على جماعة نفذهم طلائع فلما وصل لينة عاد منهم من أخبره أن مددهم من الثعلبة الى زرود وهم يرقبون وصل الحاج فرحل من لينة على غير الطريق المسلوك فوصل من الطوالع من أخبره أن بينه وبين العرب نحو مرحلتين وهم نزول بالحضرا والثعلبية فجعل امراء العسكر ومشايخ العرب وعين لهم وقت اللقاء ثم ركب وسار ليلته أجمع حتى وصل إليهم فاقتتلوا أشد قتال فانهزمت العرب وقتل منهم خلق كثير فاحتوى العسكر على أموالهم دون أولادهم ونسائهم وأقاموا بالموضع المذكور إلى أن وصل الحاج الثعلبية واجتمعوا بهم واصطحبوا راجعين إلى بغداد.
- وفيها عزل محيي الدين يوسف ابن الجوزي عن النظر بخزانة الغلات بباب المراتب ورتب عوضه كمال الدين عبد الرحمن بن ياسين ثم عزل أيضاً عن ديوان الجوالي ورتب عوضه محي الدين محمد بن فضلان وتقدم إليه باعتماد الشرع المطهر في أخذ الجزية من أهل الذمة فزاد على من عليه دون الدينار لأنه لا يجوز في مذهب الشافعي رضي الله عنه أن يؤخذ من أحد أقل من دينار إذا كان فقيراً وأن كان متوسطا أخذ منه ديناران وأن كان غنيا أخذ منه أربعة دنانير، لايجوز أن ينقص أحد من أهل هذه الطبقات الثلاث عن هذه المقادير اقتداء بعمر بن الخطاب رضي الله عنه فإنه جعل أهل السواد ثلاث طبقات على ما تقدم شرحه اقتداء برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فإنه لما بعث معاذاً الى اليمن قاضياً أمره أن يأخذ من كل حالم دينارا وفي رواية ومن الغني أربعة دنانير ومن المتوسط دينارين ولا تقدير لاكثر الجزية فإنه لو طالب الامام أو نائبه أضعاف ذلك جاز حتى لو امتنعوا من اداء الزيادة كانوا ناقضين للعهد، وفيها توفى يعقوب بن صابر الحراني الأصل البغدادي المولد المنجنيقي. كان شيخاً فاضلاً مقدماً على أهل صناعته وعنده أدب ويقول الشعر فمن شعره:
- هل لمن يرتجي البقاء خلود ... وسوى الله كل حي يبيد
- والذي كان من تراب وأن عا ... ش طويلاً الى التراب يعود
- ومصير الانام طرا الى ما ... صار فيه آباؤهم والجدود
- منها:
- أين حواء أين آدم اذ فا تهما الخلد والثوى والخلود
- أين عاد بل أين جنة عاد ... ارم ابن صالح وثمود
- وهي طويلة، آخرها:
- لا الشقي الغوي من نوب الأ ... يام ينجو ولا السعيد الرشيد
- ومتى سلت المنايا سيوفا ... فالموالي حصيدها والعبيد
- ومن شعره:
- كلفت بعلم المنجنيق ورمية ... لهدم الصياصي وافتتاح المرابط
- ونظم القوافي والمديح لشقوتي ... فلم أخل في الحالين من قصد حائط
- وكان كثير الدخول على الوزير ناصر بن مهدي، ثم صار اذا جاء يجلس ظاهر الستر، فقال:
- قولوا لمولانا الوزير الذي ... أضاع ودي ونوى هجري
- وصوت إن جئت إلى بابه ... أجلسني في ظاهر الستر
- ان كان ذنبي إنني شاعر ... فاصفخ فقد ثبت من الشعر
- ثم انقطع عنه مدة، فلما دخل إليه أنكر عليه انقطاعه، فقال:
- وقالوا قد صددت وملت عنا ... فقلت أبيت تكرار المحال
- أنفت من الوداد إلى إناس ... رأوا حالي ولم يرثوا لحالي
- ثم هجاه فقال:
- خليلي قولا للخليفة أحمد ... توق وقيت السوء ما أنت صانع
- وزيرك هذا بين أمرين فيهما ... صنيعك ياخير البرية ضائع
- لئن كان حقا من سلالة حيدر ... فهذا وزير في الخلافة طامع
- وأن كان فيما يدعي غير صادق ... فاضيع ما كانت لديه الصنائع
- وله في غلام ثقيل الروادف:
- يقعده في النهوض ردف ... قيامتي دونه تقوم
- أفديه من مقعد مقيم ... عندي به المقعد المقيم
- وله في زامر:
- وزامر بات نديما لنا ... ما بين سكران ومخمور
- تقتلنا الخمر ونحيا به ... كأنه ينفخ في الصور
- وأنشد يوما قول القاضي الفاضل عبد الرحيم البيساني:
- القني في لظى فإن غيرتني ... فتيقن ان لست بالياقوت
- شمل النسج كل من حاك لكن ... نسج داود ليس كالعنكبوت
- فقال في جوابها:
- أيها المدعي الفخار دع الفخر ... لذي الكبرياء والجبروت
- نسج داود لم يفد صاحب الغا ... ر و كان الفخار للعنكبوت
- وكذلك النعام يبتلع الجمر ... وما الجمر للنعام يقوت
- وبقاء السمند في لهب النار ... مزيل فضيلة الياقوت
- وفيها، توفي أبو الفضل جبريل بن زطينا كاتب الديوان كان أولاً نصرانياً وأسلم في أيام الخلفية الناصر لدين الله وكان ذا فضل وأدب وله نظم ونثر وأشياء مستحسنة، ومن شعره:
- ان سهرت عينك في طاعة ... فذاك خير لك من نوم
- أمسك قد فات بعلاته ... فاستدرك الفائت في اليوم
- وأن قسا القلب لاكداره ... فصفه بالذكر والصوم
- وله:
- اذا أعيا عليك الامر فارجع ... الى رب عوائده جميلة
- فكم من مسلك مع ضيق سلك ... تجلى واستبان بغير حيلة
- وله:
- اريد من نفسي نشاط الشباب ... ودون ما أبغيه شيب الغراب
- فكيف والسبعون جاوزتها ... ومذهب العمر رمى بالذهاب
- ومطلبي عز وما دونه ... تأباه نفسي واموري صعاب
- وقد تحيرت ولا غرو أن ... يحار من يطلب ما لايصاب
- وفيها توفي الاستاذ سعد الدين محمد بن جلدك خازن دار التشريفات، كان شيخاً عاقلاً تولى خدمة الخليفة الناصر لدين الله مدة عمره وصحبه سفرا وحضرا وكان يتولى حمل مطالعاته إلى الوزير وغيره ممن تبرز إليه مطالعته.
- وفيها، توفي الملك المسعود أبو الظفر يوسف ابن الكامل الملك محمد ابن الملك العادل أبي بكر محمد بن أيوب بن شادي، لما ملك أبوه الملك الكامل اليمن، واستولى على مكه، ولاها ابنه الملك المسعود هذا فاستناب بها أميراً، وكان هو يتردد إليها ومقامه باليمن ولم تكن سيرته حسنة ولا طريقته محمودة. قيل أنه دخل مكة في هذه السنة فأساء السيرة في أهلها ثم رمى طيور الحرم الشريف بالبندق فشلت يده وأدركه أجله بها، فمات ودفن بالمعلى، وكان شابا.
- سنة سبع وعشرين وستمائة في غرة المحرم، جلس محي الدين أبو عبد الله محمد بن فضلان في ديوان الجوالي واستوفى الجزية من أهل الذمة، فكان أحدهم يقف بين يديه الى أن توزن جزيته ويكتب به ورق وهو صاغر فلقوا من ذلك شدة وكان أبو علي ابن المسيحى رئيس الطب. له اختصاص ودخول إلى دار الخليفة فأظهر المرض واعتذر وسأل أن تؤخذ جزيته من يد ولده، فلم تقبل منه، فحضر، وأداها ومضى ابن الشويح رأس مشيئة اليهود إلى داره ليلاً وسأله أن يأخذ الجزية منه فلم يلتفت إليه، وقال له لابد أن تحضر نهاراً إلى الديوان وتؤديها، وشدد في ذلك ولم يسامح أحداً.
- وفيه، ولي شمس الدين أبو ال؟أزهر أحمد بن الناقد استاذية الدار، وخلع عليه وذلك إضافة إلى وكالة الخلفة المستنصر بالله.
- وفيها، وصل فخر الدين أحمد بن الدامفاني وشمس الدين عبد الرحمن شيخ الشيوخ، والأمير فلك الدين محمد بن سنقر الطويل، وسعد الدين حسن بن الحاجب علي المقدم ذكر توجههم في السنة الخالية، إلى جلال الدين منكوبرتي، وكان اجتماعهم به ظاهر خلاط وهو نازل عليها ومحاصر لها، فخلعوا عليه وألبسوه سراويل الفتوة، ووصل بعدهم بأيام، رسول منه برسالة، مضمونها شكر الإنعام عليه والأخبار بفتح خلاط وملكها. فخلع عليه وعلى خواصه، وأنزل دار الأمير محمد بن االنباري على دجلة فأقام أيام ثم عاد.
- وفيها، نقل عن عبد الله بن اسماعيل صاحب ابن المنى الواعظ ما اقتضى أنه أحضر الى دار الوزرة وضرب مائة عصا وقطع لسانه وحمل إلى المارستان العضدي، وحبس في حجرة المجانين وأفرج عنه بعد ثلاثة أشهر.
- وفي غرة شهر رجب المبارك، فرقت الرسوم من البر على أربابها جاري العادة، وأبرز من دار الخليفة الى استاذ الدار شمس الدين أحمد بن الناقد ما أمر بتفرقته على الفقراء والمحتاجين ببغداد.
- وفيها، قلد قاضي القضاة عبد الرحمن بن مقبل الواسطى أبا عبد الله محمد بن أبي الفضل الحنفي ويعرف بربيب الابرى، قضاء واسط وولاية الوقوف بها.
- وفيها، تقدم الخليفة المستنصر بالله إلى فخر الدين أحمد بن نائب الوازارة مؤيد الدين القمى، بعمارة مساجد الكرخ فشرع في ذلك فلما تكاملت عمارتها، رتب بها الائمة والمؤذنون.
- وفيها، تكامل بناء قصر مبارك، الذي أمر بعمارته بباب البصرة المشرف على الصراة.
- وفيها، نقل ظهير الدين الحسن بن عبد الله، من أشراف الديوان إلى صدرية المخرن، ورتب العدل فخر الدين أحمد بن الدامغاني عوضه في اشراف الديوان.
- وفيها، وصل رسول من محمد بن يوسف ابن هود، يخبر باستيلائه على معظم بلاد الغرب واستعادتها من أيدي غصابها بني عبد المؤمن، واقامة الدعوة بها للدولة العباسية، فأكرم الرسول ثم كتب على يده شيء إلى مرسله وخلع عليه وأذن له في العود.
- وفيها، تكامل بناء سور الرصافة، الذي أمر بعمارته الخليفة المستنصر بالله.
- وفيها، ولي الأمير شمس الدين أصلان تكين الناصري، إمارة الحاج وحج الناس في هذه السنة.
- وفيها، توفي عضد الدين أيو نصر المبارك بن الضحاك وكان شيخاً ديناً فاضلاً أديباً، وكان من المعدلين بمدينة السلام، ورتب ناظراً بديوان الجوالي، وكتب ديوان الانشاء، ثم نفذ رسولا إلى صاحب الشام، فلما عاد رتب أستاذ دار الخلافة، فكان على ذلك إلى أن توفي، وكان له شعر حسن، فمما نسب إليه ما رئى به بعض أصحابه وهو:
- لئن مضى أحمد حميدا ... ما الموت في أخذه حميد
- أو بخلت مقلة بدمع ... فهي على مثله تجود
- وفيها، توفى الأمير نور الدين ككسنقر التركي المعروف بالحلقي كان أولا لبعض أمراء العراق، فلما توجه الوزير بن القصاب إلى هناك وأستولى على تلك الأماكن، حضر عنده بعض الأمراء فشاهد معه ككسنقر المذكور فاستحسن صورته وأعجبه قده وهيفه، فأشار إلى بعض المماليك بأن يتحدث إليه ويطمعه في سيده بحيث يطلب منه الانفصال عنه وبعده أن ينفذ به إلى بغداد ويصير بها أميراً أكبر من سيده، فاجتمع به المملوك، وفاوضه في ذلك ورغبه فشافه سيده بذلك، فقلق قلقاً شديداً وتضرع إليه في أن لا يفارقه فلم يرق له فمنعه سيده من الخروج فالقى نفسه من الدار ومضى هارباً إلى الوزير واستجار ببابه فأدخله إليه وسمع كلامه، وأحضر سيده وتحدث معه في بيعه فلم يجب إلى ذلك، فأمر الوزير بانفاذ ككسنقر إلى بغداد مع ثقة، فلما وصل، ورآه الخليفة فأحسن إليه وتلقاه بالقبول، ولم يزل في ارتقاء وعلو منزلة، وقربه حتى ولاه الإمارة وجعله أمير السلاح وأقطعه معاملة الحدادية، من أعمال واسط ثم أقطع قوسان، وأضيف إليه جماعة من الأمراء ولم يزل يداوم على الشراب حت غلب عليه البلغم وسمن سمناً عظيماً، عطله عن الحركة وامتنع من الركوب، فلم يزل على ذلك إلى أن توفي. وأما سيده فإنه لم بعد فراقه مشغوفاً به هائماً عليه. مفكراً فيه، حتى أخذه السل فأحرقه ومات.
- وفيها، عاد الأمير مجير الدين جعفر بن أبي فراس الحلي إلى بغداد وكان مقيماً بمصر عند ولده، فلما وصل، وقع الرضا عنه من الخليفة المستنصر بالله، وكان سبب توجهه إلى مصر، أن الخليفة الناصر كان قد أمره، وجعل إليه شحنكية واسط البصرة، ثم عزله عن ذلك ولم يوله فانقطع إلى التعبد وحج في إمارة ولده حسام الدين على الحاج، فلما فارق ولده الحاج، وتوجه إلى مصر، مضى صحبته وأقام إلى الآن، وعاد إلى بغداد في غرة رجب، وأقام بداره فأدركته المنية في آخر ذي الحجة، فصلي عليه في جامع القصر وحمل إلى مشهد أمير المؤمنين علي عليه السلام.
- وفيها، توفي أحمد بن أبي السعود الرصافي الكاتب، كان يخدم ولي العهد أبا نصر محمد بن الخليفة الناصر لدين الله وكان يكتب له أنساب الطير والحمام، وكان يكتب خطاً مليحاً على طريقة ابن البواب وكان معجباً بخطه. كتب نهج البلاغة بخطه ونادى عيه فدفع فيه خمسة دنانير فلم يبعه، ثم نودي في الحال على قوائم، بخط ابن البواب خمسة عشر دينارا، فاستشاط وقال يدفع في نهج البلاغة بخطي خمسة دنانير ويدفع في قوائم بخط ابن البواب خمسة عشر دينارا. وليس بين الخطين كبير فرق ولا سيما هذا التفاوت، ثم ذكر قصة ابن جيوس لما اجيز على قصيدة عملها، الف دينار وتسامع الشعراء فحضر منهم جماعة وعرض كل منهم قصيدة، فلم يعط أحد منهم شيئاً، فكتب أحدهم إلى الممدوح:
- على بابك المعمور منا عصابة ... مفاليس فانظر في امور المفاليس
- وقد رضيت هذي العصابة كلها ... بعشر الذي أعطيته لابن حيوس
- وما بيننا هذا التفاوت كله ... ولكن سعيد لا يقاس بمنحوس
- فعجب الحاضرون منه.
- سنة ثمان وعشرين وستمائة
- في المحرم، وصل إلى بغداد مظفر الدين أبو سعيد كوكبري بن زين الدين علي كوجك صاحب أربل، ولم يكن قدم بغداد قبل ذلك، وكان معه محي الدين يوسف بن الجوزي، وسعد الدين حسن ابن الحاجب علي، وكانا قد توجها إليه في السنة الخالية فخرج إلى لقائه فخر الدين أحمد بن مؤيد الدين القمي نائب الوزارة، والأمراء كافة والقضاء والمدرسون وجميع أرباب المناصب، فلقوه على نحو من فرسخ، ولقيه فخر الدين بن القمى بظاهر السور واعتنقا راكبين ثم نزلا، فقال له فخر الدين لما انتهى إلى مقار العز والجلال ومعدن الرحمة والكرم والافضال: لا زالت الأبواب الشريفة ملجأ للقاصدين، والاعتاب المنيفة منهلاً للواردين، وصولك يامظفر الدين رسم أعلى المراسم الشريفة وأسماها، وأنفذ أوامرها في مشارق الأرض ومغاربها وأمضاها، قصدك وتلقيك وأحماد مساعيك أكراماً لك واحتراماً لجانبك، فيقابل ما شملك من الأنعم بتقبيل الرفام، والدعاء الصالح الوافر الأقسام المفترض على كافة الأنام والله ولي أمير المؤمنين. فقبل الأرض حيئذ مراراً، ثم دخلوا جميعاً إلى البلد فلما وصل باب النوبى، ساق فخر الدين ونزل مظفر الدين وقبل الأرض، وعضده الاجل نور الدين أبو الفضل بن الناقد أحد حجاب المناطق بالديوان، ثم ركب وقصد دار الوزارة فلقى مؤيد الدين القمى وجلس هناك، وركب نائب الوزارة وولده وجميع أرباب الدولة والأمراء، وتوجهوا نحو دار الخلافة.
- فأما مؤيد الدين وولده وخواصه، فدخلوا من الباب القائمي بالمشرعة. وأما الولاه والأمراء فدخلوا من باب عليان وباب الحرم، وانتهي الجميع إلى تحت التاج على شاطىء دجلة، ووقفوا تحت الدار الشاطئية ذات الشبابيك، ثم استدعى مظفر الدين من دار الوزارة بالأمير عز الدين ألب قرأ الظاهري وبأحد خدم الخليفة، فحضر فرفعت الستارة فقبل الجميع الأرض. وكان قد نصب تحت الشباك الاوسط كرسي ذو درج، فرقي عليه نائب الوزارة واستاذ الدارابن الناقد. ومظفر الدين، وسلم مظفر الدين مشيراً برده إلى الشباك تالياً قوله تعالى (اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي) فرد الخليفة عليه السلام. فقبل الأرض مراراً ثم شكر الخليفة سعيه، فاكثر من تقبيل الأرض والدعاء فاسبلت الستارة وعدل بمظفر الدين إلى حجرة، فخلع عليه فيها، وقلد سيفين وقدم له فرس بموكب ذهباً ومشده ورفع وراءه سنجقان مذهبان وخرج من الباب القائمي المعروف بباب التمر المشرعة، وبه كان قد دخل ومضى والناس في خدمته إلى حيث انزل بدار شمس الدين علي ابن سنقر، بدرب فراشاً وأنزل جماعة من الأمراء الواصلين معه في دور، في عدة محال، وباقي عسكره في المخيم ظاهر البلد وأقيمت له ولاصحابه الاقامات الوافرة، ثم سأل زيارة المشاهد والربط ببغداد فعمل له في كل مكان وليمة، وصلى في جامع القصر جمعتين داخل الرواق إلى جانب المنبر، ثم حضر في منتصف صفر مؤيد الدين القمي نائب الوزارة وولده والجماعة الذين حضروا يوم دخوله وجرت الحال على ما تقدم شرحه، وخاطبه الخليفة بما طابت به نفسه، فقبل الأرض وابتهل بالدعاء، وتلا قوله تعالى (ياليت قومي يعلمون بما غفر لي ربي وجعلني من المكرمين) ثم اسبلت الستارة وخلع عليه في تلك الحجرة، وأعطي كوسات وأعلاماً وخمسين ألف دينار، برسم نفقة الطريق، وبرسم حاشيته، وأصحابه عشرة آلاف دينار. وخرج من هناك إلى دار الوزراة وحضر جميع أصحابه فخلع عليهم بحضورة، وأقام بعد ذلك أياماً ثم خرج إلى مخيمه بظاهر سور سوق السلطان وتوجه إلى بلده، وكانت مدة مقامه ببغداد عشرين يوماً، ومضى معه محي الدين بن الجوزي، وسعد الدين حسن بن الحاجب علي، وعادا في ربيع الأول وأخبرا أن مظفر الدين حلف أمراءه وأعيان بلده، على طاعة الخليفة وتسليم البلد عند وفاته إليه.
- وفيها، عزل قاضي القضاة عبد الرحمن بن مقبل، أبا عبد الله محمد بن أبي الفضل الحنفي عن قضاء واسط، وكان قد قلده القضاء في السنة الخالية فأقام بها شهوراً فلم يحمد مجاورة أهلها، واصعد ليقرر قاعدة تمكنه المقام بها من توفير الجاه، فلم يتهيأ له ذلك.
- وفي صفر، دخل بعض الأتراك إلى دار الوزير مؤيد الدين القمي وطلب غفلة الستري وانتهى إلى مجلسه فلم يصادفه جالساً، وكان بيده سيف مشهور وكان آخر النهار، وقد تقوض الجامعة من الديوان فصاح عليه خادم، فتبادر الغلمان وأمسكوه، وانتهى ذلك إلى مؤيد الدين فجلس وأحضر التركي بين يديه وسأله عما حمله على ذلك؟ فلم يقل شيئاً، فضرب ضرباً مبرحاً، فذكر أنه له مدة لم يصله شيء من معيشته وهو ملازم الخدمة وقد أضر به ذلك، فحمله فقره وحاجته وغيظه على ما فعل فأمر بصلبه فصلب وحط بعد يومين.
- وفيها، أنهى إلى الديوان، أن انساناً يهودياً أسلم وتزوج مسلمة ثم ارتد إلى دين اليهود، فأمر بقتله وفاحضر وصلب.
- وقطع لسان إنسان جيء به من همذان تحت الاستظهار، نقل عنه أنه ادعى هناك اتصالا بالخليفة المستنصر بالله ثم حمل إلى المارستان فحبس به.
- وفيها، اجتاز رجل بباب مسجد وقد نصب عليه خشب ليجعل عليه أضواء لاجل الختمة فوقع عليه جذع قمات وحمل إلى بيته فقال الجيران هذا تخاصم هو وزوجته اليوم فخرج وهو يقول (اشتهيت أن يقع علي شيء حتى أموت وأستريح منكم).
- وفي ليلة عيد الفطر، فتح باب في حائط دار الوزارة وجعل عليه شباك حديد وجلس فيه مؤيد الدين القمي نائب الوزارة واستعرض العسكر.
- وفي شوال، تكامل بناء المدرسة التي أنشأها شرف الدين أقبال الشرابي بسوق العجم بالشارع الأعظم بالقرب من عقد سور سوق السلطان مقابل درب الملاحين، وكان المتولي لبنائها شمس الدين أبو الأزهر أحمد بن الناقد وكيل الخليفة المستنصر بالله وشرط الواقف، له النظر فيها وفي أوقافها، ثم بعده إلى من يلي وكالة الخلافة، وفتحت في آخر شوال ورتب بها الشيخ تاج الدين محمد بن الحسن الارموي مدرساً، وخلع عليه وعلى الفقهاء والعبيد وجميع الحاشية ومن تولى عمارتها، وحضر جميع المدرسين والفقهاء على اختلاف المذاهب، وقاضي القضاة عبد الرحمن بن مقبل، فجلس في صدر الايوان وجلس في طرفي الايوان محي الدين محمد بن فضلان، وعماد الدين أبو صالح نصر ابن عبد الرزاق بن عبد القادر فكلاهما قد كان قاضي قضاة وعمل من أنواع الاطعمة والحلواء ما تعبى في صحنها قبابا، وحمل من ذلك إلى جميع المدارس والاربطة، وقرئت الختمة وتكلم الشيخ محمد الواعظ ثم جلس المدرس بعده، وذكر دروساً أربعة فأعرب عن غزارة فضله وتوسع علمه، وفيها خلع على الأمير شمس الدين أصلان تكين، خلعة إمارة الحاج، وحج بالناس.
- وفيها، توفي بركة بن محمود الساعي المشهور بالسعي والعدو وكان من أهل الحربية سعى من واسط إلى بغداد في يوم وليلة.
- ومن تكريت إلى بغداد، في يوم واحد، وحصل له بسبب ذلك مال كثير وجاه عريض، واتصل بخدمة الخليفة الناصر لدين الله وجعله أخيراً مقدماً لرجال باب الغربة، فكان على ذلك إلى أن توفي.
- وفيها، توفي الملك الأمجد أبو المظفر بهرام شاه بن فروخ شاه أبن شاهنشاه بن أيوب شاه بن شادي صاحب بعلبك، كان قد ملكها بعد أبيه فانتزعها الملك الاشرف موسى بن العادل أبي بكر محمد بن أيوب منه قهراً، وأخرجه عنها فرحل إلى دمشق وأقام بها. فاتهم بعض مماليكه بسرقة منطقة وحبسه، فوثب عليه ليلاً وقتله فأخذ المملوك وقتل، وكان الملك الأمجد أديباً فاضلاً شاعراً، فمن شعره يقول:
- يؤرقني حنين وأذكار ... وقد خلت المعاهد والديار
- تناءى الظاعنون فلي فؤاد ... تسير مع الهوادج حيث ساروا
- وليلي بعد بعدهم طويل ... فأين مضت ليالي القصار
- فمن ذا يستعير لنا عيونا ... تنام ومن رأى عيناً تعار
- سنة تسع وعشرون وستمائة
- وفي هذه السنة، وردت الأخبار بانتشار عساكر الغول في بلاد أذربيجان وتطرقهم إلى ما يقاربها من النواحي والأعمال إلى نحو شهر زور، فأخرج الخليفة المستنصر بالله الأموال وجهز العساكر وأرسل إلى سائر البلاد للجمع والاحتشاد، فورد كتاب مظفر الدين كوكبري صاحب أربل ويسأل انجاده بالعساكر، ليتفق معهم فتقدم الخليفة بخروج العساكر، فبرزوا إلى ظاهر البلد وتجهزوا وساروا ومقدمهم جمال الدين قشتمر الناصري، ومعه من الأمراء، شمس الدين قيران، وعلاء الدين ايلدكن وبهاء الدين ارغش، وفلك الدين زعيم البيات. فساروا قاصدين مظفر الدين كوكبري صاحب أربل فالتقوا به في موضع قريب من الكرخيتي فأقاموا هناك بقية شهر رجب وشعبان، فجرى بين بعض مماليك الخليفة وبيطار من أصحاب مظفر الدين صاحب أربل خصومة، فعاونه جماعة من أصحابه فانتشب بسبب ذلك بين العسكرين فتنة أدت إلى قتل وجراح، فركب مظفر الدين بسلاحه وكذلك أصحابه، ثم وقف في باطن دهليز سرادقة، وكادت الحرب تنشب بينهم، فركب جمال الدين قشتمر بغير سلاح ولا مداس، ومنع غلمانه ومماليكه من متابعته، ودخل في غمار الوقعة وقصد خيمة مظفر الدين صاحب أربل، فوجده راكباً بالعدة الكاملة، يحرض أصحابه على القتال فلاطفه وخجله وقبح له ذلك، فعرف وجه الصواب، فرجع عما كان عزم عليه، وسكنت الفتنة، ثم اتفقوا على الرحيل إلى مدينة شهر زور لأنهم بلغهم أن المغول قد وصلوا ساميان وحاصروا حاصبك، فنفذ جمال الدين قشتمر جماعة طلائع، وجعل مقدمهم ارتر العراقي، ثم رحلوا في ثامن شهر رمضان ونزلوا في موضع يعرف بالاكراد، فورد الخبر إليهم بوصول أمين الدين كافور خادم الخليفة المستنصر بالله فركب جمال الدين قشتمر ومظفر الدين صاحب أربل، وجميع الأمراء للقائه فاجتمعوا به وعرفهم ما أمر به الخليفة ثم عاد في سحرة تلك الليلة إلى بغداد وأحضر في تاسع رمضان عند جمال الدين قشتمر، ثلاثة نفر وامرأة من المغول فسألهم عن أخبارهم، فذكروا أنهم فارقوهم راجعين من مراغة فأخذ عليهم شروط الاسلام فأسلموا فضمهم إليه ثم رحلوا وساروا حتى عبروا الدربند، فوصل إليهم الدكز مخبرا أنهم صادفوا يزكا منهم على غرة، وجرت بينهم هوشة وأن المغول استظهروا عليهم لكثرتهم ومعرفتهم بالأرض، وقتلوا مقدم الطلائع وجماعة من العسكر، فعند ذلك جدوا في السير فوصلوا شهر زور ونزلوا بقرية يقال لها موغان غربي شهر زور فلم يمكنهم المقام هناك لعدم الماء العذب فيه، ومات في ذلك المنزل خلق كثير بهذا السبب فعند ذلك أظهر مظفر الدين صاحب أربل المرض وشدته، فدخل إليه جمال الدين قشتمر عائدا فوجده ملقي على ظهره، فقال لا غناء لي عن التوجه إلى بلده، وطلب منه ولده شرف الدين علي وقال يكون معي إذا مت يتسلم البلد، وطلب أيضاً الأمير سعد الدين حسن بن الحاجب علي، ليسلم إليهما خفيتان، فأجابه إلى ذلك فتوجه مظفر الدين قاصداً بلده وتوجه قشتمر إلى الكرخيتي. وأما مظفر الدين فإنه وصل إلى أريل وأقام شرف الدين وسعد الدين عنده أياماً ثم سرحهما فعادا إلى الكرخيتي، وأخبراه أنه في أتم عافية وأن ذلك كان حيلة منه، وكان جمال الدين قشتمر قد نفذ الأمير ابن حسام الدين طرغل ونور الدين الدكز إلى الدربند يزكا، فذهبا يتصيدان فما أحسا إلا وقد أحاط المغول بخيمهما فأخذوها وما فيها، فلما بلغ ذلك جمال الدين قشتمر ركب بمن معه وصعد رأس الجبل هناك واعتبر العساكر فلم يجد إلا الأمراء والمماليك ومتميزي الأجناد، وترقب وصول المغول فأسفرت الحال عن يزك كان لهم، وأن قطعة منهم بالدربند فاقتضى رأيه الرجوع، والنزول في المنزل تطييباً للناس من النفور والانزعاج، فحضر جميع الامراء عنده وظهير الدين الحسن بن عبد الله عارض الجيش، ودارت المشورة بينهم في كيفية لقاء عدوهم فكل منهم أشار بشيء، إلا عارض الجيش فإنه قال: الرأي معكم فاتفقوا على الرحيل ليلاً من غير طبل ولا شغل، والمسير إلى شهر كرد فهناك وطأة واسعة وأرض فسيحة تصلح للحرب فرحلوا همسة من غير حركة تسمع، فصبحوا شهر كرد: وأما من كان معهم من العساكر الغرباء فأنهم رحلوا متفرقين كل منهم طلب بلده، وأقام جمال الدين قشتمر ومن معه من العساكر فلم يقدم أحد المغول إلى محاربته فأنهى ذلك إلى الديوان فتقدم إليه بالعود فرحل قاصداً مدينة السلام فلم يؤذن له في دخول البلد
- فأقام بظاهره إلى صفر، سنة ثلاثين وستمائة، ثم أذن له الدخول.فأقام بظاهره إلى صفر، سنة ثلاثين وستمائة، ثم أذن له الدخول.
- وفي هذه السنة، نقل عبد الله بن ذبابة، ما اقتضى ضربه على باب النوبى، وقطع لسانه واحضاره إلى البصرة، والزامه المقام بها.
- وفيها، جرت فتنة بين أهل باب الازج وبين أهل المختارة وتراموا بالبندق والمقاليع والآجر وتجالدوا بالسيوف فقتل من الفريقين، وجرح جماعة فتقدم في عشية اليوم التالي بخروج الجند وكفهم عن ذلك، فخرج نائب باب النوبي ومعه جماعة من الجند وكفهم وقبض على جماعة منهم فضربهم وقطع أعصابهم، فسكنت الفتنة.
- وفيها، صعد إنسان إلى الشيخ محمد الواعظ وهو على منبر وعظه بباب بدر ومعه سمان وقال أني رأيت النبي صلى الله عليه وآله وسلم في المنام، وقال لي لا أحمل هذا السمان إلى محمد الواعظ وقل له يعطيه للخليفة، فاستيقظت وهو في يدي، فقال له أمسكه معك إلى حين فراغ المجلس، فانهيت الحال إلى الخليفة فتقدم بأن يعزر ويوكل به على كذبه على النبي صلى الله عليه وآله وسلم.
- وفيها، قلد قاضي القضاة عبد الرحمن بن مقبل الواسطي أحمد ابن عنتر الهمامي، قضاء واسط وخلع عليه فخرج والبسملة بين يديه متوجها إلى داره فاجتاز على دار الوزارة وكان مؤيد الدين القمي جالساً في الشباك فانكره وسأل عنه فعرف الصورة ولم يكن قاضي القضاة استأذنه في ترتيبه، فانكر الحال على قاضي القضاة، فنفذ في الحال إلى المذكور وكيلا شافعاً بالعزل، ثم أنه بعد ذلك شفع إلى الوزير في ابن عنتر فتقدم إلى قاضي القضاة باعادته، فأعاده.
- وفيها، أذن الخليفة المستنصر بالله لولده الأمير المؤيدي أحمد عبد الله أن يوكل العدل، عبد الوهال بن المظفر وكالة شرعية فوكله، وأشهد على نفسه بذلك العدلين على بن النيار مؤذبه، ومحمد بن حديد.
- وفيها، تقدم الخليفة إلى الأمير شمس الدين باتكين زعيم البصرة بعمارة جامعها وتجديده وأحكامه وتشييده، وانشاء مارستان هناك وأن يكون الغرامة عليه من خالص مال الخليفة وآن توقف عليه وقوفاً سنية موفرة الحاصل.
- ذكر عزل الوزير مؤيد الدين القمي
- وولاية نصير الدين أبي الازهر أحمد بن الناقد في يوم السبت سابع عشر شوال، تقدم إلى مؤيد الدين أبي طالب محمل بن أحمد بن العلقمي مشرف دار التشريفات يومئذ أن يحضر عند استاذ الدار شمس الدين أبي الأزهر أحمد بن الناقد ويتفقا على القبض على نائب الوزارة مؤيد الدين القمي فجمع استاذ الدار رجال النوبتين وأمرهم بالمبيت في دار الخلافة ولم يشعر أحداً منهم بشيء فلما أغلق بابا النوبي والعامة، عين على جماعة مع ابن شجاع مقدم باب الأتراك، بالقبض على القمي إذا فتح باب النوبي، وعين على جماعة مع حسن بن صالح المعمار للقبض على ولده في الساعة المعينة، وعين جماعة للقبض على أخيه وجميع أصحابه وخواصه، فلما فتح باب النوبي خرج الجميع بالسيوف وهجموا عليه وعلى ولده وأخيه وجميع أصحابه في ساعة واحدة فلم يفلت منهم صغير ولا كبير. فأما هو وولده فنقلا ليلا إلى باطن دار الخلافة فحبسا هناك. وأما بناته ونساؤه فنقلن إلى دار بالقصر من دار الخلافة. وأما أخوه ومماليكه وأصحابه فحملوا إلى الديوان.
- وفي يوم السبت المذكور. استدعي استاذ الدار شمس الدين أبو الأزهر أحمد بن الناقد إلى دار الخلافة، وخلع عليه نيابة الوزراء وقلد سيفا وقدم له مركب بمركب ذهباً وركب من باب البستان المقابل لدار التشريفات وبين يديه جميع الحجاب وقد تقدمه إلى الديوان جميع أرباب الدولة فدخل إليه وجلس في الموضع الذي جرت عادة نواب الوزارة بالجلوس فيه، وكتب والأنهاء وبرز الجواب فقرأه قائماً على الحاضرين، وأمر الخليفة بأن يخاطب بخطاب الوزير أبي الحسن ناصر بن المهدي العلوي وهو المولى الوزير الأعظم الصاحب الكبير المعظم، العالم العادل، المؤيد المظفر المجاهد نصير الدين صدر الإسلام، غرس الإمام، شرف الأنام، عضد الدولة، جلال الملة، مغيث الأمة، عماد الملك، اختيار الخلافة مجتبى الأمانة المكرمة، تاج الملوك، سيد صدور العالمين، ملك وزراء الشرق والمغرب، غياث الورى، أبو الأزهر أحمد أبن محمد أبن الناقد ظهير أمير المؤمنين، ووليه المخلص في طاعته، الموثوق به في صحة عقيدته.
- وفي يوم الاثنين تاسع عشر شوال ولي مؤيد الدين أبو طالب محمد بن العلقمي استاذية الدار، وخنع عليه في دار الوزارة وركب في جمع كثير واسكن في الدار المقابلة لباب الفردوس، ولما قبض على القمي، قال الشعراء في ذلك أشعار كثيرة منها ما قاله الحاجب محمد بن عبد الملك الوظائفي وحرض الخليفة على قتلهما بألفاظ رمات البندق. وهو:
- لقد انتحى المستنصر المنصور ... يوم المكين كما انتحى المنصور
- ملك الخراساني ذاك ببغية ... وكذا خراسانينا المأسور
- لا تبقه ياخير من وطىء الحصا ... فالحزم أن لا يهمل الموتور
- وأفصم عرى عنق القصير فدونه ... في المكر والكيد الوكيد قصير
- مولاي في وجه العداة صرعت ... مصطحباً وطير المخر فيه وكور
- أخليت منه الجو في ندب وكم ... حامت عليه ولم تنله نسور
- خيشته لكن مفيقا فاتبع ... ما سنه في البندق الجمهور
- والرأي تذكية المفيق فإنه ... مازال يملك روعة ويطير
- فالكي مخلفه لديه واضع ... في حده عضد له وظهير
- لا تأمنن عليهما في محبس ... ضنك فعندهما له تدبير
- كم هارب من قلة في قلعة ... ولكم نجا بقيوده مطمور
- فاقتلهما بالسيف أحوط حارس ... لهما وهذا أول وأخير
- ضل المكين بكل ما صنعت به ... آراؤه في دسته المغرور
- وتر الخلافة بالخلاف ولم يكن ... قد رد تدبير الملوك وزير
- فعزمت فيه عزمة نبوية ... كادت لسطوتها السماء تمور
- حرست ثغور المسلمين بعزلة ... وتبسمت للعالمين ثغور
- وفيها، ولي جمال الدين علي ابن البوري حجابة باب النوبي، وفيها، قطع الشيخ محمد المعروف بالواعظ عن الوعظ ومنع من الجلوس بباب بدر، وكذلك العدل اسماعيل بن النعال الواعظ.
- وفي ذي القعدة، استناب نصير الدين أبو الأزهر أحمد بن الناقد نائب الوزارة أخاه جمال الدين عبد الله في الوكالة ليتوفر هو على أمر الوزارة، وفيه، انعم الخليفة على الأمير علاء الدين الطبرسي المعروف بالدويدار، الكبر بالدار المقابلة لباب الحرم المجاورة لداره، وانتقل عنها معلى بن الدباهي.
- وحج بالناس في هذه السنة الأمير شمس الدين أصلان تكير الناصري.
- وفيها، توفى أبو بكر محمد بن عبد الغني المعروف بابن نقطة وكان على طريقة حميدة وقاعدة جميلة، عني بعلم الحديث وسماعه، وسافر البلاد في طلبه.
- وفي خامس شوال، توفي جمال الدين محمد بن علي بن خالد الكاتب شيخ فاضل عالم بالسير والأخبار، كتب بخطه كثيراً وجمبع عدة مجاميع، واختصر كتاب الأغاني للاصفهاني وخدم في عدة أعمال. منها كتابة المخزن وخزانة الغلات بباب المراتب، وأشراف البلاد الحلية وغير ذلك، وصنف كتاباً في علم الكتابة وسماه جوهر اللباب في كتابة احساب.
- سنة ثلاثين وستمائة في المحرم، قلد العدل مجد الدين أبو القاسم هبة الله بن المنصوري الخطيب، نقابة نقباء العباسيين والصلاة والخطابة وخلع عليه قميص اطلس بطراز مذهباً ودراعة خارا اسود، وعمامة ثوب خارا اسود مذهب بغير ذوابة، وطيلسان قصب كحلي، وسيف محلى بالذهب وامتطى فرساً بمركب ذهباً، وقرىء بعض عهده في دار الوزارة وسلم إليه، وركب في جماعة إلى دار أنعم عليه بسكناها في المطبق من دار الخلافة وأنعم عليه بخمسمائة دينار، وهو من أعيان عدول مدينة السلام وأفاضل أرباب الطريقة المتكلمين بلسان أهل الحقيقة. كان يصحب الفقراء دائماً ويأخذ نفسه بالرياضة والسياحة والصوم الدائم والتخشن التباعد من العالم، وكان الموفق عبد الغافر ابن الفوطي من جملة تلامذته فعمل فيه أبياتاً طويلة، لما انتهى حالها إلى الديوان أنكر ذلك عليه ووكل به أياما ولم يخرج إلا بشفاعته، وأول الأبيات:
- في دسته جالسا ببسملة ... بين يديه أن قام في أدب
- وركبة منه كنت أعهده ... يذم أربابها على الرتب
- وكان أبناؤها لديه على ... سخط من الله شامل الغضب
- أصاب في الرأي من دعاك لها ... وأنت لما أجبت لم تصب
- أول صوت دعاك عن غرض ... لبيته مقبلا على السبب
- ويقول فيها:
- قد كنت ذاك الذي تظن به ... لو لم تكن مسرعاً إلى الرتب
- شيخي أين الذي يعلمنا الز ... هد ويعتده من القرب
- أين الذي لم يزل يسلكنا ... إلى خروج عن كل مكتسب
- أين الذي لم يزل يعرفنا ... فضل العتري بالجوع والتعب
- ومنها:
- أين الذي لم يزل يرغبنا ... في الصوف لبسا له وفي الجشب
- وأين من غرنا بزخرفه ... متى اعتقدناه زاهد العرب
- وأين ذاك التجريد يشعرنا ... أن سواه في السعي لم يخب
- وأين من لم يزل يذم لنا ... الدينا وقول المحال والكذب
- وأين من لم يزل بأدمعه ... يخدعنا باكياً على الخشب
- وأين من كان في مواعظه ... يصول زجراً عن كل مجتذ ب
- ويقطع القول لا يتممه ... منظبا بالسماع والطرب
- يقسم الغمر أنه رجل ... ليس في الوجود من أرب
- لو كانت الأرض كلها ذهباً ... أعرض عنها أعراض مكتئب
- أسفر ذاك الناموس مختيلاً ... عن راغب في التراث مستلب
- وكان ذاك الصرخ يزعجنا ... شكوى فقير على الدنا وصب
- شيخي بعد الذم الصريح لما ... أبينه جئته على طلب
- نسيت ما قلته على ورع ... عني لما اكتسبت بالدأب
- ويل له أن يمت بخدمته ... يمت كفوراً وليس بالعجب
- ما كان مال السلطان مكتسباً ... لمؤمن سالم منالعطب
- هذا ورزقي من وقف أربطه ... قدر طفيف أعطاه بالتعب
- ولست في ثروة أسر بها ... دنياي منها موفورة النشب
- فليت شعري ماذا أقول ... وقد حلت منها في مرتع خصب
- أعطيت كراثة فتهت بها ... عن طلب كان أشرف الطلب
- لو أنها نجمة خشيت على ... دينك شركا يكون عن كثب
- وأن ذاك الحنيك منعطفا ... لجام من يدعي ولم ينب
- شيخي بعد التفضيل منتقيا ... ثوباً قصيراً مجاوز الركب
- اختلت في ملبس ذلاذله ... تسحب من طولها على الترب
- يرفعها كل شادن غنج ... يفتن نساكنا على الرهب
- واعتضت من عصي الزهادة من ... حولك مشي الغلمان بالقضب
- لو كنت والله زاهداً ورعاً ... لم ترضى دنيا الغرور باللعب
- وكان في الله شاغل أبداً ... عما تراه بعين محتجب
- لا يغتر بعد ذا أخو ثقة ... بمحسن في جميل مطلب
- وليتعظ مدعي تقريه ... بحال شيخي الفتون وليتب
- فكتب النقيب قطب الدين الحسن بن الاقساسي إلى النقيب مجد الدين المذكور أبياتاً كالمعتذر عنه والمسلي له، يقول في أولها:
- أن صحاب النبي كلهم ... غير علي وآله النجب
- مالو إلى الملك بعد زهدهم ... وضطربوا بعده على الرتب
- وكلهم كان زاهدا ورعاً ... مشجعاً في الكلام والخطب
- فأخذ عليه فيها مآخذ فيما يرجع إلى ذكر الصحابة والتابعين وتصدى له جماعة وعملوا قصائد في الرد عليه، وبالغوا في التشنيع عليه، حتى أن قوما استفتوا عليه الفقهاء ونسبوه إلى أنه طعن في الصحابة والتابعين ونسبهم إلى قلة الدين فافتاهم الفقهاء بموجب ما صدرت به الفتيا.
- وفيها، قدم راجح بن قتادة مكتة شرفها الله تعالى في جمع كبير ودخلها واستولى عليها، وطرد من كان بها من عساكر الكامل أبي المعالي ودخلها واستولى عليها، وطرد من كان بها من عسكر الكامل أبي المعالي محمد بن العادل صاحب مصر، فلما بلغ الكامل ذلك أرسل إلى مكة عسكرا فلما علم راجح بقدومهم نزح عنها فدخلها العسكر بغير محاوبة، وطبيوا قلوب أهلها وأحسنوا إليهم، بخلاف ما فعل راجح لما وليها
- وفيها، حصر الكامل أبو المعالي المذكور مدينة آمد، وضيق على أهلها وأضعفهم بقلة الميرة وغيرها، واستولى عليها وملكها عنوة، وكان صاحبها الملك مسعود الدوادار الملك.
- وفيها، رد النظر في أوقاف مدارس الحنيفة والربط وجامع السلطان إلى فخر الدين أبي طالب أحمد ابن الدامغاني مشرف الديوان وكفت يد نواب قاضي القضاة ابن مقبل عنها.
- وفيها، وصل الأمير حسام الدين أبو فراس بن جعفر بن أبي فراس الذي كان أمير الحاج في الأيام الناصرية وقد تقدم ذكر مفارقته للحاج مسيره إلى الشام، ومصر، ملتجأ إلى الكامل أبي المعالي محمد بن العادل، هرباً من الوزير القمي وحدراً من قصيدة أياه، فلما بلغه عزله كاتب الديوان واستأذن في العودة فأجيب سؤاله فلما وصل إلى مدينة السلام، حضر عند نصير الدين بن الناقد نائب الوزارة فخلع عليه ومضى إلى داره بسوق العجم ثم استدعي بعد أيام وخلع عليه وأعطي سيفاً محلى بالذهب وأمطي فرساً وأعطي سبعة أحمال كوسات وأعلاماً، وضم إليه جماعة من العسكر وأقطع بلد دقوقاً.
- وفيها، صرف تاج الدين أبو الفتوح علي بن هبة الله بن الدوامي، عن أشراف دار التشريفات وخرج راجلاً إلى داره، ورتب عوضه تاج الدين أبو المظفر محمد بن الضحاك.
- وفي جمادى الآخرة، فرج عن ولد مؤيد الدين القمي وجميع أصحابه وأتباعه.
- وفي شهر رمضان، فتحت دور الضيافة بجانبي مدينة السلام جرياً علي العادة في كل سنة وزيد فيها داران أحداهما بدار الخلافة لاولاد الخلفاء المقيمين في دار الشجرة، والأخرى بخربة ابن جردة، للفقراء الهاشميين.
- وفي هذه السنة، سير جمال الدين بكلك الناصري إلى قلعة زرده ومعه عدة من العسكر، فحصرها وضيق على من بها وجرت بينهم حروب كثيرة وقتال شديد، فملكها عنوة وقهراً واستولي عليها وأرسل إلى الخليفة يعرفه ذلك، فاستبشر به ونظم الشعراء في ذلك أشعاراً كثيرة.
- ذكر فتح أربل في سابع عشر شهر رمضان، ورد الخبر إلى بغداد بوفاة مظفر الدين أبي سعيد كوكبري بن زين الدين علي كوجك صاحب أربل فتقدم الخليفة بتعيين جماعة من الأمراء يكون مقدمهم الأمير أرغش الناصري الرومي، وعلاء الدين الدكز الناصري للتوجه إلي أربل وتقدم إلى ظهير الدين أبي علي الحسن بن عبد الله عارض الجيش بالتوجه أيضاً فتوجهوا مصعدين في خامس عشر الشهر.
- وفي ثالث شوال، توجه شرف الدين أبو الفضائل أقبال الشرابي بالعسكر فوصلوا في ثالث عشر شوال، وكان في القلعة خادمان أحدهما اسمه برنقش والآخر اسمه خالص، كانا قد كتبا إلى الخليفة وإلى عماد الدين زنكي صهر مظفر الدين والي بني أيوب حيث ثقل مظفر الدين في المرض يعرفانهم ذلك وقالا: من سبق إلينا كانت منتنا عليه. وكتبا إلى الملك الصالح أيوب بن الكامل أبي المعالي محمد يعلمانه بموته ويحثانه على المجيء فلما شاهدا عساكر الخليفة سقط في أيديهما وعلما أنه قد انتهى إلى الخليفة ما فعلا فامتنعا من فتح البلد فلما رأى الشرابي أنهم أغلقوا أبواب المدينة دونه، استدعى الأمير جمال الدين قشتمر وقال له: ما لهذا الأمر سؤال وإذا فعلت شيئاً لا يسع غيرك إلا موافقتك فركب في الحال من غير استراحة ودار ليله أجمع حول البلد وهم على السور، بالاضواء والطبول ثم قسم أبواب البلد على الأمراء وضرب هو خيمة مقابل باب عمكا واللونه أعظم الأبواب وأكثر المقاتلة هناك، ونصب البيت الخشب مقابل الباب بالقرب منه بحيث يسمع كلامهم ويسمعون كلامه، ويصل نشاب الجرخ إليه ولم يزل نهاره أجمع يرقب ما يعملون ويشاهد ما يصنعون وفي الليل يدور على العساكر ويحرض على الحراسة والحفظ، والشرابي يراسل الخادمين المذكورين ويخوفهما عاقبة العصيان فسألا أن يؤخرا يومين فأجيبا وكان وغرضهما أن يصل الملك الصالح أيوب المقدم ذكره، فلما انقضى الامد نفذ جمال الدين قشتمر إلى أحد زعمائهم وقال له: أخلفتم الوعد، وخوفهم وحذرهم، فرد عليه جواباً غير مرضي ثم رمى وراء رسوله بالنشاب فوقع قريباً من الاطناب فقال قشتمر لجماعة من مماليكه أقربوا منهم وتحرشوا بهم فأخذوا في سبهم ورموا بالنشاب إلى جهتهم فما زال الأمر يزداد حتى وقع الزحف على البلد وقت العصر واشتد الرمي من فوق السور بالنار وأنواع السلاح، وكثر في الفريقين القتل والجراح وسار قشتمرحتى وقف على الخندق فاشتد القتال حينئذ وقوي جأش المقاتلين بوجوده فركب الشرابي في لامة حربه ووقف على نشز فأخبر قشتمر بركوبه فقصده ووقف إلى جانبه، فساعة اجتماعمها أخبرا بالنصر والفتح وتسليم القلعة، ونهب أوباش العسكر بعض دورها، واستولى العسكر على البلد عنوة، وكتب الشرابي على جناح طائر إلى الخليفة بصورة الحال فحصل الاستبشار بذلك وضربت الطبول على باب النوبي، وأفرج عن جميع المعتقلين في الحبوس وحضر الشعراء في الديوان و أوردوا قصائد تتضمن الهناء بهذا الفتج والنصر. فمن أورد القاضي أبو المعالي القاسم بن أبي الحديد المدائني قصيدة أولها:
- مايثبت الملك بين الخوف والخطر ... حتى يقام ويسقى من دم البشر
- لكل شيء طريق يستفاد به ... وليس للعز غير الصارم الذكر
- ومنها:
- مافتح أربل عن بخت لذي دعه ... ولا اتفاقاً كبعض النصر والظفر
- لكنه كان قصد القادرين وأف عال المطيعين عن قصد وعن فكر
- فليسمح الاشعري اليم لي فأنا ... في فتح أربل لا الوي على القدر
- وقال أخوه عز الدين عبد الحميد الكاتب قصيدة، اتفق له فيها أن الوزير كان ترتيبه يوم سابع عشر شوال سنة تسع وعشرين وفتح أربل يوم سابع عشر شوال سنة ثلاثين فقال:
- يا يوم سابع عشر شوال الذي ... رزق السعادة أولا وأخيرا
- هنئت فيه بفتح أربل مثلما ... هنئت فيه وقد جلست وزيرا
- وتقدم الخليفة، باحضار الأمير شمس الدين باتكين أمير البصرة فكوتب بالحضور فوصل من البصرة إلى رابع ذي القعدة، وحضر نصيرالدين أبن الناقد نائب الوزارة فشافهه بولاية أربل وتقدم إليه بالتوجه إليها على فوره، فتوجه من وقته فوصلها في تاسع عشر الشهر وحضر عند شرف الدين أقبال الشراب في المخيم يظاهر أربل، فخلع عليه وقلده سيفاً وأمطاه فرساً وأعطاه كوسات واعلاماً، فركب في جمع كثير من الأمراء والأجناد ودخل الجامع فقرىء عهده به بمحضر من أهل البلد وغيرهم، تولى قرأته ظهير الدين الحسن بن عبد الله، وكان قد عين عليه لوزارته، وركب إلى القلعة ونزل في دار الإمارة التي كان يسكنها مظفر الدين، ثم خلع الشرابي على ظهير الدين الحسن بن عبد الله ثم على ظهير الدين الحسن بن المصطنع وجعله مشرفاً عليه، ورتب معها كاتباً الاجل ابن عبدان النصراني ثم رتب جمال الدين أبن عسكر الانباري عارضاً للجيش هناك، وجعل عليه مشرفاً عز الدين محمد بن صدقة وخلع عليهما فلما قرر القواعد وفرغ مما يريده، رحل عائداً إلى بغداد والأمراء والعساكر في خدمته، فوصل ظاهر إلى الخالص في عاشر ذي الحجة فنزل بقرية تعرف - بقرية أبي النجم - فخرج الخلق الكثير إلى تلقيه فصلى هناك ونحر وضحى ومد سماطاً عظيماً، ثم رحل في حادي عشر ذي الحجة متوجها إلى بغداد فلما وصل ظاهر سوق السلطان خلع على جميع أصحابه ومن كان في خدمته من النواب والاتباع والحاشية، وخرج إليه جميع الولاة وأرباب المناصب والاماثل والاعيان فلقوه بظاهر السور ولم يخلف أحد من الخروج سوى الوزير، ثم سار حتى وصل دجلة ونزل عند المسناة في شبارة الخليفة وقبلها وتضرع بالدعاء وبكى فخشع الحاضرون لبكائه ثم نزل فيها وانحدر إلى دار الخلافة فتلقي بالاكرام ثم خلع عليه وقلد سيفين وقدم له فرس فركبه من باب البستان ورفع وراءه سنجقان، وأما الأمراء جميعهم فأنهم دخلوا البلد وقصدوا دار الخليفة، ودخلوا من باب الحرم بموجب ما رسم لهم وجلسوا في باب الأتراك إلى أن خرج راكباً فقبلوا يده ومشوا بين يده إلى باب الباتني ثم ركبوا وساروا في خدمته إلى داره بالبدرية فلما نزل عن مركوبه خدموا وعادوا قاصدين دار نصير الدين نائب الوزارة فلقوه فخلع عليهم اجمعين، وأعطى كل واحد فرساً بمركب وخمسة آلاف دينار وأنعم على من دونهم على قدر مرتبته من الالفين إلى الخمسمائة، ثم خلع على جميع المماليك الناصرية والظاهرية والمستنصرية وأعطى كل واحد خمسين ديناراً، ثم أنعم على جميع الجند ومماليك الأمراء والعرب من ثلاثين إلى خمسة عشر، ثم أحضر علاء الدين أبو طالب هاشم بن الأمير السيد العلوي وولي عارض الجيش، وخلع عليه بدار الوزارة عوضاً عن ظهير الدين بن عبد الله، وولي الأمير أرغش الرومي الناصري إمارة البصرة وخلع عليه وتوجه إليها.
- ذكر عدة حوادث وفي هذه السنة، دخل قوم على رجل يعرف بابن اللؤلؤي داره بالعنوتين وقتلوه، ظناً أنه معه ذهباَ فلم يروا معه شيئاً ولم يعرف لهم خبر.
- وفيها. خنق إنسان يعرف بمحمد الخياط نسيب لبني ياسين نفسه بحبل في داره باللوزية قيل أنه كان شديد الضائقه وعنده تعفف وعزوف نفس عن الطلب.
- وفيها، توفي أبو محمد عبد الله بن الشيخ أبي النجيب السهروردي، من بيت التصوف وأولاد المشائخ، ذكر أنه خرج عن جميع ماله ووقفه، فلما قدم الشيخ شهاب الدين عمر السهروردي قدم على غاية الفقر مجردا من الدنيا فضاق صدر الشيخ أبي النجيب كيف لم يرضخ في الوقف بنصيب، فسأل ولده أن يعطيه شيئاً من نصيبه فلم يوافق فقال له الشيخ أبو النجيب وقد احتد: والله لتحتاجن إليه، ومضى على ذلك برهة فتقدم الشيخ شهاب الدين وأثرت حاله وفتحت عليها الدينا فأحتاج عبد الله هذا إليه واسترفده وما زال يواصله إلى أن مات.
- وفيها، توفي أبو المحاسن محمد بن نصر الأنصاري المعروف بابن عنين الكوفي أصلا، ولد بدمشق ونشأ بها، وهو شاعر مشهور سافر إلى الآفاق في التجارة ومدح الأكابر في كل البلاد، وكان ظريفاً حسن الأخلاق جميل المعاشرة ذا ثروة، وكانت وفاته بدمشق، وحج بالناس في هذه السنة، الأمير شمس الدين أصلان تكين.
- سنة أحدى وثلاثين وستمائة في المحرم، أعيدت الحلة السيفية إلى الأمير جمال الدين قشتمر الناصري وتوجه إليها.
- وفيها، نفذ الأمير بدر الدين سنقرجاه الظاهري أمير آخور الخليفة المستنصر بالله إلى الموصل ومعه خلعة السلطنة وتقليد لبدر الدين لؤلؤ الرومي الاتابكي صاحب الموصل، فخلع عليه وأمطاه فرساً بمركب ذهباً، وكنبوش أبريسما، وسيف ركاب ومشدة في عنق الفرس، ولقب الملك المسعود وأذن له أن يذكر اسمه على المنابر ببلده ونقشه على سكة العين والورق.
- وفيها ولي تاج الدين أبو الفتوح علي بن هبة الله بن الدوامي، عارض الجيش، عوضاً عن علاء الدين هاشم بن الأمير السيد، وعزل الأمير شمس الدين أصلان تكين عن إمارة الحاج، وولي شمس الدين قيران الإمارة مرة ثانية.
- وفيها، عزل يحيى بن المرتضى النيلي عن النظر بواسط، وولي عوضه قوام الدين علي بن غزالة المدائني.
- ذكر فتح المدرسة المستنصرية في جمادي الآخرة، تكامل بناء المدرسة المستنصرية التي أمر بانشائها الخليفة المستنصر بالله، وكان الشروع فيها في سنة خمس وعشرين وستمائة، وأنفق عليها أموال كثيرة، فركب نصير الدين ابن الناقد نائب الوزارة في يوم الاثنين خامس عشر جمادي الآخرة وقصد دار الخلافة واجتاز بها إلى دجلة، ونزل في شبارة من باب البشرى مصعداً إلى الدار المستجدة المجاورة لهذه المدرسة، وصعد إليها وقبل عتبتها ودخلها وطاف بها ودعا لمالكها، وكان معه استاذ الدار مؤيد الدين أبو طالب محمد بن العلقمي، وهو الذي تولى عمارتها، ثم عاد متوجها إلى داره في الطريق التي جاء بها وخلع على استاذ الدار وعلى أخيه أبي جعفر وعلى حاجبه عبد الله بن جمهور وعلى المعمار والفراشين المرتبين في الدار المذكورة المستجدة وعلى مقدمي الصناع، ونقل في هذا اليوم إلى المدرسة من الربعات الشريفة والكتب النفيسة المحتوية على العلوم الدينية والأدبية ما حمله مائة ستون حمالاً، وجعلت في خزانة الكتب، وتقدم إلى الشيخ عبد العزيز شيخ رباط الحريم بالحور بالمدرسة واثبات الكتب واعتبارها، وإلى ولده العدل ضياء الدين أحمد الخازن بخزانة كتب الخليفة التي في داره أيضاً فحضر واعتبرها ورتبها أحسن ترتيب مفصلاً لفنونها ليسهل تناولها ولا يتعب مناولها.
- وفي بعض هذه الأيام، حضر الخليفة هناك، وحضر الشيخ عبد العزيز بين يديه وسلم عليه، وأعقب دعائه بأن تلا قوله تعالى (تبارك الذي أن شاء جعل لك من ذلك جنات تجري من تحتها الأنهار ويجعل لك قصوراً) فبدأ خشوع الخليفة وتقاطرت دموعه.
- وفي يوم الخميس خامس شهر رجب، حضر نصير الدين نائب الوزارة وسائر الولاة والحجاب والقضاة المدرسون والفقهاء ومشايخ الربط والصوفية والوعاظ والقراء والشعراء وجماعة من أعيان التجار الغرباء إلى المدرسة، وتخير لكل مذهب من المدارس وغيرها اثنان وستون نفساَ، ورتب لها مدرسان ونائبا تدريس، أما المدرسان فمحيي الدين أبو عبد الله محمد بن يحيى بن فضلان الشافعي ورشيد الدين أبو حفص عمر بن محمد الفرغاني الحنفي، وخلع على كل واحد منهما جبة سوداء وطرحة كحلية وأمطي بغلة بمركب جميل وعدة كاملة، وأما النائبان فجمال الدين أبو الفرج عبد الرحمن أبن يوسف بن الجوزي الحنبلي، ونيابة عن ولده لأنه كان مسافراً في بعض مهام الديوان، والآخر أبو الحسن علي المغربي المالكي وخلع على كل واحد منهما قميص مصمت وعمامة قصب، ثم خلع على جميع المعيدين وهم لكل مذهب أربعة خلعاً بالحكاية، ثم خلع على المتولين للعمارة والصناع والحاشية وعلى المعينين للخدمة بخزانة الكتب، وهم الشمس علي بن الكتبي الخازن والعماد علي بن الدباس المشرف والجمال ابراهيم بن حذيفة المناول، ثم مد سماط في صحن المدرسة أجمع فكان عليه من الاشربة والحلواء وأنواع الأطعمة ما يجاوز حد الكثرة فتناوله الحاضرون تعبئة وتكويراً ثم أفيضت الخلع على الحاضرين من المدرسين ومشايخ الربط والمعيدين بالمدارس والشعرا والتجار الغرباء، ثم أنشد الشعراء المدائح فيها وفي منشئها: فممن أورد العدل أبو المعالي القاسم بن أبي الحديد المدائني الفقيه الشافعي:
- ما مثل الفلك العظيم لمبصر ... في الأرض قبل أيالة المستنصر
- هذا بناء معرب عن قدرة ... رفعت قواعده بفعل مطهر
- حسدت به الأرض السماء ولم يزل ... حسد الفضائل في طباع الغصر
- أنظر تجد نظم الثريا في ذرى ... شرفاته وضياء نور المشتري
- ضحك الزمان وذاك بعد عبوسه ... ورأى الصواب وذالك بعد تحير
- فالأفق بين مفضض ومذهب ... والجو بين مكوفر ومعنبر
- والأرض حاسرة القناع كأنها ... خود تبرج في رداء أخضر
- تزهو بما عمر الخليفة فوقها ... علما لاحكام البشير المنذر
- بالجانب الشرقي باشاطي الذي ... هو طور سينا كل صاحب منبر
- ومنها:
- ماحق دجلة أن تفوه بلفظة ... قهرت وأي مساجل لم يقهر
- غلب العطاء الماء فيها وانثنى ... سدا يفوق صناعة الاسكندر
- أن أصبحت بحرا فإن بنانه ... بافاضة المعروف خمسة أبحر
- وضع الإمام بها أساس بنائه ... والموج بين مجمجم ومزمجر
- قصراً ومدرسة لمن طلب الغنى ... أو رام شأو العالم المتجر
- هي جنة الفردوس يجري تحتها ... من ماء دجلة ماء نهر الكوثر
- حصباؤها در النظام وتربها ... مسك الجندب؟ وطينها كالعنبر
- أضحى سليمان الزمان وأهله ... مستخدما فيها بجنة عبقر
- لبس الغبي بها شهامة ماهر ... وغدا المقل مزاحما للمكثر
- لم تخل من حبر وشيخ فاضل ... يروي الحديث وساجد ومعفر
- قد كانت الفقهاء قبل بنائها ... في كل قطر واحد لم يذكر
- فرقى يشق على المريد طلابها ... في الشرع والمطلوب كالمعتذر
- فاليوم قد جمعت أمور الدين في ... أرجائها وأزيل عذر المقصر
- وأورد بعده جماعة كثيرة، ثم ذكر المدرسان المقدم ذكرهما الدروس كل واحد منهما على حدته، والنائبان كل واحد منهما تحت السدة ثم قسمت الأرباع فسلم ربع القبلة الأيمن إلى الشافعية، والربع الثاني يسرة القبلة للحنفية، والربع الثالث يمنة الداخل للحنابلة، والربع الرابع يسرة الداخل للمالكية، وأسكنت بيوتها وغرفها وأجري لهم الجراية الوافرة. عملاً بشرط الواقف، ثم نهض نصير الدين وأرباب الدولة والحاضرون وكان يومئذ الخليفة جالساً في الشباك الذي في صدر الإيوان، ينظر جميع ماجرت الحال عليه.
- تلخيص شروط هذه المدرسة شرط أن يكون عدة الفقاء مائتين وثمانية وأربعين متفقها من كل طائفة أثنان وستون بالمشاهرة الوافرة والجراية الدارة واللحم الراتب والمطبخ الدائر إلى غير ذلك من الحلواء، والفواكه، والصابون والبزر، والفرش، والتعهد، وشرط أن يكون في دار الحديث التي بها شيخ عالي الأسناد وقارئان وعشرة أنفس يشتغلون بعلم الحديث النبوي، وأن يقرأ الحديث في كل يوم سبت واثنين وخميس من كل أسبوع، وشرط لهم الجراية، والمشاهرة، والتعهد أسوة بالفقهاء وشرط، أن يكون في الدار المتصلة بالمدرسة، ثلاثون صبياً أيتاماً يتلقنون القرآن المجيد من مقرىء متقن صالح، ويحفظهم معيد معه ولهم من الجراية، والمشاهرة، والتعهد، ما للمشتغلين بعلم الحديث، وشرط، أن يرتب بها طبيب حاذق مسلم، وعشرة أنفس من المسلمون يشتغلون بعلم الطب، ويوصل إليهم مثل ما للمقدم ذكرهم، وأن يكون الطبيب يطب من يعرض له مرض من أرباب هذا الوقف، ويعطي المريض ما يوصف له من أدوية وأشربة وغير ذلك، وشرط أن يكون بها من يشتغل بعلم الفرائض والحساب إلى غير ذلك، مما إذا أستقصي ذكره، طال تعداده.
- ذكر عدة حوادث في تاسع رجب، رتب القاضي أبو النجيب عبد الرحمن بن القاضي يحيى بن القاسم التكريتي ناظراً في مصالح المدرسة المستنصرية، ورتب العدل عبد الله بن ثامر مشرفاً عليه، ورتب معهما العدل أبو منصور الفاضل بن محمد كاتباً، ورتب العدل بن أبي البدر خازناً، وخلع على جميع.
- وفي شهر رمضان، وصل محيي الدين يوسف بن الجوزي من مصر وخلع عليه بذار الوزارة، خلعة التدريس على الحنابلة، بالمدرسة المستنصرية، وحضرالمدرسة بالخلعة ومعه جميع الولاة والحجاب فجلس على السدة وخطب وذكر دروساً.
- وفي ذي القعدة، توفي محيي الدين أبو المظفر بن البوقي، أصله من واسط من أولاد الفقهاء، أحب التصرف ودخل فيه فخدم عدة خدمات آخرها صدرية بلاد خوزستان، بقي على ذلك مدة ثم عزل.
- وفيها، وصل الأمير مظفر الدين بهنام الرومي الناصري زعيم تستر معزولاً، وولي عوضه الأمير علاء الدين الدكز الناصري شحنة بغداد، وولي ظهير الدين الحسن بن عبد الله، ناظراً في أعمال خوزستان ومتوالياً لديوانها.
- وفيها، خلع أمير الحاج شمس الدين قركان وتوجه بالحاج، فلما وصلو بعض المنازل بلغهم أن العرب الاجاودة طموا الآبار في منزل سلمان، وعزموا على أخذهم، فأشاروا على أمير الحاج بالعود إلى بغداد، فاستفتى من كان في الحاج من الفقهاء في ذلك، فأفتوا بجواز الرجوع، فرجع بالناس فلما وصلوا ذكروا أنهم طلبوا منهم المصالحة على مال، وتجاوزوا حد الكثرة فيه، وطلبوا اطلاق محبوسين لهم ببغداد، وأخذ وجوه الحاج رهائن على اطلاقهم وترددت الرسل بينهم في ذلك، هذا كله: والحاج نازلون على ماء قليل يصل إلى بعضهن بالقوة الجاه، وتمادت الأيام وتحقق فوات الحج، فعدلوا عن مصالحتهم، وتوجهوا عائدين، فمات منهم خلق كثير، ومعظم الجمال، وأحرقوا من أزوادهم وأمتعتهم قبل رحيلهم شيئاً كثيراً لئلا تأخذه العرب، فقال الفقيه أبو الحسن علي بن البطريق قصيدة: كتبها إلى الخليفة يحرضه على قتال العرب، هذه الأبيات منها:
- الكفر في الترك دون الكفر في العرب ... أليس منهم إذا عدوا أبو لهب
- أليس منهم أبو جهل وبنتهم ... عدوة المصطفى حمالة الحطب
- فيا إمام الهدى يا خير من نظمت ... له المدائح، يابن السادة النجب
- يا أيها القائم المنضور أنت إذا ... حضرت وجه رسول الله لم تعب
- فاغز الأعاريب بالأتراك منتقما ... منهم ولا تر فيهم حرمة النسب
- فقد غزاهم رسول الله في حرم ... الله المنيع بإذن الله وهو نبي
- وما رعى فيهم آلا ولا نسبا ... ولم يقل أن أمي منهم وأبي
- أن أدعوا أنهم قد أسلموا فقدار ... تدوا بمنعهم للحج عن كثب
- وكان قد وصل تابوت مظفر الدين كوكبري صاحب أربل ونفذ صحبة الحاج ليدفن في مكة فلما رجع الحاج، دفن في مشهد علي عليه السلام.
- وفيها، نقل تاج الدين معلى من صدرية المخزن، إلى صدرية ديوان الزمام، ونقل عميد الدين بن عباس من الأشراف عليه هناك، وجعل مشرفاً عليه في الديوان.
- وولي جمال الدين عبد الله بن الناقد صدرا بالمخزن نقلاً من الحجبة به، وخلع عليه في دار أخيه نصير الدين، ورتب فخر الدين أحمد بن الدامغاني مشرفاً عليه نقلاً من أشراف ديوان الزمام، وخلع عليه.
- وفيها، توفى أبو عبد الله العباس بن الخليفة الظاهر، وتوفي أيضاَ الشيخ أبو العباس أحمد بن ثبات الهمامي الواسطي، كان أحد عدول واسط، وتولى قضاء الهمامية مدة ثم ترك ذلك، وقدم بغداد، وأقام بالمدرسة النظامية نحواً من أربعين سنة، يقرىء الناس علم الحساب والفرائض، وصنف في ذلك كتباً، وكان لا يخرج من المدرسة إلا لصلاة الجمعة، مضى على ذلك عمره إلى أن توفي، وكان شيخاً بارد الكلام جداً، من يسمع كلامه يخاله أبله، فإذا أملي مسائل الحساب أتى بكل حسن.
- وتوفي مجد الدين مخمد بن زعرور، كان أولاَ يتصرف في أعمال السواد، ثم رتب نائباً بالجانب الغربي مدة، ثم ولي نظارة واسط وأقام بها سنين، ثم فصل عنها فأقام ببغداد مدة، ثم عين عليه صدراً بنهر عيسى. ونهر الملك. وهبت والأنبار، وجعل له ديوان مفرد، فكان على ذلك إلى أن توفي.
- وتوفي، تاج الدين أبو الحسن علي بن الأنباري الواسطي، ولد بواسط وخدم في أعمالها، ثم قدم بغداد وخدم ناظراً في ديوان العقار، ثم رتب ناظراً بديوان واسط، ثم عزل ورتب مشرفاً في البلاد الحلية مدة، ثم ناب في أعمال المخزن، ثم ولي أشراف الديوان ثم نقل إلى صدرية ديوان الزمام، فلم يزل على ذلك إلى أن مات، وكان ظالماً متحيفاً.
- وفيها، توفي أبو عبد الله محمد بن يحيى بن فضلان، كان فقيهاً عالماً، درس بعد أبيه بمدرسة فخر الدولة بن المطلب، ورتب كاتبا بدار التشريفات، ثم تولى تدريس المدرسة النظامية والنظر في أوقافها إضافة في دار التشريفات، ثم عزل عن النظامية خاصة وتوفر على خدمته بدار التشريفات وتدريس - دار الذهب - ورفع الطرحة، ثم قلد قضاء القضاة، ورد إليه النظر في ديوان الحسبة والنظر في أوقاف المدارس والأربطة، فلم يزل على ذلك إلى أن توفي الخليفة الناصر لدين الله، فلما بويع الظاهر بأمر الله، عزله فلزم منزله لا يخرج منه إلا لصلاة الجمعة، ثم استدعي وولي نظارة المارستان العضدي، فكان على ذلك شهوراً، ثم عزل نفسه ولزم بيته إلى أن استدعي وولي النظر بديوان الجوالي واستيفاء ثروات أهل الذمة، ثم ولي تدريس - مدرسة الأصحاب - فتردد إليها مدة ثم تركها، وتوفر على ديوان الجوالي ثم نفذ في رسالة إلى ملك الروم، فلما عاد رتب مدرس الطائفة الشافعية: بالمدرسة المستنصرية فكان على ذلك إلى أن توفي.
- حكي عنه: أنه كتب للخليفة الناصر لدين الله لما كان يتولى ديوان الجوالي رقعة طويلة يقول فيها: مذهب الشافعي رضي الله يقضي أن المأخوذ من أهل الذمة، أعني اليهود والنصارى وكل سنة أجرة عن سكناهم في دار السلام، والارتفاق بمرافقها لا يتقدر في الشرع بمقدار معين في طرف الزيادة ويتقدر في طرف النقصان بدينار، فلا يؤخذ من أحد منهما على الاطلاق أقل من دينار ويجوز أن يؤخذ مايزيد علي الدينار إلى المائة، حسب امتداد اليد عليهم مهما أمكن، فإن رأى أن يتضاعف على كل شخص منهم ما يؤخذ منه، فللاراء الشريفة علوها في ذلك، وهذا لا يبين عليهم لا في أحوالهم ولا في ذات أيديهم لأن الغالب على الجميع التخفيف في القدر المأخوذ منهم، وهم ضروب وأقسام، منهم من هو في خدمات الديوان وله المعيشة السنية غير بركة يده الممتدة إلى أموال السلطان والرعية من الرشا والبراطيل، ولعل الواحد منهم ينفق في يومه القدر المأخوذ منه في السنة، هذا مع مالهم من الحرية الزائدة والجاه القاطع والترقي على رقاب خواص المسلمين، وقد شاهد العبد وغيره من الفقهاء الحاضرين في المخزن لتناول البر المتقبل: أن أبن الحاجب قيصر، أقام ابن محرز الفقيه من طرف موضع كان به، وأقعد مكانه ابن زطينا كاتب المخزن لمكان خدمته وقد روي عن علي عليه السلام أنه قال: أمرنا أن لا نساويهم في المجلس ولا نشيع جنائزهم ولا نعود مرضاهم ولا نبدأهم بسلام وقد كان أبن مهدي استفتى العبد وغيره، في تولية ابن ساوا النظر بواسط، فقال له العبد: لا يجوز ذلك، وذكر له قصة عمر بن الخطاب رضي الله عنه مع أبي موسى الأشعري وذلك أنه عرض عليه حسبة عمل من الأعمال فأعجبته، فقال من كاتب هذه؟ وكان عمر جالساً في المسجد، فقال له أبو موسى: رجل بباب المسجد، فقال عمر: ما باله لا يدخل المسجد أجنب هو؟ قال: لا إنما هو نصراني، فغضب عمر وقال: أتقربونهم وقد أبعدهم الله وتأتمنونهم وقد وخونهم الله وترفعونهم وقد وضعهم الله لا يعمل لي هذا عملاً في بلد من بلاد الإسلام، ثم ليس لهم في بلد من الحرمة والجاه والمكانة ما لهم في مدينة السلام، فلو تضاعف المأخوذ منهم مهما تضاعف، كان لهم الربح الكثير. ومنهم الاطباء أصحاب المكاسب الجزيلة، بترددهم إلى منازل الأعيان، وأرباب الأحوال ودخولهم على المتوجهين في الدولة، والناس يتحملون فيما يعطون الطبيب زائداً على القدر المستحق، وهو أمر من قبل المروآت فلا ينفكون عن الخلع السنية والدنانير الكثيرة والطرف في ا لمواسم والفصول مع ما يحطون في المعالجات ويفسدون الأمزجة والأبدان، ويخرج الصبي منهم ولم يقرأ غير عشر مسائل حنين، وخمس قوائم من تذكرة الكحالين وقد تقمص ولبس العمامة الكبيرة وجلس في مقاعد الأسواق والشوارع على دكة حتى يعرف، وبين يديه المكحلة والملحدان يؤذي هذا في بدنه وبجرب على ذا في عينه، فيفتك من أول النهار إلى آخره ويمضي آخر النهار إلى منزله ومكحلته مملوءة قراضة فإذا عرف بقعوده على الدكة وصار له الزبون، قام يدور ويدخل الدور، ومنهم أرباب المعايش من العطارين والمخلطين والكسارين أصحاب المكاسب ا لظاهرة والارتفاقات الكثيرة بأموال التجار المسلمين وأخذهم من الحجر بالمدة وما يعفوا في ميزان الذهب، وميزان الارطال وما يغشون في الحوائج ويدغلون، ومنهم أصحاب الحرف والصناعات من الصاغة وغيرهم وما يتقلبون فيه من الذهب والفضة ويسرقون الذهب ويجعلون عوضه المس ويعدلونه ويسرقون الفضة ويجعلون عوض ذلك في المواضع المستورة بحسب احتمالها، تارة قارا وغير ذك ومنهم الجهابذة وما يسرقون في القبض والتقبيض، ومنهم الصيارف واحتجاجهم ببضاعة دار الضرب مع مالهم من التبسط في المسلمات والمسلمين وبذل جزيل المال في تحصيل أغراضهم في الفساد ورفاهية العيش والتلذذ في المآكل والمشارب، ثم ما زالوا على اختلاف الزمان يؤخذون بالصغار ولبس الغيار الذي أوجبه الشرع عليهم، وكتب عمر بن الخطاب رضي الله عنه إلى أمراء الأمصار، أن احملوا أهل الذمة على جز نواصيهم وأن يختموا أعناقهم بخواتم من رصاص أو حديد، وأن يركبوا على الأكف عرضاً، وأن يشدوا الزنانير علي أوساطهم ليتميزوا بذلك عن المسلمين، وعلى ذلك جرى الأمر في زمن الخلفاء الراشدين وآخر من شدد عليهم المقتدي بأمر الله واجراهم على العادة التي كانت في زمن
- المتوكل، فعلق في أعناقهم الجلاجل ونصب الصور والخشب على أبوابهم لتتميز بيوتهم عن بيوت المسلمين، وأن لا يساوي بنيانهم بنيان المسلمين وألزم اليهود لبس الغيار والعمائم الصفر، وأما النساء فلازر العسلية، وأن تخالف المرأة منهم بين لوني خفيها، واحد أسود، والآخر أبيض، وأن يجعلوا في أعناقهن أطواقاً من حديد إذا دخلن الحمامات، وأما النصارى فلبس الثياب الدكن والفاختية وشد الزنانير على أوساطهم وتعليق الصلبان على صدورهم، وإذا أرادوا الركوب لا يمكنون من الخيل، بل البغال والحمير بالبراذع دون السروج عرضاً من جانب واحد، فهؤلا قد حط عنهم هذا كله فلا يقابل ذلك بتضعيف ما يؤخذ منهم، وهؤلاء في أكثر البلاد يلزمون الغيار ولايتمكنون من الدخول إلا في أرذل الصنائع وأرذل الحرف، أما في بخار سمرقند فمنقوا الكنف المجاري ورفع المزابل ومساقط الفضلات هم أهل الذمة، وأقرب البلاد إلينا حلب، وهم بها عليهم الغيار، ومن حكم الشرع أنه إذا أخذت الجزية منهم يدفعها المعطي منهم وهو قائم والآخذ قاعد يضعها في كفه ليتناولها المسلم من وسط كفه: تكون يد المسلم العليا ويد الذمي هي السفلى، ثن يمد بلحيته ويضرب في لهازمه ويقول له: أد حق الله ياعدو الله ياكافر، واليوم منهم من لا يحضر عند العامل بل ينفذها على يد صاحبه، الصابئة قوم من عبدة الكواكب يسكنون في البلاد الواسطية لا ذمة لهم، وكان في قديم الزمان لهم ذمة، فاستفتى القاهر بالله أبا سعيد الاصطخري، من أصحاب الشافعي في حقهم، فأفتاه بأراقة دمائهم وأن لا تقبل منهم الجزية، فلما سمعوا بذلوا له خمسين ألف دينار فأمسك عنهم، وهم اليوم لا جزية عليهم ولا يؤخذ منهم شيء، وهم في حكم المسلمين والأمر أعلى: فيما وقف الخليفة على رقعته لم يعد عنها جواباً، ولما توفي ابن فضلان رتب عوضه في تدريس المدرسة المستنصرية قاضي القضاة أبو المعالي عبد الرحمن بن مقبل الواسطي مضافاً إلى القضاء.، فعلق في أعناقهم الجلاجل ونصب الصور والخشب على أبوابهم لتتميز بيوتهم عن بيوت المسلمين، وأن لا يساوي بنيانهم بنيان المسلمين وألزم اليهود لبس الغيار والعمائم الصفر، وأما النساء فلازر العسلية، وأن تخالف المرأة منهم بين لوني خفيها، واحد أسود، والآخر أبيض، وأن يجعلوا في أعناقهن أطواقاً من حديد إذا دخلن الحمامات، وأما النصارى فلبس الثياب الدكن والفاختية وشد الزنانير على أوساطهم وتعليق الصلبان على صدورهم، وإذا أرادوا الركوب لا يمكنون من الخيل، بل البغال والحمير بالبراذع دون السروج عرضاً من جانب واحد، فهؤلا قد حط عنهم هذا كله فلا يقابل ذلك بتضعيف ما يؤخذ منهم، وهؤلاء في أكثر البلاد يلزمون الغيار ولايتمكنون من الدخول إلا في أرذل الصنائع وأرذل الحرف، أما في بخار سمرقند فمنقوا الكنف المجاري ورفع المزابل ومساقط الفضلات هم أهل الذمة، وأقرب البلاد إلينا حلب، وهم بها عليهم الغيار، ومن حكم الشرع أنه إذا أخذت الجزية منهم يدفعها المعطي منهم وهو قائم والآخذ قاعد يضعها في كفه ليتناولها المسلم من وسط كفه: تكون يد المسلم العليا ويد الذمي هي السفلى، ثن يمد بلحيته ويضرب في لهازمه ويقول له: أد حق الله ياعدو الله ياكافر، واليوم منهم من لا يحضر عند العامل بل ينفذها على يد صاحبه، الصابئة قوم من عبدة الكواكب يسكنون في البلاد الواسطية لا ذمة لهم، وكان في قديم الزمان لهم ذمة، فاستفتى القاهر بالله أبا سعيد الاصطخري، من أصحاب الشافعي في حقهم، فأفتاه بأراقة دمائهم وأن لا تقبل منهم الجزية، فلما سمعوا بذلوا له خمسين ألف دينار فأمسك عنهم، وهم اليوم لا جزية عليهم ولا يؤخذ منهم شيء، وهم في حكم المسلمين والأمر أعلى: فيما وقف الخليفة على رقعته لم يعد عنها جواباً، ولما توفي ابن فضلان رتب عوضه في تدريس المدرسة المستنصرية قاضي القضاة أبو المعالي عبد الرحمن بن مقبل الواسطي مضافاً إلى القضاء.
- وتوفي على بن ابراهيم بن الانباري الذي كان صاحب الديوان.
- سنة اثنتين وثلاثين وستمائة فيها، رتب فخر الدين أبو سعيد المبارك بن المخرمي وكيل باب طراد والنظر بدار الشريفات عوض علي بن العنبري نقلا من نيابة ديوان الزمام.
- وفيها، عزل شمس الدين علي بن سيقر الطويل عن الإمارة ولزم بيته وقصر نفسه فيه.
- وفيها، تقدم بأحضار جماعة من الولاة وأرباب الدولة إلى دار الوزارة ثم جماعة من التجار والصيارف وأحضرت دراهم فضة وألقيت على نطع بين يدي نصير الدين ثم نهض قائماً والجماعة، وعرفهم أن الخليفة أنعم في حق رعيته وأنقذهم من التعامل بالحرام وتجنب الآثام وأغناهم عن الصرف المشتمل على الربا بالمعاملة بهذه الدراهم عوضاً عن القراصنة، وقرر سعرها كل عشرة دراهم بدينار، واعطى الصيارف منها ما يعاملون الناس به.
- وفيهم، ختم الأمير أبو أحمد عبد الله ولد الخليفة المستنصر بالله القرآن المجيد على مؤدبه العدل أبي المظفر علي بن النيار واحضر له خلعة: قميص اطلس وبقيار قصب بمغربي، فأمتنع من لبسه تورعاً لما ورد في ذلك من النص الدال على التحريم، وأحضر له قميص مصمت غزلي وبقيار قصب بحرير وأنعم عليه بألفي دينار، وفرس عربي وخلع على ولد له صغير مائتي دينار وأنفذ إلى داره ما حمله اثنان وأربعون حمالاً، ثم عملت دعوة عظيمة بلغت الغرامة عليها عشرة آلاف دينار، ثم خلع على وكيله العدل عبد الوهاب بن المطهر وعلى ولده وعلى جميع الخدم والحاشية.
- وفيها، نقل تاج الدين علي بن الدوامي من ديوان عرض الجيش إلى صدرية ديوان أربل وخلع عليه وتوجه إليها.
- وفيها، ولي قطب الدين سنجر الناصري شحنكية بغداد.
- ووصل رسول من بدر الدين لؤلؤ صاحب الموصل، ومعه تحف والطاف وكراع كثير، وسأل تزويج ابنته بمجاهد الدين أيبك الخاص المستنصري المعروف بالدويدار الصغير، فأحضر قاضي القضاة أبو المعالي عبد الرحمن بن مقبل ونائباه عبد الرحمن بن عبد السلام بن اللمغاني وعبد الرحمن بن يحيى التكريتي، وحضر مجاهد الدين الديويدار ومعه جماعة كبيرة من خدم الخليفة وأصحاب الشرابي وحاشية البدرية وجلس على يمين نصير الدين نائب الوزارة وخطب الخطيب أبو طالب الحسين بن المهتدي بالله خطبة النكاح وتولى العقد القاضي أبن اللمغاني وكان وكيل بدر الدين لؤلؤ رسوله أمين الدين لؤلؤ، والصداق مبلغه عشرون ألف دينار، وكتب كتاب الصداق في ثوب اطلس أبيض، وعملت دعوة عظيمة، ثم نهض مجاهد الدين، وخلع نصير الدين على من باشر العقد من القضاة والشهود والخطيب والوكلاء، وفي هذا الأملاك أنشد جماعة من الشعراء: منهم عبد الحميد بن أبي الحديد أنشد أبياتاً يقول فيها:
- أهلاً بيوم حسن المنظر ... قد قرن الزهرة بالمشتري
- لاسلباً ظل أمام الهدى ... شمس الوجود النير الأكبر
- وفيها، عزل فخر الدين أبو طالب أحمد بن الدامغاني عن أشراف الديوان فلزم منزله.
- وفيها، قتل رجل نصراني كان يسكن في درب الشاكريه، قتله غلام له وأظهر أنه قد سافر، فطال العهد بذلك، والغلام في داره يتصرف فيها على حسب ايثاره، فارتيب به فأخذ وقرر بالضرب فاعترف بأنه قتله والقاه في بئر داره، فوقع الاقتصار على تخليده السجن، لآن الغلام كان مسلما عملا بمذهب - الشافعي وأحمد - في ذلك.
- وفيها، رتب الاوحد الكرماني الصوفي شيخاً للصوفية برباط المرزبانية وخلع عليه واعطي بغلة ونفذ معه حاجب إلى هناك وهو شيخ حسن السمت، متكلم بلسان أهل الحقيقة وأرباب الطريقة قدم بغداد ونزل بجامع ابن المطلوب وكان الناس يقصدونه ويحضرون عنده من الفقراء والصوفية فأشتهر ذكره.
- وفيها، عزل أمير الحاج قيران الظاهري عن أمارة الحاج خاصة، وولي عوضه الأمير حسام الدين أبو فراس بن جعفر بن أبي فراس وحج بالناس في هذه السنة.
- وفيها، توفي الشيخ شهاب الدين أبو حفص عمر بن محمد بن عبد الله السهروردي الصوفي الواعظ ولد بسهرورد ونشأ بها وقدم بغداد واستوطنها وهو أبن أخي الشيخ أبي النجيب السهروردي، صحبة كثيراً وعنه أخذ علم الصوفية والوعظ ومعرفة الحقيقة والطريقة وصنف في شرح أحوال الصوفية كتاباً حسناً وتكلم في الوعظ بباب بدر ومدرسة عمه أبي النجيب وتولى عدة ربط للصوفية، منها رباط الزوزني ورباط المأمونية وبنى له الخليفة الناصر لدين الله رباطاً بالمرزبانية على نهر عيسى وبنى إلى جنبه دارا واسعة وحماماً وبستاناً يسكنها بأهله ونفذه الخليفة رسولاً إلي عدة جهات وكان الملوك الذين يرد عليهم يبالغون في اكرامه وتعظيمه واحترامه اعتقاداً فيه وتبركاً، ودفن في الوردية في تربة عملت له هناك على جادة سور الظفرية، ومات عن اثنتين وتسعين سنة لم يخلف شيئاً من عروض الدينا بعد أن حصل له منها الشيء الكثير فأخرجه جميعه لأنه كان كريم النفس وكان مهيب الشكل طيب الأخلاق كثير العبادة.
- وتوفي، عبد السلام بن أبي عصرون التميمي الحلبي الفقيه الشافعي المفتي المدرس، من بيت مشهور بالعلم والقضاء والرئاسة والقدم عند الملوك بحلب، كان فاضلاً ذا أموال فائضة وعنده سعة نفس وكان يقول الشعر.
- وتوفي، أبو سليمان داود بن يوسف بن أيوب بن شادي المعروف بالملك الزاهر صاحب البيرة.
- وتوفي، أبو حفص عمر بن محمد بن أبي نصر الفرغاني الفقيه الحنفي شيخ صالح قدم بغداد وأقام بها مدة برباط الزوزني المجاور لجامع المنصور، ثم انحدر إلى واسط وأقام عند بني الرفاعي، سائحاً متعبداً وانتفع به بنو الرفاعي واشتغلوا عليه ثم عاد إلى بغداد بعد سنين وأصعد إلى سنجار فأقام بها مدة يقرأ عليه في جامعها الفقه والأدب ثم عاد إلى بغداد وأقام برباط العميد مدة ثم ندب إلى تدريس الطائفة الحنفية لما فتحت المدرسة المستنصرية، فلم يزل بها إلى أن مات قبل أن دخل إليه الشيخ محمد بن الرفاعي فصبحه غلطاً وكان مساء فقال ارتجالاً:
- أتاني مساء نور عيني ونزهتي ... فخرج عني كربتي وأزاحا
- فصبحته عند المساء لأنه ... بطلعته رد المساء صباحاً
- ذكر فتح المدرسة الشرقية الشرابية بواسط وفي هذه السنة في سابع عشر شعبان، فتحت المدرسة التي أمر بأنشائها شرف الدين أبو الفضائل الشراب للشافعية بالجانب الشرقي من واسط على دجلة مجاورة لجامع كان دائراً، فأمر بتجديد عمارته ورتب به مدرسا العدل أحمد بن نجا الواسطي ورتب بها معيدان واثنان وعشرون فقيهاً وخلع على الجميع وعلى من تولى عمارتها من النواب والصناع والحاشية الذين رتبوا لخدمتها وعمل فيها دعوة حسنة حضرها صاحب الديوان ابن الدباهي والناظر بواسط والقاضي والنقيبان والقراء والشعراء، وكان المتولي لعمارتها والذي جعل النظر إليه وإلى عقبه في وقفها أبو حفص عمر بن أبي بكر بن أسحق الدروقي.
- سنة ثلاث وثلاثين وستمائة
- في المحرم، وصل الملك الناصر ناصر الدين داود بن الملك المعظم عيسى بن الملك العادل أبي بكر محمد بن أيوب إلى بغداد واجتاز بالحلة السفيفة وبها الأمير شرف الدين علي بن جمال الدين قشتمر زعيم الحلة وفتلقاه بالاكرام والمد والإقامات وعمل له دعوة عظيمة بلغ الخرج عليها زيادة على اثني عشر ألف دينار، ثم توجه إلى بغداد فخرج إلى لقائه النقيب الطاهر قطب الدين أبو عبد الله الحسين بن الاقساسي وخادمان من خدم الخليفة وجميع الحجاب والدعاة فدخل وقبل عتبة باب النوبي ثم قصد دار الوزارة ولقي نصير الدين نائب الوزارة فاحترمه و بجله و خلع عليه خلعة احضرت من المخزن وهي قباء أطلس وسربوش وقدم له فرس عربي بمركب وذهباً وأسكن في دار بمحلة المقتدية تعرف بمعد الموسوي، وسبب قدومه إلى بغداد أنه كان قد ملك دمشق بعد وفاة أبيه الملك المعظم بعهد منه له، فقصده عماه الكامل أبو المعالي محمد صاحب مصر يومئذ والاشراف أبو الفتح موسى ابنا العادل أبي بكر، والاشرف حينئذ صاحب حران والرها وخلاط وغير ذلك، ونزلا بعساكرها ظاهر دمشق محاصرين لها واقاما على ذلك شهوراً وذلك في سنة ست وعشرين وستمائة فلما طال حصار البلد وضاق على أهله وكثر عبث العساكر وفسادهم وتخريبهم نرل ناصر الدين على حكمهما وفتح لهما البلد وخلاه فلما تمكنا من البلد سيراه إلى الكرك في جماعة من أصحابه فحضر لينهي حاله إلى الخليفة فوعده بأصلاح امره ثم أنفذ إليها في المعنى فأجابا إلى ذلك وسأل ناصر الدين في مدة اقامته ببغداد أن يحضر المدرسة المستنصرية فأمر الخليفة بعمل دعوة واحضار فقهاء المدارس، ثم حضر ناصر الدين فجلس على طرف ايوانها الشمالي ووقف مماليكه وأصحابه في ربعي المالكية والحنفية، ووقف عند كل طائفه حاجب وحضر قراء الديوان وقرئت الحتمات وأنشد جماعة من الفقهاء قصائد ثم قدم المشروب وبعده أنواع الأطعمة فتناول ناصر الدين من ذلك بعد أن قبل الأرض مرارا فلما فرغوا من ذلك انصرف إلى داره.
- وفي ثامن عشر شعبان، تقدم إلى أبي الفرج عبد الرحمن بن الجوزي بالجلوس في الرباط المجاور لمعروف الكرخي المقابل لتربة واقفته وحضر ناصر الدين، ولما انقضى المجلس مد سماط عظيم ثم خلع عليه في حادي عشرية في دار الوزارة وقدم له فرس عربي بمركب ذهباً ومشدة وأعطي علماً بمشاد وجفتايين، وخلع على حميع أصحابه وأتباعه ومماليكه وأعطي عدة ارؤس من الخيل وثياباً كثيرة وخمسة وعشرين ألف دينار وخمسين جملاً وكراعاً كثيراً وآلات ومفارش وغير ذلك وتوجه إلى مستقره وقد اصلحت الحال بينه وبين عميه الكامل والاشرف.
- وفي سلخ ربيع الأول، وصل الأمير ركن الدين اسماعيل بن بدر الدين لؤلؤ صاحب الموصل إلى بغداد وخرج إلى لقائه النقيب الطاهر الحسين بن الاقساسي وخادمان من خدم الخليفة وموكب الديوان فلقيه بظاهر البلد ودخل معه إلى باب النوبي فقبل العتلة ودخل إلى نصير الدين نائب الوزارة فأكرمه وخلع عليه قباءا أطلس وسربوش شاهي وقدم له فرساً بعدة كاملة وأسكن دار الأمير علي بن سنقر الطويل بدرب فراشا وأسكن الأمراء الذين كانوا صحبته في دور، وبعد أيام قصد زيارة أخته زوجة الأمير علاء الدين أبي شجاع الطبرسي الدويدار فعمل له دعوة جميلة عمت جميع أصحابه وخلع عليه وأعطاه أحد عشر رأساً من الخيل العربيات وعشر جون فيها من أنواع الثياب وخمسة آلاف دينار وخلع على جميع أصحابه واتباعه ومماليكه.
- وفي سابع عشر ربيع الآخر، حضر بالبدرية عند شرف الدين أقبال الشرابي فخلع عليه وعلى جميع أصحابه ووصله بذهب كثير وخيل وتحف واهدايا.
- وفي العشرين من الشهر، حضر في دار نصر الدين نائب الوزارة فخلع عليه وقلد سيفاً وأمطي فرساً بعدة كاملة وخلع على جميع أصحابه وأنعم عليه بقدر صالح من العين برسم نفقة الطريق ثم توجه مصعداً في ثامن عشر الشهر، وفي مدة مقامه ببغداد عملت له دعوة في رباط الخلاطية فحضر هناك وتفرج في الرباط، ثم عملت له دعوة أخرى في رباط والده الخليفة الناصر لدين الله، ثم عملت له دعوة أخرى في المدرسة المستنصرية فحضر وجلس على أيوانها وقرأ وذكر المدرسون الدروس ثم طيف به في رواقها.
- وفيها، عزل علي بن غزالة المدائني عن النظر بواسط وولي عوضه على بن الشاطر الانباري وولي الأمير بكتين الناصري شحنكيتها.
- وفيها، وصل الفقيه عبد الله بن عبد الرحمن بن عمر المغربي الأصل الشرمساحي المولد الاسكندراني المنشأ والدار، إلى بغداد ومعه أهله وولده وجماعة من الفقهاء فلقي بالقبول من الديوان ثم أحضر دار الوزارة واحضر جميع المدرسين فذكر مسألة تفرع منها عدة مسائل على مذهب الإمام مالك بن أنس وبحثت الجماعة معه واستجادوا كلامه فخلع عليه وأمطي بغلة بعدة كاملة أسوة بالمدرسين بالمدرسة المستنصرية وتقدم بحضور أرباب الدولة والمدرسين بسائر المدارس والفقهاء فحضروا، فخطب خطبة بليغة وذكر اثني عشر درساً وختمها بدرس من الوعظ وأعربت دروسه عن فضل ظاهر وجعل له في كل رجب مائة دينار وخلع على أخيه وجعل معيداً لدرسه ثم خلع على الفقها الذين وصلوا صحبته وأثبتوا، وفي ربيع الآخر نقل القاضي فخر الدين أبو سعيد المبارك بن المخرمي من وكالة باب طراد، ونظره بدار التشريفات إلى صدرية المخزن، وخلع عليه وأعطي مركوباً بعدة كاملة وأنعم عليه بألف دينار وأسكن في الدار المنسوبة إلى الوزير عبيد الله بن يونس المجاورة للديوان ورتب علي بن غزالة المدائني مشرفاً عليه ورتب هبة الله بن خليد كاتباً معه، وخلع عليهما، ثم نقل فخر الدين بن المخرمي إلى صدرية ديوان الزمام، ونقل ابن غزالة إلى الأشراف عليه، وخلع عليهما وانحدراً إلى واسط.
- واستناب نصير الدين بن الناقد نائب الوزارة اخاه أبا الفضل في الدكالة.
- وفيها، ولي الأمير سراج الدين سرابه الناصري شحنكية البصرة.
- وفيها تكامل بناء الايوان الذي انشىء مقابل المدرسة المستنصرية وعمل تحته صفة يجلس فيها الطبيب وعنده جماعته الذين يشتغلون عليه بعلم الطب ويقصده المرضى فيداويهم وبني في حائط هذه الصفة دائرة وصور فيها صورة الفلك وجعل فيها طاقات لطاف لها أبواب لطيفة، وفي الدائرة بأزان من ذهب في طاستين من ذهب ووراءهما بندقتان من شبه لايدركهما الناظر فعند مضي كل ساعة ينفتح فما البازين ويقع منهما البندقتان وكلما سقطت بندقة انفتح باب من أبواب تلك الطاقات والباب من ذهب فيصير حينئذ مفضفضاً، وإذا وقعت البندقتان في الطاستين تذهبان إلى مواضعهما، ثم تطلع أقمار من ذهب في سماء لازوردية في ذلك الفلك مع طلوع الشمس الحقيقية وتدور مع دورانها وتغيب مع غيبوبتها فإذا جاء الليل فهناك أقمار طالعة من ضوء خلفها كلما تكاملت ساعة تكامل ذلك الضوء في دائرة القمر ثم يبتدىء في الدائرة الأخرى إلى انقضاء الليل وطلوع الشمس فيعلم بذلك أوقات الصلاة، ونظم الشعراء في ذلك اشعاراً: منها قول أبي الفرج عبد الرحمن بن الجوزي. من أبيات مدح بها الخليفة.
- يا أيها المنصور يا مالكا ... برأيه صعب الليالي يهون
- شيدت لله ورضوانه ... أشرف بنيان يروق العيون
- أيوان حسن وضعه مدهش ... يحار في منظره الناظرون
- صور فيه فلك دائر والش ... مس تجري ما لها من سكون
- دائرة من لازورد حكت ... نقطة تبر فيه سرمصون
- فتلك في الشكل وهذي معا ... كمال هاء ركبت وسط نون
- وفيها، حضر عند قاضي القضاة أبي المعالي عبد الرحمن بن مقبل الواسطي حاجب الديوان وشافهه بالعزل عن القضاء وتدريس المدرسة المستنصرية وأمره بالانتقال من الدار التي سكنها القضاة، وولي عوضه أبو الفضل عبد الرحمن بن عبد السلام بن اللمغاني أقضى القضاة.
- وفيها عاد تاج الدين أبو الفتوح على بن الدوامي من أربل مفارقاً للخدمة بها، وقد تقدم ذكر أصعاده إليها متولياً لأعمالها وصدراً لديوانها، فلما نقل فخر الدين أبو سعيد المبارك بن المخرمي من صدرية المخزن إلى صدرية ديوان الزمام رتب تاج الدين في صدرية المخزن وخلع عليه وقلد سيفاً وأمطى فرساً.
- وفيها، وصلت الأخبار من أربل أن عساكر المغول اجتازوا بها قاصدين الموصل فحاربهم عسكر أربل وقتل من الفريقين وجرح جماعة ثم انفصلوا قاصدين أعمال الموصل فعاثوا بها أشد العبث وقتلوا ونهبوا وأسروا، فأمر الخليفة بتجهيز العساكر والتوجه إلى تلك الجهة واستنفار الأعراب من البوادي والرجالة من جميع الأعمال فلما حضروا فرقت عليهم الأموال والسلاح وجعل مقدم العساكر الأمير جمال الدين قشتمر وتوجهوا، فلما وصلوا دربند، بلغهم أن المغول قد عادوا راجعين إلى بلادهم فرجع حينئذ قشتمر والعسكر إلى بغداد.
- وفيها، صرف محمد بن الغنم من الوكالة ورتب عوضه ابن الطبال الدلال وظهرت منه نجابة ومعرفة وجلادة تامة.
- وفيها، توفي أبو عبد الله بن حمد بن المرشد شيخ من أهل - المرية - قرية من أعمال البصرة، يعرف الفقه علي مذهب الشافعي تولى قضاء واسط سنين عدة في الأيام الناصرية وولي الاشراف بديوان واسط وعزل في الأيام المستنصرية وكان عنده دعابة ومزح وكيس وتواضع، قدم بغداد بعد عزله وهو شيخ طوال قليل البصر وقصد يوما كمال الدين عبد الرحيم ابن ياسين فطرق الباب فقال من بالباب فقال ثلاثة عميان فأذن له فلما دخل رآه وحده فاستفسره عما قال فقال أنا الثلاثة العميان، لأني غريب والغريب كما يقال أعمى، وطالب حاجة وطالب الحاجة أعمى لا يرى إلا قضاءها، والعمى الحقيقي فمشاهد، وكان أب ياسين ضعيف النظر جداً فقال له ياسيدي صرنا أربعة، كانت وفاته في المرية، وقد أضر وعمره ثمانون سنة.
- وتوفي جمال الدين أبو الحسن عبد الله بن الناقد أخو نصير الدين نائب الوزارة، رتب أولاً حاجبا بالديوان ثم نقل إلى حجة المخزن ثم ولي صدرية المخزن وكان على ذلك إلى أن توفي، صعد ليلة إلى غرفة داره فعرض له فالج فلم يتمكن من النزول فبقي على تلك أياماً ومات في صفر.
- وتوفي، بعد أخوه نور الدين أبو الفضل يحيى، كان أحد الحجاب بالديوان وناب عن أخيه نصير الدين نائب الوزارة في الوكالة في هذه السنة وتوفي في ذي الحجة.
- وفيها، توفي أبو صالح نصر بن أبي بكر بن عبد الرزاق بن أبي محمد عبد القادر الجيلي الفقيه الحنبلي الواعظ، شيخ وقته ومقدم مذهبه من بيت العلم والصلاح، سمع الحديث ورواه وتفقه على أبيه وعلى الشيخ النوقاني الشافعي وتكلم في مسائل الخلاف ودرس في مدرسة جده بباب الازج والمدرسة الشاطئية بباب الشعير وتكلم في الوعظ وشهد عند قاضي القضاة ابن الدامغاني وقلد قضاء القضاة في خلافة الظاهر بأمر الله ولم يقلد قضاء القضاة حنبلي سواه فسار سيرة حسنة من فتح بابه ورفع حجابه والجلوس للناس عموماً والآذان على بابه والصلاة بالجماعة والخروج إلى صلاة الجمعة راجلاً ولبس القطن وتجنب لبس الابريسم، ثم عزل في سنة ثلاث وعشرين، فانتقل إلى مدرسته وجلس على عادته بذكر الدروس ويفتي الناس، ولما تكامل بناء الرباط المستجد بدير الروم، جعل شيخاً على من به من الصوفية فلم يزم على ذلك إلى أن توفي، ودفن في دكة الإمام أحمد رضي الله عنه فأنكر الخليفة ذلك وأمر بتحويله فحول ليلاً ودفن قريباً منه، خارجاً عن تربته ولما عزل عن القضاء قال أبياتاً أولها:
- حمدت الله عز وجل لما ... قضالي بالخلاص من القضاء
- وفيها، توفي أبو منصور معلى بن الدباهي الفخري من قرية تعرف - بالفخرية - من أعمال نهر عيسى من أهل بيت ذوي رئاسة وتناية، ومعلى هذا رتب ناظراً بدجيل، ثم بنهر عيسى، ثم نقل إلى صدرية المخزن، ثم نقل إلى صدرية ديوان الزمام، فكان على ذلك إلى أن أمر بملاحظة أربل وأعمالها، فتوجه إليها في هذه السنة فتوفي بأربل ودفن بها.
- وحج بالناس في هذه السنة، الأمير أبو فراس بن جعفر بن أبي فراس.
- وفيها، توفي عز الدين ابن الأثير الجزري صاحب الكامل في التاريخ بالموصل.
- سنة أربع وثلاثين وستمائة
- في خامس صفر، وصل إلى بغداد نور الدين أرسلان شاه بن عماد الدين زنكي صاحب شهر زور فخرج موكب الديوان إلى لقائه وفي صدره عارض الجيوش أبو الحسن علي بن المختار وخادمان من خدم الخليفة، فلقيه بظاهر السور ودخل معه وقصد باب النوبي وقبل العتبة ثم دخل إلى نصير الدين بن الناقد نائب الوزارة فرفع قدره وخلع عليه ثم خرج ومضى إلى دار عينت له بمحلة المقتدية منسوبة إلى النقيب الطاهر معد الموسوي وأسكن أصحابه في دور مجاور لها، وكان جميل الصورة ظريف الشكل لطيف القد، واستدعي في حادي عشر الشهر إلى البدرية فحضر عند شرف الدين أقبال الشرابي فشرفه بلباس الفتوة نيابة ووكالة عن الخليفة وخلع عليه، وفي رابع عشرية، عمل له دعوة بالمدرسة المستنصرية وحضر إليها وجلس على طرف أيوابها الصغير وفرقت الربعات وقرئت الختمات وذكر المدرسون بها الدروس ثم نهض فدخل دار كتبها فجلس بها ساعة، ثم خرج متوجهاً إلى داره، واستدعي في خامس عشري الشهر إلى دار الوزارة وخلع عليه وقلد سيفاً وحمل على فرس بمركب ذهباً وعدة كاملة وأعطي خمسة أحمال كوساة ونقارات وما يناسب ذلك من الآعلام وغيرها وأنعم عليه بخمسة آلاف دينار، وأذن له في العودة إلى بلده فتوجه في ذلك اليوم.
- في ربيع الأول، ختم الأمير أبو القاسم عبد العزيز ولد الخليفة المستنصر بالله القرآن المجيد، على مؤدبه العدل أبي المظفر علي بن النيار وجرت الحال في الدعوة وخلع على ما تقدم شرحه في ختمة أخيه.
- وفيه، عزل تاج الدين علي بن الدوامي عن صدرية المخزن مراسلة بحاجب وكان في عقابيل مرض ورتب عوضه أبو فضلة هاشم بن علي بن الأمير السيد العلوك ثم ولي تاج الدين في شهر رجب حجبة باب النوبي وأمر الشرطة.
- وفيها، قصد جماعة عيادة مريض وهو على سطح دارة فقعدوا عنده ساعة فوقع السقف ووقعوا كلهم فماتوا جميعهم إلا المريض.
- كم من مريض قد تحاماه الردى ... فنجا ومات طبيبه والعود
- وفيها، وصل أمير الحاج أبو فراس أبن أبي فراس ومعه العرب الأجاودة الذين تعرضوا لأذية الحاج ومنعوهم الحج في سنة اثنتين وثلاثين وستمائة وكل منهم قد كشف رأسه وجعل على عنقه كفنه وبيده سيفه ومعهم نساؤهم وأولادهم فقصدوا باب النوبى وقبلوا الأرض ورمى النساء براقعهن وضججن بالبكاء والتضرع فعرفوا قبول توبتهم والعفو عنهم وأنعم عليهم باكسوات وغيرها وعادوا إلى أماكنهم.
- وفيها، حضر عبد الله الشرمساحى مدرس المالكية بالمدرسة المستنصرية بالبدرية عند شرف الدين أقبال الشرابي وأنعم عليه بلباس الفتوة نيابة ووكالة عن الخليفة.
- وفي هذه السنة، قصد ملك الروم مدينة آمد وحصرها وضيق على أهلها وجرى بين العسكرين قتال وقتل من الفريقين خلق كثير وقلت الأقوات وتعذرت على أهل البلد فأرسل صاحبها إلى الخليفة يعرفه ذلك ويسأله مراسلة ملك الروم في الكف عنه فأمر الخليفة بانقاذ أبي محمد بن الجوزي فتوجه نحوه، وقال: لما وصلت إليه وجدت عساكره قد أحاطت بمدينة آمد وأهل البلد في ضر عظيم فعرضت عليه مكتوب الديوان فذكر أن أولئك هم الذين ابتدأوا وقتلوا أصحابه، قال: فأخرجب خط الخليفة بقلمه وتلوت قوله تعالى (كتاب أنرلناه إليك مبارك ليدبروا آياته وليتذكر أولوا الألباب) وقبلته وسلمته إليه فقام ووضعه على عينه ورأسه وقرأه وأمر في الحال بالكف عن القتال والرحيل عن البلد.
- وفيها، أمر الخليفة بعمل مزملة بالقرب من قبر أحمل بن حنبل رضي الله عنه لاجل الزوار الواردين فلما تكامل بناؤها فتحت وجعل فيها الحباب وملئت من الجلاب، ورتب فيها قيم يقوم بمصالحها ونظم الشعراء في ذلك قصائد منها: ما قاله جعفر بن مهدوية الكاتب من قصيدة يمدح بها الخليفة:
- وقبر أحمد قد طرزت حليته ... بحلية زينت منه مبانيه
- ثم أتخذت لنا فيه مزملة ... ندل أنك يوم الحوض ساقية
- فاسلم فدتك الرعايا يا أمام هدى ... تهدي إلى الحق من قد ضل في البته
- وفيها، قلد أقضى القضاة عبد الرحمن بن المغاني علي بن البصري قاضي دجيل قضاء واسط وأعمالها.
- وفيها، وصل الأمير عز الدين قيصر الظاهري مخبراً بوصول ابنة بدر الدين لؤلؤ صاحب الموصل، وكان قد نفذ لاحضارها لنزف على زوجها مجاهد الدين أبيك المستنصري المعروف بالدويدار الصغير فخرج إلى تلقيها بدر الظاهري المعروف بالشحنة أحد خدم الخليفة وفي صحبته ثلاثون خادماً والأمير بدر الدين سنقر جاه أمير آخور الخليفة وجماعة من المماليك والحاجب، أبو جعفر أخو استاذ الدار ومؤيد الدين محمد بن العلقمي فتلقاها بدر الشحنة في المزرفة وعادوا الجماعة معه وانحدرت هي في شبارة، حملت لها إلى هناك في جماعة من خدمها وجواريها وصعدت في باب البشرى ليلاً، وقد أعد لها بلغة فركبت واجتازت بدار الخلافة وخرجت من باب النوبي إلى دار زوجها مجاهد الدين - بدرب الدواب - وهي الدار المنسوبة إلى أحمد بن القمي فنثر عليها خادم لزوجها ألف دينار عند دخولها الدار.
- وفي رابع جمادي الآخرة، خلع الخليفة علي مجاهد الدين بين يديه وقدم له مركوب بعدة كاملة فخرج وقبل حافرة وركب من باب الأتراك ورفع وراءه أربعة عشر سيفاً إلى غير ذلك من الحراب والنشاب وأشهرت السيوف من باب دار الضرب وخرج معه جماعة من خدم الخليفة والحاجب أبو جعفر بن العلقمي أخو استاذ الدار ومهتر الفراشين وحاجب ديوان الأبنية وغيرهم، وتوجه إلى داره فلما اجتاز بباب البدرية، نشر عليه خادم من خدم الشرابي أربعة آلاف دينار ولما اجتاز بدرب الدواب، نثر عليه في عدة مواضع من دار الأمير جمال الدين قشتمر ودار ابنته زوجة الأمير نصرة الدين كنج أرسلان، وكان ورائه الاعلام والطبول والكوسات.
- في عشية هذا اليوم، نفذ له أحد عشر طبلاً، للخلق وأحد عشر قصعه وزوج صنج برسم طبل النوبة في الصلوات الثلاث، وزفت عليه زوجته فاجتمع له فرحتان فرح الإمارة وفرح العرس ولم يبلغ أحد من أبناء جنسه مع حداثة سنة ما بلغ ومن الغد عرضت عليه الهدايا من رقيق الترك والخدم والحبوش وأنواع الثياب والطيب والخيل وآلة الحرب وغير ذلك، من جميع الزعماء وأرباب الدولة وخدم الخليفة وسائر المماليك، ثم الوزير والشرابي واستاذ الدار والديودار الكبير، ولم ينفذ له أحد شيئاً إلا وخلع على المنفذ على يده، ثم ركب وبين يديه الأمراء والمماليك ورفع وراءه السلاح وقيدت بين يديه الخيل المجنونة وشهرت حوله السيوف وسعى السكيانية وبأيديهم الحرب والاطبار، والجاووشية بأيديهم الجوالكين الذهب والفضة وقصد دار الخلافة فخدم وعاد، ثم ركب عشية هذا اليوم وقصد دار الخليلة فخدم، وخرج وقت عشاء الآخرة في الأضواء والشموع واستمر دخوله إلى دار الخليفة في كل يوم بكرة وعشية على هذا الوضع.
- وفي عاشر الشهر، خلع على أخواجته أبي الحسن علي بن المختار العلوي وعلى وكيله ماري بن صاعد بن توما النصراني وعلى نواب ديوانه وجميع الأمراء الذين أضيفوا إليه أيضاً ثم على أتباعه وحواشيه وغلمان البلدرية ومقدمها، وبوابي دار الخلافة الذين جوازه عليهم ولم يزل مقيماً في هذه الدار إلى أن تكاملت عمارة الدار المنسوبة إلى علاء الدين تتامش على دجلة وما أضيف إليها مما جاورها فانتقل إليها في ذي القعدة من السنة، وأنعم الخليفة عليه باصطبله المقابل لها على دجلة.
- وفيها، أستحجب عبد الرحمن بن يحيي بن المخرمي أخو صاحب الديوان وجعل أسوة بحجاب المناطق.
- وفيها، قصد الخليفة مشهد موسى بن جعفر عليه السلام في ثالث رجب فلما عاد أبرز ثلاثة آلاف دينار إلى أبي عبد الله الحسين بن الاقساسي نقيب الطالبيين وأمره أن يفرقها على العلويين المقيمين في مشهد أمير المؤمنين علي بن أبي طالب والحسين وموسى بن جعفر عليهم السلام.
- وفي رجب، أعيد فخر الدين أبو طالب أحمد بن الدامغاني إلى أشراف المخزن وخلع عليه.
- وفيها، وصل بشر خادم الأمير ركن الدين اسماعيل بن بدر الدين لؤلؤ صاحب الموصل ونفران من رماة البندق ومعهم طائر قد صرعه ركن الدين وانتسب ذلك إلى شرف الدين أقبال الشرابي فقبله وأمر بتعليقه فعلق تجاه باب البدرية وأن ينثر عليه ألفا دينار، ثم خلع على الخادم والواصلين صحبته وأعطاهم ثلاثمائة آلاف دينار.
- وفيها، توفي محمد بن عبد العزيز بن محمد بن عبد الرحمن المعروف بابن العجمي وهو من بيت رئاسة... قديمة.. وله شعر حسن فمنه: سقى الله ذا العيش غض والحبيب قريب لح في رياضه ويدعوننا داعي..
- وفيها، توفي الملك العزيز محمد بن غازي بن يوسف بن أيوب ابن شادي صاحب حلب، كان قد توفي أبوه الملك الظاهر غازي وهو طفل فعهد إليه وجعل أتابكه ومربيه والقائم بأمره وتدبير دولته خادماً اسمه طغرل ولقبه شهاب الدين فقام بتربيته وبالغ في حراسة دولته وأحسن السيرة في الرعية إلى أن كبر وصار من أحسن الشباب صورة فاختر منه المنية في عنفوان شبابه وقد جاوز عشرين سنة من عمره وخلف ولدا صغيراً فعهد إليه، ومن العجب أن الملك الظاهر غازي لما مرض أرسل إلى عمه العادل أبي بكر محمد صاحب مصر والشام رسولاً يطلب منه أن يحلف لولده محمد هذا فقال العادل: سبحان الله أي حاجة إلى هذه اليمين؟ الملك الظاهر مثل بعض أولادي. فقال الرسول: قد طلب هذا ولا بأس باجابته فقال العادل: كم من كبش في المرعى وخروف عند القصاب. وحلف له فتوفي الظاهر والرسول عند العادل ولم تطل أيام الملك عبد العزيز محمد.
- وفيها، توفيت ست شمائل وأسمها شجرة الدر التركية، كانت حظية الخليفة الناصر لدين الله مقربة إليه وكانت تكتب خطا جيداً وكانت تقرأ له المطالعات الواردة عليه لما تغير نظره ويملي عليها الأجوبة، ودفنت في تربة الخلاطية.
- وفيها، توفي الملك كيقباذين كيخسرو بن قلج أرسلان بن مسعود بن قلج أرسلان السلجوقي صاحب قونية وآقصراي وسيواس وغير ذلك من بلاد الروم، وملك بعده أخوه كيكاوس وكان كيقباذ أول مالك كبكاوس فلما مرض أحضره وا.. بأولاده.
- ذكر حصر أربل في سابع عشر شوال، وصل الخبر من أربل على جناح طائر بنزول عساكر المغول على أربل والأحاطة بها وتحصن أهل البلد بغلق الأبواب وصعود القلعة وأمر شمس الدين أصلان تكين الناصري بالتوجه إلى هناك جريدة ونفذ معه ثلاثة آلاف فارس بغير ثقل فتوجهوا في العشرين من الشهر وتوجه بعدهم الأمير مجاهد الدين أيبك الدويدار في جماعة من مماليكه جريدة ونفذ صحبته ابن كر الأربلي ثم خرج شرف الدين الشراب ومعه جماعة من الأمراء والمماليك وتوجه أيضاً نحوهم. وأحضر نصير الدين نائب الوزارة المدرسين والفقهاء واستفتاهم: إذا اتفق الجهاد والحج أيهما أولى؟ وأفتوا بأن الجهاد أولى، فأبطل الحج في هذه السنة، وأمر المدرسين والفقهاء ومشايخ الربط والصوفية برمي النشاب والاستعداد للجهاد وولي الأمير أيدمر الأشقر الناصري شحنة بغداد ووقع الاستظهار بنصب المناجيق على سور بغداد وأصلح الخندق، وأما المغول فأنهم نزلوا على أربل وحصروها ونصبوا المناجيق عليها، وقصدوا جهة من السور فهدموا جهة من السور فهدموا منه قطعة كبيرة ودخلوا البلد عنوة وقهراً فتحصن أهله ومعظم العسكر بالقلعة وقاتلوهم أشد قتال، وأمد المغول بدر الدين صاحب الموصل بما يحتاجون إليه من ميرة وآلة وغيرها، وأعوز أهل قلعة أربل الماء، فتلف منهم ألوف كثيرة بالعطش ولم يمكن دفنهم لضيقة الموضع ولا القاؤهم لئلا يسدوا الخندق فأحرقوا بالنار، ثم عاثوا في البلد أشد العيث نهباً وأسراً وأحراقاً وتخريباً، ثم اهتموا بالقلعة وجدوا في نصب المناجيق عليها فبلغهم وصول عساكر الخليفة فرحلوا راجعين إلى بلادهم في سادس ذي الحجة فورد الخبر بذلك إلى الشرابي فرجع والعساكر والأمراء في خدمته إلى بغداد فدخلها في ثالث عشر المحرم سنة خمس وثلاثين.
- سنة خمس وثلاثين وستمائة وفي المحرم، عزل علاء الدين هاشم بن الأمير السيد من صدرية المخزن ورتب عوضه فخر الدين محمد بن أبي عيسى نقلا من صدرية دجبل.
- وفيها، حضر أسد الدين شير كوه صاحب حمص عالة وأخذها صلحاً ورتب بها نائباً.
- وفيها، ولي أقضى القضاة عبد الرحمن بن اللمغاني تدريس الطائفة الحنفية بالمدرسة المستنصرية عوضاً عن أبن الانصاري الحلبي فإنه سأل الأذن في العود إلى بلده بأهله وأولاده فأذن له، وكانت مدة تدريسه بالمدرسة المذكورة أحداً وعشرون شهراً.
- وفيها، في تشرين الأول جاء رعد هائل وبرق عظيم ووقعت صواعق كثيرة: منها صاعقة أصابت أنساناً بظاهر سور سوق السلطان قريباً من سوق الخيل كان على بغل فأحرقت بعض صدره ونصف البغل فوقعا ميتين ووقعت صاعقة أخرى في دار يهودي بخربة ابن جردة، وأخرى على نخلات بباب محول فأخرقتها، كل ذلك في ساعة واحدة، ووقعت صاعقة أخرى في شباط على الرواق بالمدرسة المستنصرية فشعثت منه موضعاً.
- وفيها، رد أمر حجر البيع إلى تاج الدين علي بن الدرامي حاجب باب النوبي يومئذ، وعين الأمير شمس الدين أصلان تكين زعيما ببلاد خوزستان، عوضاً عن الأمير علاء الدين ايلدكز المعروف بطاز، وكانت مدة ولايته ثلاث سنين وخمسة أشهر.
- وعزل، منصور بن عباس عن صدرية لديوان المفرد بنهر الملك ونهر عيسى وهيت، ورد أمرها إلى صاحب الديوان فخر الدين أبي سعيد المبارك بن المخرمي.
- وفي ربيع الآخر، تقدم إلى المدرسين والفقهاء ومشايخ الربط والصوفية وأرباب الدولة من الصدور والأمراء بحضور جامع القصر لأجل الصلاة على ابنة بدر الدين لؤلؤ صاحب الموصل زوجة الأمير علاء الدين الطبرسي الدويدار الكبير وصلي عليها في القبلة وشيع الكل جنازتها، إلى المشهد الكاظمي ودفنت إلى جانب ولدها في الايوان المقابل للمدخل إلى مصف الحضرة المقدسة في ضريح مفرد، قيل أنها كانت نفساء، عن نيف وعشرين سنة ومدة مقامها في بغداد عشر سنين، وعمل العزاء في دار الأمير علاء الدين وحضر النقيب الظاهر الحسين بن الاقساسي وموكب الديوان وأقامه من العراء، ونفذ المحتسب أبو الفرح عبد الرحمن بن الجوزي إلى بدر الدين لؤلؤ ليقيمه من العزاء.
- وفي جمادي الأولى، عقد العقد في دار الوزارة على ابنة سليمان شاه بن برجم بمظفر الدين محمد بن الأمير جمال الدين قشتمر، وأحضر أقضى القضاة عبد الرحمن بن اللمغاني ونوابه وكان مبلغ الصداق ألف دينار.
- فيها، كثر شغب العوام ببغداد وقتل جماعة من الناس في عدة أماكن فولي عماد الدين طغرل الناصري شحنكية بغداد فسكن الناس.
- وفيها، دخل دار الوزارة مملوك من مماليك الخليفة وهي مغتصة بالزحام لاجل السلام فقصد صفة المسند وأطبق دواة الوزير فانزعج الحاضرون ولم يشكوا أنه مأمور، وذلك عنوان العزل وتطالت الأعناق إلى ما وراء ما فعل، فبدأ منه مايدل على تغير عقله، فقام إليه أحد الحجاب ودبه بيده وأنزله من الصفة، وعرف الوزير هذه الصورة، فأنهى ذلك إلى الخليفة، فتقدم بهلاك المملوك فشفع الوزير فيه، ووقع الاقتصار على حبسه بالمارستان أسوة بالمجانين.
- وفيها، اتصل مؤيد الدين أبو طالب محمد بن العلقمي وولده عز الدين أبو الفضل أحمد بابنتي الوزير مؤيد الدين محمد بن محمد القمي وكان الاجتماع بهما في شعبان وكان قد أفرج عنهما وردت عليهما أملاكهما وما اجتمع من اجرتها وهو سبعة آلاف دينار في صفر من السنة.
- وفي شعبان، رتب شمس الدين عبد العزيز بن محمد بن خليد مشرفاً بدار التشريفات نقلاً من الكتابة بها، ورتب مجد الدين علي ابن أبي الميامن بن أمسينا الواسطي كاتباً بها، وقلد العدل الخطيب أبو طالب الحسين بن أحمد بن المهتدي بالله نقابة العباسيين.
- وفي آخر شعبان، انتهي من عمارة باب جامع القصر مما يلي الرحبة وفتح، وفتحت المزملة التي عملت بالجامع المذكور أيضاً.
- وفيه، نهض على بدر الدين لؤلؤ صاحب الموصل نفران من الباطنية ليقتلاه فجرحه أحدهما في يده فقبضا وقتلا وأخذ في التحرز بعد ذلك والاستتار.
- وفيها، نقل العدل أبو طالب أحمد بن الدامغاني من أشراف المخزن إلى ديوان عرض الجيش المختص بالغرباء، وتفرد أبو علي الحسن بن المختار العلوي بديوان عرض العساكر البغدادية فصار حينئذ للجيش عارضان، وكان قد جعل لديوان المجلس حاجبان فقيل في ذلك:
- هذه دولة حوت كل حسن ... وجهها مشرق بديع المعاني
- فلها حاجبان زيدا جمالا ... ولها من جمالها عارضان
- وفيه، علق طائر بباب بدر، قيل أنه رماه كيخسرو بن كبقباذ ملك الروم ونثر عليه ألف دينار، تولى ذلك عبد الله بن المختار.
- وفيها، توفي شمس الدين التمش بن قطب الدين أيبك مملوك شهاب الدين محمد بن سام الغوري ملك الهند، وملك بعده ولده ركن الدين فيروز شاه فلم يستقم له الأمر، وتفرق عنه العسكر فقبضت عليه اخته وملكت بعده وأطاعها الجند والرعية وتلقبت - رضية الدنيا والدين - واستقام لها الأمر.
- وفيها، توفي الأمير شرف الدين علي بن الأمير جمال الدين قشتمر، امه ايران خاتون ابنة أبي طاهر ملك المر، كان قد مرض وشفي وركب وخلع على الطبيب، فلما نزل، عرض له ألم في فؤاده واعقال طبع، فمات وكان شاباً جميلاً كريماً شجاعاً، قد أمر وأضيف إليه عدة من المماليك ورفع وراءه سيفان وتوفر اقطاعه، فاخترمته المنية في عنفوان شبابه، ودفن عند والدته بمشهد الحسين عليه السلام، واستدعي جمال الدين قشتمر إلى دار الوزارة، ومعه ولده مظفر الدين محمد وولده شرف الدين علي المتوفي، وهو فخر الدين مغدي فخلع على مظفر الدين وجعل أميراً على مائة فارس وعمره يومئذ ثلاث عشرة سنة، وخلع على فخر الدين مغدي وجعل أميراٍ على عدة خمسين فارساً، وعمره يومئذ خمس سنين، ثم خلع على الأمير جمال الدين قشتمر، كل ذلك جبراً لقلبه، من فجعته بولده.
- وفيها، توفي الملك الاشرف أبو الفتح موسى بن الملك العادل أبي بكر محمد بن أيوب بن شادي صاحب دمشق، ملك بعد وفاة أبيه ديار الجزيرة وميا فارقين وخلاط، واستقر ملكه بها، ثم ملك سنجار صلحا، وقصد بلاد الموصل وسار يريد أربل، فراسله الخليفة الناصر لدين الله بالرجوع عنها والصلح، فأجاب إلى ذلك على أن يخطب له ويضرب الدينار باسمه، فأجاب مظفر الدين كوكبري إلى ذلك، فلما عاد إلى حران، راسل الخليفة يسأل تشريفه بالفتوة فنفذ إليه من فتاه بطريق الوكالة، وكان عنده أدب وفضل مع ظرافة ولطافة وكرم فائض، وكان متعففاً عن أموال الرعية منعكفاً على ملاذة، مشتهراً بحب الغلمان الأتراك والميل إليهم، مستهتراً بهم وله فيهم أشعار كثيرة، ليست بالجيدة: فما قاله في غلام تركي كان على خزانته:
- أفدي قمراً تحار فيه الصفة ... يسخو بدمي وهو أمين ثقة
- ماذا عجب بحفظ مالي ويرى ... روحي تلفت به ولا يلتفت
- وكانت وفاته بدمشق في المحرم، وقد جاوز الستين سنة من عمره واستولى أخوه الملك الصالح اسماعيل على دمشق بعده.
- وفيها، توفي ظهير الدين الحسن بن علي بن عبد الله من أعيان المتصرفين خدم أولاً خواجة الأمير علاء الدين تتامش، ثم تولى عرض ديوان الجيش ثم عين عليه في وزارة بلاد خوزستان، ثم عزل واعتقل هناك في سنة ست وعشرين، فكان على ذلك إلى أن توفي الخليفة الناصر لدين الله فأفرج عنه ووصل إلي بغداد فولي صدرية ديوان عرض الجيش ثم نقل إلى صدرية ديوان أربل فكان بها، ثم سأل أن يعفى من الخدمة بها فأعفي، ثم أعيد إلى بلاد خوزستان فكان بها إلى أن مات.
- وفيها، توفي المللك الكامل أبو المعالي محمد بن الملك العادل أبي بكر محمد بن أيوب بن شادي صاحب مصر والشام، وكان فاضلاً أديباً متفقها وسمع الحديث ورواه وكان معظماً لأهل العلم محباً لهم يحضرهم مجلسه في كل اسبوع ويبحثون عنده ويتناظرون ويتكلم معهم، ويشركهم في بحثهم ويلزم معهم أدب المناظرة ويخاطبهم أحسن خطاب، وله شعر جيد، منه: ما كتبه إلى أخيه الاشراف حيث كان على دمياط:
- يامسعفي أن كنت حقاً مسعفي ... فأرحل بغير تفند وتوقف
- واطو المنازل والديار ولا تنخ ... إلا على باب المليك الاشرف
- قبل يديه لا عدمت وقل له ... عني بحسن تعطف وتلطف:
- أن تأت صنوك عن قريب تلقه ... ما بين حد مهند ومثقف
- أو تبط عن أنجاده فلقاؤه ... يوم القيامه في عراص الموقف
- ولما توفي أبوه، حذا حذوه في التيقظ والحراسة وحسن التدبير وسياسة الملك، فأخذ اليمن ومكة وتغلبا، ونفذ إليها ولده الملك المسعود بالمظفر يوسف، ولما أخذ الفرنج دمياط وتملكوها، جرد عزما ماضياً، وخرج بنفسه وجمع العساكر، وانتقل بهم وبجميع أهل البلد وبني مدينة مستأنفة وبنى بها جامعا ومدارس وأربطة وحمامات وخانات، ونقل إلها الناس على اختلافهم، ولم يزل محاصراَ لها مضيقاً على من بها حتى أخذها، وقبض على الفرنج وأخذهم اسرى ودخل القاهرة وهم بين يديه، ثم من على من أسرهم من ملوكهم وأحسن إليهم، وأطلقهم على أشياء قررها، ولو لم يكن له إلا هذا لكفي، فأنهم لما ملكوا دمياط أشرف باقي البلاد على الأخذ ولو أخذت مصر لما بقي بالشام معهم ملك لأحد، وكانت وفاته في شعبان بدمشق، وقد جاوز الستين من عمره، وكانت مدة ملكه منذ ملك مصر أربعين سنة، وعهد إلى ولده العادل حمد.
- ذكر وصول عساكر المغول نواحي العراق في صفر، وصلت الأخبار إلى أهل أربل، أن عساكر المغول عادوا إلى قصدهم في جمع كثير، فانتزح من كان بها وبالقلعة أيضاً، فلما رأى زعيمها الأمير شمس الدين باتكين خلو البلد، أمر بخروج العسكر المقيم هناك إلى ظاهر البلد ثم الاستعداد للحراسة فعدلوا حينئذ عن أربل فقصدوا دقوق، وانبثوا في أعمال بغداد وعاثوا بها أشد العيث، فوصل الخبر إلى بغداد فخرج شرف الدين اقبال الشرابي مبرزاً إلى ظاهر البلد، وأمر خطيب جامع القصر أبا طالب بن المهتدي بأن يحرص في خطبته على الجهاد ففعل ذلك، فبكى الناس لما سمعوا كلامه، وأجابوا بالسمع والطاعة، وقدم أهل السواد من دقوق وغيرها إلى بغداد، معتصمين بها وتضاعفت أجرة المساكن، وانزعج الناس لذلك، وتتابع خروج الأمراء والعساكر إلى ظاهر البلد، وركب الخليفة المستنصر بالله إلى الكشك، فنزل به وظهر للأمراء، وأمرهم المشورة، فقال كل واحد ما عنده، وسهل الأمير جمال الدين قشتمر الأمر في لقائهم، وعين الشرابي على جماعة من الأمراء لقصدهم، فتوجهوا إلى القليعة ونزلوا بها، فبلغهم أن المغول في جمع كثير وهم بالقرب من الجبل، فساروا نحوهم فلما قاربوهم تعبوا ميمنة وميسرة وقلباً، فلما شاهدت عساكر المغول ذلك ولوا راجعين، فتبعهم جماعة من العسكر فقتلوا منهم جمعاً كثيراً وأسروا منهم جماعة، وغنموا من دوابهم وأثقالهم، وأرسلوا إلى الشرابي برؤوس كثيرة، فضربت البشارة عند مخيمه وخلع على الواصلين بالخبر واستأذن الشرابي في دخول البلد فأذن له، فدخل في مستهل ربيع الأول، هو والأمير جمال الدين قشتمر والعسكر، وأذن لنور الدين أرسلان شاه بن عماد الدين زنكي صاحب شهر زور في العود إلى بلده، وخلع عليه وعلى أصحابه، وتقدم إلى تاج الدين محمد بن الصلايا العلوي بالتوجه إلى أربل وتجديد سورها وعمارة ما خرب من دورها ونفذ معه كركر الناصري ليكون مستحفظاً بقلعتها، وعين على الأمير ايدمر الأشقر الناصري زعيما بها وكان زعيمها الأمير شمس الدين باتكين قد فارقها.
- ثم تقدم، بعمارة سور بغداد وقسم بين أرباب الدولة فسلم إلى نواب ديوان الأبنية منه قطعة مما يلي دار المسناة وقسم العمل بين ثلاثة، وهم فخر الدين المبارك بن المخرمي صاحب الديوان، وابن أبي عيسى صدر المخزن، وتاج الدين علي بن الدوامي حاجب الباب ووقع الحث على ذلك.
- ثم وصل الخبر في شهر رجب المبارك أن عساكر المغول قد سارت نحو بغداد، فتقدم إلى الأمراء بالخروج إلى ظاهر البلد فخرج الأمير جمال الدين بكلك الناصري، والأمير جمال الدين قشتمر وغيرهما من الأمراء، وخيموا ظاهر البلد، وكاتب الخليفة ملوك الأطراف يستنجدهم ويعرفهم الحال، فوصل في شهر رمضان ولدا الملك الأمجد فرخشاه صاحب بعلبك، وهما الملك السعيد شاهنشاه والمظفر عمر ومعهما ألف فارس، فخرج الموكب إلى لقائهما فدخلا وقبلا العتبة فخلع عليهما، وعلى الأمراء الواصلين صحبتهما ثم خرجا وأنزلا في المخيم بظاهر السور.
- ثم وصل بعده، الملك المشمر خضر بن صلاح الدين صاحب دمشق ومعه ستمائة فارس، وتلقي ودخل البلد وخلع عليه وعلى أصحابه وخرج إلى ظاهر السور، وخرج شرف الدين أقبال الشرابي أيضاً إلى مخيمه وتكملت العساكر عنده، فأمرهم المسير إلى لقاء المغول فساروا في شوال، وكانت عدتهم سبعة آلاف فارس، فوصلوا قريباً من جبل خانقين، فبلغ جمال الدين بكلك، أن عدة عساكر المغول خمسة ألف فارس، فسار ليله أجمع ليدركهم نازلين فكبسهم فلما أسفر الصبح، عبر هو والأمراء الذين معه والعسكر قنطرة هناك فلما تكاملوا عبور القنطرة، بان لهم غبار عساكر المغول وهم سائرون نحوهم فواقعوهم على تعب وسهر، واقتتلوا قتالاً شديداً وانكسرت ميمنة المغول وميسرتهم ولم يبق إلا القلب فحينئذ ظهرت كوامن كانت لهم وأحاطوا بعسكر بغداد وكانوا قد لحجوا وراء المنهزمين، فانهزمت حينئذ عساكر بغداد وقتل منهم خلق كثير فالتجأوا إلى دجلة؟ قريبة من موضع الوقعة فهلك معظمهم جوعاً وعطشاً، وعاد من سلم منهم إلي بغداد، وقتل جمال الدين بكلك وطبرس وطغرل الحلبي وقيصر الظاهري وبهاء الدين علي الأربكي وكيكلدي بن قرغوي، وجماعة من كبار الزعماء يطول ذكرهم، وكانت هذه الوقعة يوم الخميس ثالث ذي القعدة، ووصل الخبر على جناح طائر يوم الجمعة رابعه، فانقلب البلد وماج بأهله ووصل أثر الطائر أهل طري خراسان، والبندنيجين، وغيرهم منتزحين عن أوطانهم، وقدم ابن أبي عيسى صدر المخزن ومشرفه والعمال والنواب، وكثر الرهج وضج الناس، فتقدم الخليفة إلى كافة الأمراء بالتبريز وفتحت أبواب السور، فخرجوا في تلك الليلة وخرج الشرابي، وخيموا جميعهم بالقرب من الملكية، وخرج الخليفة لينظر المخيم والعسكر، فبلغ الشرابي ذلك فركب عجلا للقائه، فظن الناس أن ركب الشرابي لأمر حدث، فركب العسكر منزعجين ووصل الخبر إلى عوام البلد وخواصه، فخرج أكثرهم متسلحين، فلما عرفوا حقيقة الحال سكنوا واطمأنوا، أما المغول فإنهم حازوا الغنائم وعادوا راجعين من خانقين وراسلوا الخليفة فوصل رسولهم في ربيع الآخر سنة ست وثلاثين وستمائة، فانفذ العدل جعفر بن محمد بن عباس البطائحي ناظر التركات، صحبة الرسول الوارد من جرماغون مقدمهم، وكان عوده في سنة سبع وثلاثين. واجتمع به بالقرب من قزوين، وأذن للشرابي والأمراء والعساكر بالدخول إلى البلد، فدخلوا في آخر ربيع الآخر،،لم يحج أحل في هذه السنة أيضاً.
بحث هذه المدونة الإلكترونية
الاثنين، 11 مايو 2026
1 صيانة صحيح مسلم + +كتاب : الحوادث الجامعة والتجارب النافعة المؤلف : ابن الفوطي.
الاشتراك في:
تعليقات الرسالة (Atom)
مكتبة الحديث
مكتبة الحديث اسم المؤلف اسم الكتاب كتب علوم الحديث محمد بن عيسى الترمذي العلل الصغير للترمذي إسماعيل بن كثي...
-
< تاريخ الطبري تاريخ الرسل والملوك للطبري الجزء الخامس ثم دخلت سنة سبع وثلاثين ذكر ما كان فيها من الأحداث موادعة ال...
-
ج2. كتاب : التدوين في أخبار قزوين المؤلف : الرافعي إسماعيل بن أحمد بن الحسين المذكر القزويني ، روى أبو العباس الناطفي عن أحمد بن ي...
-
مذكرة في أصول الفقه إعداد علي بن عبدالعزيز الراجحي 1427هـ بسم الله الرحمن الرحيم المقدمة الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونعوذ بال...
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق